كيف تحولت البطولة الأكبر في العالم إلى ساحة للصراعات السياسية والهوية الوطنية؟

منذ عقود، لم تكن كرة القدم يومًا مجرد لعبة فكأس العالم، أكبر حدث رياضي على الكوكب، يتحوّل في كل نسخة إلى مسرح موازٍ تُعرض فيه صراعات الهوية والقومية والسياسة الدولية، أحيانًا بوضوح أكبر من الملعب نفسه.
ومع انطلاق نسخة 2026 المستضافة بشكل مشترك من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بدت هذه الحقيقة أكثر جلاءً من أي وقت مضى، إذ تقاطعت البطولة مع توترات جيوسياسية حادة، وقيود على السفر، وجدل حول من يحق له أن “يمثّل” الأمة على المستطيل الأخضر.
كأس العالم 2026.. عندما تصطدم الرياضة بالهجرة والحرب
قبيل انطلاق البطولة، وقّعت أكثر من 120 منظمة حقوقية بارزة، من بينها منظمة العفو الدولية والرابطة الوطنية للنهوض بالملونين والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، على تحذير مشترك للمشجعين القادمين إلى الولايات المتحدة.
وقد ثبت أن هذه المخاوف لم تكن مبالغًا فيها؛ إذ منعت إدارة ترامب دخول حكم صومالي حائز على جوائز، وفرضت قيودًا صارمة على تنقّل المنتخب الإيراني، واحتجزت مهاجم العراق لسبع ساعات كاملة عند وصوله إلى الولايات المتحدة.
القضية الإيرانية كانت الأبرز على الإطلاق. فمع اندلاع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران في وقت سابق من العام، ومقتل المرشد الأعلى الإيراني في ضربة أمريكية-إسرائيلية، بدا مصير مشاركة “الفريق الوطني” الإيراني في البطولة على المحك. وزير الرياضة الإيراني صرّح علنًا بأن مشاركة الفريق أصبحت أمرًا غير وارد نظرًا لما اعتبره أفعالًا عدائية أمريكية تجاه بلاده، بينما تساءل رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم عن مدى عقلانية إرسال المنتخب الوطني إلى مثل هذا الموقف.
في المقابل، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علنًا أن مشاركة إيران لن تُمنع، معلنًا عدم اكتراثه بالأمر ووصفه إيران بأنها “دولة منهزمة”، فيما أكد رئيس الفيفا جياني إنفانتينو أن ترامب طمأنه شخصيًا إلى أن الفريق الإيراني سيكون موضع ترحيب رغم الحرب. إيران من جانبها ردّت بحدة على تصريحات ترامب عبر حسابها الرسمي، مؤكدة أن كأس العالم بطولة يديرها الفيفا لا فرد أو دولة بعينها، وأن منتخبها تأهل بجدارة عبر انتصارات حاسمة.
وعمليًا، وُضع المنتخب الإيراني تحت جدول زمني استثنائي: سُمح له بالدخول إلى الولايات المتحدة قبل مبارياته بفترة قصيرة جدًا (48 ساعة قبل مواجهة مصر مقارنة بفترة أقصر في مبارياته الأولى)، مع إلزامه بمغادرة البلاد في اليوم نفسه لانتهاء كل مباراة، وهو ما وصفه أعضاء الفريق ومدربه بأنه “معاملة غير عادلة”.
واللافت أن جماهير إيرانية عادية، لا علاقة لها بالسياسة، كانت الضحية الأكبر: فقد مُنع مشجعون إيرانيون بالكامل من دخول الولايات المتحدة لتشجيع منتخبهم، رغم انتظارهم لهذه اللحظة لسنوات طويلة منذ تأهل بلادهم للبطولة.
لم تقتصر إجراءات الهجرة على إيران وحدها. فقد فرضت الإدارة الأمريكية “برنامج سندات التأشيرة” على رعايا 50 دولة، من بينها خمس دول متأهلة لكأس العالم هي الجزائر والرأس الأخضر وساحل العاج والسنغال وتونس، ما ألزمهم بدفع كفالة مالية تصل إلى 15 ألف دولار قبل السفر.
كما تعرّض مصور الفريق العراقي واللاعب أيمن حسين للاحتجاز والاستجواب لساعات في أحد المطارات الأمريكية رغم حيازتهما تأشيرات سارية.
أقرأ أيضا:فيفا يكشف أغرب كواليس نهائيات كأس العالم عبر التاريخ
الهوية القومية المتصدّعة.. من “أحدنا” إلى “الآخر”
يرى محللون أن كأس العالم 2026 كشفت، ربما أكثر من أي نسخة سابقة، عن هشاشة فكرة “الأمة المتجانسة” التي تروّج لها بعض الحركات القومية. فالمنتخبات الوطنية، في واقع الأمر، نتاج مباشر للهجرة والشتات والتاريخ الاستعماري وتصورات متنازع عليها حول من هو “منا” ومن هو “الآخر”.
مثال المنتخب الأمريكي نفسه لافت: ستة من لاعبيه وُلدوا خارج الولايات المتحدة، وأكثر من نصف التشكيلة يحمل جنسية مزدوجة، وهو ما يجعل من المفارقة أن يشجعه أنصار حركة سياسية تقوم جزئيًا على تعريفات ضيقة للهوية الوطنية.
ويشير محللون إلى نمط متكرر: يحتفى باللاعبين من أصول مهاجرة أو من الأقليات كجزء من “الأمة” حين يحققون الانتصارات، لكنهم سرعان ما يُعاملون كـ”غرباء” أو خارج دائرة الانتماء الوطني عند الإخفاق.
هذا “القوميات عبر العولمة” – كما يصفه باحثون – لا يشبه القومية الترابية التقليدية؛ فهو يتشكل عبر شبكات عابرة للحدود: لاعبو الشتات، الجماهير المهاجرة، البث الفضائي، الرعاية العالمية، والهويات المتقاطعة.
المنتخب المغربي مثال جيد على ذلك، إذ تشكّلت تركيبته عبر الهجرة والشتات والأكاديميات الأوروبية وسوق العمل الكروي العابر للقارات.
الذاكرة التاريخية على أرض الملعب
لا تقتصر السياسة على قرارات الحكومات؛ فاللاعبون والجماهير أنفسهم يحوّلون الذاكرة التاريخية إلى لغة كروية. المثال الأبرز يبقى مباراة الأرجنتين وإنجلترا في ربع نهائي 1986، حين حوّل دييغو مارادونا المباراة إلى “ثأر رمزي” من حرب فوكلاند/مالفيناس، عبر هدفيه الشهيرين “يد الله” والهدف الفردي في مكسيكو سيتي، ليتحولا إلى أحد أكثر لحظات كرة القدم ارتباطًا بالتاريخ السياسي.
وفي أوروبا، اعتاد بعض جماهير إنجلترا ترديد أهزوجة تشير إلى الحربين العالميتين وكأس عالم واحدة كلما واجهوا ألمانيا، محوّلين الذاكرة الحربية إلى أداء جماهيري.
كوسوفو وصربيا.. حين يتحول النسر إلى تصريح سياسي
من أكثر الأمثلة توثيقًا في الأدبيات الأجنبية واقعة مواجهة صربيا وسويسرا في كأس عالم 2018 بروسيا.
ثلاثة من أساسيي المنتخب السويسري – شيردان شكيري وغرانيت اجاكا وفالون بيهرامي – من أصول ألبانية-كوسوفية، ولاعب رابع، بليريم دجيمايلي، وُلد لأبوين ألبانيين في مقدونيا الشمالية. شكيري نفسه وعائلة شكيري اضطرا للفرار من كوسوفو وألبانيا عام 1998 إبان هجوم قوات يوغوسلافيا السابقة (صربيا والجبل الأسود حاليًا) على كوسوفو، في نزاع أودى بحياة الآلاف وتسبب في نزوح نحو 370 ألف شخص إلى سويسرا.
حين سجّل شكيري واجاكا هدفي الفوز على صربيا، احتفلا بإشارة “النسر ذي الرأسين” المرتبطة بعلم ألبانيا، وهي إشارة قومية يستخدمها كثيرون من ذوي الأصول الألبانية. اللاعبان نفياً أن يكون الاحتفال موجّهًا ضد الخصم، إذ وصفه اجاكا بأنه انتصار لعائلته ولسويسرا وألبانيا وكوسوفو معًا لا استفزازًا للمنافس. ورغم ذلك، فتح الفيفا تحقيقات تأديبية ضد اللاعبين وضد الاتحاد الصربي بعد شكاوى من اتحاد كوسوفو لكرة القدم بشأن هتافات مسيئة استهدفت اللاعبين ذوي الجذور الألبانية.
هذه المباراة تقاطعت أيضًا مع سياق دبلوماسي أوسع: مبعوث الرئيس الأمريكي ترامب للبلقان كان حينها يبحث مقترحًا مثيرًا للجدل لتبادل أراضٍ بين كوسوفو وصربيا على أساس عرقي، ما جعل نتيجة المباراة تحمل دلالة رمزية إضافية في نظر المراقبين.
في النسخة نفسها من كأس العالم بروسيا 2018، تصاعدت أزمة موازية حول النجم المصري محمد صلاح، الذي فكّر في الاعتزال الدولي إثر تفاعلاته مع سياسي شيشاني مثير للجدل، في وقت كانت فيه لجنة الانضباط بالفيفا تفتح تحقيقات متعددة مرتبطة بمباراة صربيا وسويسرا وحدها.
أما في نسخة قطر 2022، فقد أثار قرار الفيفا منع عدد من قادة المنتخبات الأوروبية من ارتداء شارة “ون لوف” جدلًا واسعًا، إلى جانب اتهامات لمسؤولين بتلقي رشى مرتبطة بفوز قطر باستضافة البطولة، وهي اتهامات نفاها المسؤولون القطريون، كذلك رفض المنتخب الإيراني حينها ترديد نشيده الوطني في مباراته الأولى، في ما اعتُبر احتجاجًا صامتًا على قمع الاحتجاجات الشعبية داخل إيران.
أقرأ أيضا:ترامب يحضر نهائي كأس العالم 2026 بين الأرجنتين وإسبانيا
الكرة كمرآة لا كملجأ من السياسة
يخلص عدد من الكتّاب الغربيين إلى أن الدرس الأهم الذي قد تخلّفه بطولات كأس العالم المتعاقبة لا علاقة له بالمهارة الفنية أو الأساليب التكتيكية، بل بحقيقة أن الهوية الوطنية ليست ثابتة أو بسيطة كما يتخيلها كثير من أنصار القومية. فكل أزمة – من التأشيرات الإيرانية إلى إشارة النسر الألباني، ومن أهزوجة الحرب العالمية إلى “يد الله” الأرجنتينية – تؤكد أن الملعب الأخضر لم يكن يومًا حيادًا سياسيًا، بل امتدادًا له بأدوات مختلفة: هدف بدل خطاب، وهتاف بدل بيان رسمي.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال المشهد في السلبية وحدها؛ إذ يرى بعض الباحثين أن قومية كأس العالم، رغم توظيفها السياسي المتكرر، تتيح أيضًا فرحًا حقيقيًا وتضامنًا، وتمنح مجتمعات الشتات مساحة للتجمع حول انتماء مشترك، كما تمنح الدول الصغرى حضورًا عالميًا نادرًا ما تحظى به في ساحات السياسة الدولية التقليدية



