الردع بالزمن: كيف تحوّلت مفاوضات روما إلى أداة لإدارة اختلال موازين القوى بين لبنان وإسرائيل

كريم هاني عبد الغفار -باحث مساعد في الشأن الدولي
مقدمة
لم تكن الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في روما مجرد محطة إجرائية أخرى ضمن مسار طويل، بل اختباراً كاشفاً لطبيعة العلاقة غير المتكافئة بين طرفين يتفاوضان تحت سقف رعاية أمريكية معلنة، لكن بموازين قوة ميدانية متباعدة (الجزيرة نت، 2026؛ يورونيوز بالعربية، 2026). وتحاول هذه الورقة أن تتجاوز الوصف الإخباري لمجريات الجولة إلى مساءلة السؤال الأعمق: لماذا يتكرر نمط الاتفاق الجزئي المتعثر منذ خمس جولات سابقة في واشنطن؟ وهل يعكس ذلك عجزاً تقنياً في صياغة الاتفاقات، أم أنه نتاج بنيوي لاختلال القوة ذاته؟
أولاً: من الإطار إلى الاختبار الميداني
وقّع الطرفان اتفاقاً إطارياً في واشنطن أواخر يونيو 2026، لكنه اصطدم بفجوة تنفيذية لم تُردم حتى نقل مسار التفاوض إلى روما (العربي الجديد، 2026). وقد دخل الوفد اللبناني الجولة بتوجيهات رئاسية صارمة تشدد على خطوات تنفيذية لا تحتمل التأويل (جريدة القدس، 2026)، في حين ركزت المباحثات على تفعيل «مناطق تجريبية» محدودة في زوتر الغربية وفرون جنوب لبنان، يقابل فيها انسحاب إسرائيلي جزئي دخولاً للجيش اللبناني (الدستور، 2026).
والملاحظ أن الخلاف لم يكن يوماً حول مبدأ الانسحاب، بل حول جدولته وضماناته؛ فلبنان يريد التزاماً زمنياً محدداً، بينما تربط إسرائيل أي انسحاب إضافي باختبار التزام الجانب اللبناني بالبنود الأمنية المقابلة أولاً (جريدة القدس، 2026).
ثانياً: قراءة استراتيجية.. الزمن بوصفه أداة ردع
يكشف هذا النمط التفاوضي عن منطق أعمق من مجرد الخلاف الفني حول التفاصيل: فحين يمتلك أحد الطرفين تفوقاً ميدانياً فعلياً، يصبح تمديد أمد التفاوض ذاته أداة ردع غير مباشرة، لا عائقاً أمامه. فإسرائيل لا تخسر شيئاً استراتيجياً من إطالة أمد «الاختبار» بينما تحتفظ بالسيطرة النارية والبرية الفعلية على الأرض، في حين يتحمل لبنان كلفة سياسية داخلية متصاعدة كل يوم يمر دون نتيجة ملموسة، خصوصاً في ملف بالغ الحساسية كملف السيادة والسلاح.
هذا التفاوت البنيوي في كلفة الانتظار بين الطرفين يفسر لماذا يتكرر نموذج «الانسحاب المتدرج المشروط» جولة بعد أخرى دون أن يتطور إلى تسوية شاملة؛ إذ إن كل منطقة تجريبية جديدة ليست سوى وحدة قياس إضافية يُعاد من خلالها إنتاج العلاقة نفسها بين طرف يملك حرية تحديد الإيقاع، وطرف مضطر لقبول هذا الإيقاع بحكم موقعه الأضعف في معادلة القوة.
وتكتسب هذه القراءة معنى إضافياً حين توضع في سياق ما يمكن تسميته بالحرب الممنهجة بأدوات غير مباشرة، حيث لا تكون المفاوضات نقيض المواجهة العسكرية بل امتداداً لها بوسائل أخرى: تعدد الجولات، وتغيّر مواقعها من واشنطن إلى روما، وتجزئة التنفيذ إلى وحدات صغيرة قابلة للتعليق في أي لحظة، كلها أدوات تخدم الطرف القادر على تحمل الانتظار أكثر من الطرف المضطر لإثبات إنجاز أمام رأيه العام الداخلي.
ثالثاً: الوسيط الأمريكي.. ضامن أم مدير أزمة؟
يعوّل الرئيس اللبناني جوزيف عون على الإدارة الأمريكية للضغط على إسرائيل من أجل الوفاء بالتزاماتها (يورونيوز بالعربية، 2026)، في وقت وصفت فيه السفارة الأمريكية في بيروت نتائج جولة روما بأنها مثمرة وإيجابية (الشرق، 2026). غير أن هذا الخطاب الدبلوماسي المتفائل يؤدي، من زاوية تحليلية، وظيفة إدارة توقعات الداخل اللبناني أكثر مما يعكس تحولاً موثقاً وملموساً في الموقف الإسرائيلي الميداني؛ فالوساطة الأمريكية هنا تبدو أقرب إلى إدارة وتيرة الأزمة منها إلى ضمانة فعلية لتنفيذ متكافئ.
رابعاً: الفراغ الرقابي القادم.
يضاف إلى هذا المشهد استحقاق انتهاء ولاية قوات اليونيفيل نهاية العام الجاري، وهو ما دفع فرنسا وعدداً من الدول الأوروبية لطرح فكرة قوة مراقبة بديلة بمشاركة أمريكية محتملة (الوطن، 2026). وهذا التحول من الإشراف الأممي التقليدي إلى ترتيبات إقليمية غربية مخصصة يعكس، في جوهره، إدراكاً من الأطراف الدولية بأن آليات الرقابة القائمة لم تعد كافية لضبط علاقة غير متكافئة القوة، لكنه في الوقت نفسه لا يعالج جذر الاختلال بل ينقل أداة إدارته من مؤسسة أممية إلى تحالف غربي أضيق.
خاتمة
تُظهر جولة روما أن التفاوض بين طرفين غير متكافئين في القوة لا يفضي بالضرورة إلى تسوية، بل قد يتحول هو ذاته إلى ساحة لإعادة إنتاج الاختلال ذاته بأدوات دبلوماسية. وطالما ظل الفارق في كلفة الانتظار قائماً بين الطرفين، فإن أي جدول زمني متفق عليه سيبقى قابلاً للتأجيل، لا لعيب في صياغته، بل لأن الزمن نفسه أصبح، في هذا الملف، سلاحاً بيد الطرف الأقوى ميدانياً. ومستقبل المسار، بناءً على ذلك، لن يُحسم بجولة تفاوضية إضافية، بل بأي تحول فعلي في موازين القوة أو في مستوى الضغط الدولي القادر على تعديلها.
المراجع
الجزيرة نت. (2026، 14 يوليو). جولة جديدة مرتقبة.. ما الذي سيبحثه لبنان وإسرائيل في مفاوضات روما؟ الجزيرة نت. https://www.aljazeera.net/news/2026/7/14/ما-الجديد-في-مفاوضات-روما-بين-لبنان
يورونيوز بالعربية. (2026، 14 يوليو). وسط توتر إقليمي.. لبنان يفاوض إسرائيل في روما وعون يعوّل على ترامب. يورونيوز. https://arabic.euronews.com/2026/07/14/sixth-round-of-negotiations-between-israel-and-lebanon-kicks-off-rome-amid-obstacles-imple
Lebanese Forces Official Website. (2026، 15 يوليو). مفاوضات روما: لا مناطق عازلة.. بل اتفاق أمني طويل الأمد. https://lebanese-forces.com/2026/07/15/مفاوضات-19
جريدة القدس. (2026، 15 يوليو). مفاوضات لبنان وإسرائيل في روما: تفاصيل الجولة السادسة. القدس. https://www.alquds.com/ar/posts/249926
جريدة القدس. (2026، 16 يوليو). مفاوضات لبنان وإسرائيل في روما: تفاصيل جولة التنفيذ. القدس. https://www.alquds.com/ar/posts/249878
العربي الجديد. (2026، 13 يوليو). تفاؤل لبناني بمفاوضات روما بانتظار حسم المناطق التجريبية. العربي الجديد. https://www.alaraby.co.uk/politics/خاص-تفاؤل-لبناني-بمفاوضات-روما
الوطن. (2026، 15 يوليو). مفاوضات روما بين الآمال والتحديات.. هل اقتربت لحظة الحسم بين إسرائيل ولبنان؟ الوطن. https://www.elwatannews.com/news/details/8320878
الدستور. (2026، 15 يوليو). مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل: تفاهمات أولية وانسحاب مرتقب. الدستور. https://www.dostor.org/5636551
الشرق. (2026، 16 يوليو). لبنان: تقدم في مفاوضات روما مع إسرائيل. الشرق. https://al-sharq.com/article/16/07/2026/لبنان-تقدم-في-مفاوضات-روما-مع-إسرائيل



