تقارير

من خط دوراند إلى الحرب المفتوحة.. ما الذي يشعل الصراع بين باكستان وأفغانستان؟

كتبت: مريم حسن

تحوّلت التوترات بين باكستان وأفغانستان إلى مواجهة مفتوحة، بعد حقبة طويلة من الصراع والاشتباكات الحدودية المتقطعة، متجذّرةً في عقود من النزاعات غير المحلولة وتشابك الشبكات المسلحة.

وتجد باكستان التي تحاول لعب دور الوسيط في أزمات دولية كالتوتر الأمريكي الإيراني نفسها غارقةً في صراع متفاقم مع جارتها أفغانستان، فيما تحاول الصين التدخل عبر استضافة محادثات بين الطرفين، لكن جهود الوساطة لم تحقق اختراقاً حقيقياً حتى الآن.

جذور الأزمة — خط دوراند

العلاقة بين باكستان وأفغانستان ليست نتاج الجيوسياسة الراهنة وحدها، بل هي إرث حيّ لماضٍ أبى أن يتراجع. ولا يتجلّى ذلك في أي مكان أوضح مما هو عليه على طول خط دوراند، تلك الحدود التي رسمها الاستعمار البريطاني عام 1893، غير أنها بقيت موضع خلاف في الذاكرة والهوية والسيادة.

طعنت أفغانستان تاريخياً في شرعية خط دوراند بوصفه حدوداً دولية، مما أسهم في عقود من العلاقات المتوترة والاشتباكات الدورية منذ استقلال باكستان عام 1947.

يجعل الطابع المسامي والجبلي للحدود السيطرة عليها بالغة الصعوبة، كما أن القبلية كثيراً ما تتغلب على الانتماء الوطني، وقد قاومت مناطق الحدود تاريخياً السلطة المركزية، مما يتيح للجماعات المسلحة العمل بشبه إفلات من العقاب.

 الفتيل الرئيسي — طالبان باكستان (TTP)

رغم أن باكستان سعت في البداية إلى دعم دولي للطالبان الأفغاني حين استولى على السلطة عام 2021، فإن هجمات الطالبان الباكستاني (TTP) داخل باكستان تصاعدت حاداً بعد ذلك. واتهم المسؤولون الباكستانيون الطالبان الأفغاني بدعم الحركة.

يتشارك الطالبان الباكستاني والأفغاني في الأيديولوجيا والثقافة والتركيبة الإثنية، غير أنهما يختلفان جذرياً في موقفهما من إسلام آباد؛ فبينما يسعى طالبان باكستان إلى تحدي سلطة الدولة، يميل الطالبان الأفغاني نظرياً إلى التعاون معها.

وعلى الرغم من اعتراف مسؤولين في طالبان بوجود روابط فكرية مع الحركة الباكستانية، فإنهم ينفون قدرتهم على السيطرة على قياداتها أو تقديم دعم مباشر لها، معتبرين أن الأزمة “شأن داخلي باكستاني”.

في عام 2025، خلّف الإرهاب 2,356 قتيلاً في إقليم خيبر بختونخوا، و1,534 في بلوشستان، و486 على الجانب الأفغاني من خط دوراند، بإجمالي 4,376 ضحية.

 مسار التصعيد — من اشتباك إلى حرب

أكتوبر 2025: الضربة الأولى

في الساعات الأولى من التاسع من أكتوبر 2025، شنّت باكستان غارات جوية على كابول وخوست وجلال آباد وباكتيكا، مستهدفةً قيادات الطالبان الباكستاني في عملية أسمتها “عملية عاصفة خيبر”.

ردّت القوات الأفغانية بعملية مضادة، وأفضت المواجهات إلى هدنة هشة بوساطة دولية في أواخر الشهر ذاته، وإن ظلّت الاشتباكات المتفرقة مستمرة.

فبراير 2026: اندلاع الحرب المفتوحة

بدأ التصعيد في فبراير 2026 بضربات جوية باكستانية في الحادي والعشرين من الشهر، استهدفت معسكرات مسلحين في أفغانستان رداً على هجمات إرهابية داخل باكستان. وندّد الطالبان بالضربات باعتبارها انتهاكاً للسيادة الأفغانية وادّعوا سقوط ضحايا مدنيين شملوا طلاب مدرسة دينية.

في 26 فبراير، شنّت القوات الأفغانية هجوماً مضاداً على المواقع العسكرية الباكستانية. وفي اليوم التالي، أطلقت باكستان “عملية غضب للحق”، وهي عملية واسعة النطاق تضمّنت غارات جوية وتبادلاً للمدفعية وحوادث بطائرات مسيّرة، واشتباكات على نقاط متعددة على طول الحدود الممتدة لـ 2,600 كيلومتر.

في 27 فبراير 2026، أعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف رسمياً أن إسلام آباد باتت في حالة “حرب مفتوحة” مع أفغانستان.

وأكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف خلال زيارة للقوات الباكستانية أن العمليات العسكرية ضد أفغانستان مستمرة “بعزم تام”، مطالباً طالبان باتخاذ خطوات حاسمة ضد الجماعات المسلحة.

في المقابل، قال عبدالمتين قاني، المتحدث باسم وزارة الداخلية الأفغانية:

كنا مثل قوة مغناطيسية مع باكستان، أما الآن فنحن نتنافر، وهذا الوضع لن يتحسن.

الكارثة الإنسانية

منذ 26 فبراير 2026، سُجّلت ما لا تقل عن 289 ضحية مدنية في أفغانستان، بينهم 76 قتيلاً و213 جريحاً، كما نزح أكثر من 115 ألف شخص، وطال الدمار البنية التحتية بما فيها المرافق الطبية والمنازل والأسواق.

وكان الهجوم الأكثر دموية في مارس 2026، حين استهدفت غارات باكستانية مركزاً لعلاج الإدمان في كابول، ما أدى إلى مقتل 269 شخصاً وإصابة 172 آخرين وفق بيانات الأمم المتحدة.

وبلغ إجمالي الضحايا المدنيين الأفغانيين 372 قتيلاً وقرابة 400 جريح في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026.

الأزمة الاقتصادية

التجارة بين البلدين، التي كانت تُقدَّر بمليارات الدولارات سنوياً، تعرّضت لاضطرابات متكررة، وتوقفت صادرات باكستان إلى أفغانستان شبه كلياً، فيما عجزت كابول عن الوصول إلى الموانئ الباكستانية لأكثر من عام.

وقال الصيدلي الأفغاني برفيز خيري معبّراً عن المعاناة اليومية:

نحن نعتمد بشكل كبير على الأدوية المستوردة، وأفغانستان كانت دائماً ضحية للنزاعات الحدودية.

وتسعى حكومة طالبان حالياً إلى زيادة الإنتاج المحلي وطلب مساعدات من روسيا والهند لتعويض النقص الحاد في الأدوية.

الموقف الأمريكي والدولي

أوضحت أميرة جادون، أستاذة العلوم السياسية بجامعة كليمسون وخبيرة أمن جنوب آسيا، أن الولايات المتحدة منحت باكستان مساحة واسعة للتحرك العسكري، وقالت:

واشنطن خفّضت أولوية الملف الأفغاني، وتدعم باكستان فيما تريد القيام به داخل أفغانستان”، مضيفةً أن إسلام آباد “تستغل هذا الوضع لصالحها”

من جهتها، أعلنت الصين أنها “تتابع التطورات بقلق بالغ وتنحدر كمداً من الضحايا”، داعيةً الطرفين إلى التوصل إلى هدنة في أقرب وقت ممكن.

كما أسهمت دول عدة، بينها تركيا وقطر والإمارات والسعودية، في جهود وقف القتال.

الوساطة الصينية وانهيار المفاوضات

استضافت مدينة أورومتشي محادثات امتدت ثمانية أيام بين الجانبين الشهر الماضي، لكن الاجتماعات انتهت وسط حالة عميقة من انعدام الثقة بحسب مسؤولين من الطرفين. وأكد مسؤول أمني باكستاني أن الصين حاولت استغلال علاقاتها الوثيقة مع الطرفين لإعادتهما إلى طاولة الحوار.

تمحوّر الخلاف الجوهري حول مطالبة باكستان لكابول بتفكيك ملاجئ الـTTP، في حين أصر وزير الدفاع الأفغاني الملا يعقوب على أنه “لا يوجد تعريف واضح وشامل للإرهاب”.

ويقول المسؤولون الباكستانيون إن طالبان ترفض تقديم تعهدات مكتوبة لكبح الجماعات المسلحة، بينما ترى كابول أن إسلام آباد تسعى في نهاية المطاف إلى إضعاف حكومة طالبان وإسقاطها، مما يجعل فرص التهدئة أكثر تعقيداً.

 هدنات هشة ومشهد مفتوح

بوساطة قطرية وتركية، توصّل الطرفان إلى اتفاق وقف إطلاق نار، مع الاتفاق على آليات لترسيخ السلام الدائم وإجراء محادثات متابعة.

غير أن الهدنة تعرّضت لاختبارات متكررة في أبريل 2026، إذ اتّهم الطرفان بعضهما بشنّ هجمات جديدة عبر الحدود.

وفي مايو 2026، أعادت هجمات الـTTP تهديد الهدنة الهشة، حين شنّت الجماعة هجوماً انتحارياً بسيارة مفخخة على معسكر عسكري في منطقة باجور.

لماذا لا ينتهي الصراع؟

تتشابك أسباب الصراع في أربعة محاور لا يمكن فصلها:

أولاً — عقدة الحدود: لم تعترف أفغانستان قط بخط دوراند الموروث من الاستعمار البريطاني، فأي تسييج أو ترسيم يُقرأ في كابول باعتباره عدواناً.

ثانياً — فشل مكافحة الإرهاب: باكستان تطالب بتفكيك ملاجئ الـTTP، وطالبان تنفي قدرتها أو رغبتها في ذلك، وكلٌّ منهما يتهم الآخر بالتحايل.

ثالثاً — الأزمة الاقتصادية: إغلاق الحدود يُفاقم معاناة الشعب الأفغاني، ويرفع منسوب الاحتقان الشعبي الذي يصعّب أي تنازل سياسي.

رابعاً — انعدام الثقة الجذري: كابول تعتقد أن إسلام آباد تسعى لإسقاط حكومة طالبان، وإسلام آباد تعتقد أن كابول تتواطأ مع من يستهدفها. وما لم تُعالَج هذه الجذور، ستبقى الهدنات مجرد فواصل بين جولات أخرى من العنف.

في ظل تشابك الخلافات التاريخية والأمنية والسياسية بين باكستان وأفغانستان، تبدو فرص التوصل إلى سلام دائم أكثر تعقيداً من مجرد التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت.

فالنزاع لم يعد يقتصر على الاشتباكات الحدودية أو ملاحقة الجماعات المسلحة، بل أصبح انعكاساً لأزمة ثقة عميقة تمتد جذورها لعقود، وبينما تتواصل جهود الوساطة الإقليمية والدولية، يبقى مستقبل العلاقة بين البلدين مرهوناً بقدرتهما على معالجة القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها ملف الحدود ومكافحة الإرهاب والتعاون الاقتصادي.

وحتى يتحقق ذلك، ستظل الهدنات الهشة مهددة بالانهيار، وسيبقى شبح التصعيد مخيماً على واحدة من أكثر مناطق آسيا حساسية واضطراباً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى