99 عامًا في النقب.. مشروع أمريكي ضخم للذكاء الاصطناعي والطاقة النووية يثير مخاوف إسرائيلية

تبحث إسرائيل والولايات المتحدة مشروعًا طموحًا لإنشاء مجمع متطور في منطقة النقب، يجمع بين مراكز البيانات العملاقة، وتطوير أشباه الموصلات، وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب منشآت لإنتاج الطاقة النووية، في خطوة قد تحول جزءًا من الصحراء إلى مركز تكنولوجي أمريكي متقدم.
لكن المشروع لا يزال يواجه عقبات سياسية وقانونية، فضلًا عن خلافات داخل إسرائيل بشأن السيادة والسيطرة على الموقع، خصوصًا أن المقترح يتضمن تأجير مساحة كبيرة من أراضي النقب للولايات المتحدة لمدة 99 عامًا.
ماذا يتضمن المشروع؟
بحسب التقرير، يرتبط المشروع باسم Spire، وهو جزء من مبادرة Pax Silica، ويقترح تخصيص نحو 16 ألف دونم من أراضي النقب، أي ما يقارب 4 آلاف فدان، وتأجيرها للولايات المتحدة لمدة 99 عامًا.
ومن المقرر أن يقام في الموقع مجمع مؤمّن يحمل اسم Fort Foundry، ويضم منشآت للبحث والتطوير في التكنولوجيا المتقدمة، ومصانع لإنتاج أشباه الموصلات، ومراكز بيانات ضخمة، ومنشآت لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
كما يتضمن التصور إنشاء بنية تحتية مستقلة لإنتاج الكهرباء، تعتمد جزئيًا على مفاعل نووي معياري صغير لتوفير الطاقة اللازمة لهذه المنشآت.
وبموجب التصور المطروح، تبقى الأرض تحت السيادة الإسرائيلية، بينما تتولى الولايات المتحدة إدارة الموقع، مع إمكانية مشاركة شركات أمريكية وإسرائيلية في تشغيل المنشآت.
لماذا تحتاج مراكز الذكاء الاصطناعي إلى الطاقة النووية؟
يرتبط جزء أساسي من المشروع بالحاجة الهائلة لمراكز البيانات إلى الكهرباء، خصوصًا مع التوسع السريع في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
ووفقًا للمستثمر الأمريكي-الإسرائيلي إزرا غاردنر، تتراوح قدرة مراكز البيانات الصغيرة الموجودة في إسرائيل حاليًا بين 20 و30 ميغاواط، بينما يمكن أن تصل قدرة مراكز البيانات العملاقة في الولايات المتحدة إلى نحو 300 ميغاواط.
أما مجمعات مراكز البيانات التي تطورها شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى فتتجاوز قدرتها 500 ميغاواط، في حين يُتوقع أن تصل قدرة مشروع Stargate الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى نحو غيغاواط واحد.
ويرى غاردنر أن محدودية شبكة الكهرباء الإسرائيلية قد تمثل عقبة أمام إنشاء منشآت بهذا الحجم، ولذلك يمكن للمفاعلات النووية المعيارية الصغيرة أن توفر مصدرًا ثابتًا ومستقلًا للطاقة.
ما المفاعل النووي المعياري الصغير؟
تختلف هذه المفاعلات عن محطات الطاقة النووية التقليدية الكبيرة من حيث الحجم والقدرة.
وتنتج المفاعلات المعيارية الصغيرة عادة نحو ربع أو ثلث الطاقة التي تنتجها المفاعلات النووية الضخمة، كما تستخدم وقودًا نوويًا منخفض التخصيب، وتضم أنظمة حماية متعددة.
ومن مزاياها إمكانية ربطها مباشرة بمنشآت صناعية أو مراكز بيانات، كما أنها لا تنتج انبعاثات كربونية أثناء التشغيل.
وتعمل عشرات الشركات حول العالم على تطوير هذه التكنولوجيا، وسط توقعات بدخول بعض النماذج الأولى مرحلة التشغيل خلال السنوات المقبلة.
لماذا لا تكفي الطاقة الشمسية والغاز؟
تمتلك إسرائيل موارد من الغاز الطبيعي والطاقة الشمسية، لكن غاردنر يرى أن هذه المصادر وحدها لن تكون كافية لتوفير احتياجات مراكز البيانات العملاقة.
وتحتاج هذه المنشآت إلى إمدادات كهرباء مستمرة وموثوقة للغاية، إذ يعتمد قطاع مراكز البيانات على ما يعرف بمعيار «الخمس تسعات»، أي الحفاظ على توافر الكهرباء بنسبة تصل إلى 99.999%.
ولا تستطيع الطاقة الشمسية وحدها توفير هذا المستوى من الاستمرارية، خصوصًا أن إنتاجها مرتبط بساعات سطوع الشمس، بينما لا تزال تقنيات تخزين الكهرباء بالبطاريات مرتفعة التكلفة.
وبحسب غاردنر، يمكن أن تدخل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ضمن مزيج الطاقة، لكنها لا تكفي بمفردها لتغطية الأحمال المستمرة لمراكز البيانات.
كما فرضت الحكومة الإسرائيلية قيودًا مؤخرًا على تخصيص الكهرباء لمراكز البيانات، في ظل الحاجة إلى الحفاظ على إمدادات الغاز الطبيعي للاستهلاك المحلي.
العقبة النووية
لا تتعلق فكرة استخدام الطاقة النووية في النقب بقدرة شبكة الكهرباء فقط، إذ تواجه إسرائيل أيضًا قيودًا مرتبطة بوضعها النووي.
فإسرائيل ليست طرفًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وتعد واحدة من خمس دول فقط خارج المعاهدة، إلى جانب الهند وباكستان وكوريا الشمالية وجنوب السودان، وفق التقرير.
ويترتب على ذلك قيود تتعلق بإمكانية حصولها على مفاعلات نووية أو وقود نووي من الدول الموقعة على المعاهدة، وتشمل هذه القيود المفاعلات المعيارية الصغيرة حتى عندما يكون استخدامها لأغراض سلمية وليس عسكرية.
ويشير التقرير إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سبق أن وافق على طلب سعودي لبناء مفاعل نووي في السعودية، بينما لم تحصل إسرائيل على موافقة مماثلة حتى الآن.
ومع ذلك، وضعت الحكومة الإسرائيلية تصورًا لإنشاء محطة للطاقة النووية، ربما باستخدام مفاعلات معيارية صغيرة.
كما أعدت وزارة الطاقة والبنية التحتية الإسرائيلية خطة تستهدف أن يأتي جزء من الكهرباء في البلاد بحلول عام 2050 من الطاقة الشمسية والرياح والطاقة النووية.
وتشمل المقترحات إنشاء مفاعل نووي كبير قرب شيفتا في النقب، أو في منطقتي روغِم وغفعات حايل، أو في موقع بحري قبالة الساحل الغربي، لكن هذه الخطط لم تتحول بعد إلى قرار حكومي نهائي.
لماذا تعترض إسرائيل على تأجير الأرض 99 عامًا؟
تتمثل إحدى أكبر العقبات أمام مشروع Fort Foundry في مسألة السيطرة على الموقع.
ونقل التقرير عن غاردنر أن إسرائيل تؤخر توقيع الاتفاق بسبب مخاوف من أن يؤدي تأجير الموقع للولايات المتحدة لمدة 99 عامًا إلى تقليص قدرة الحكومة الإسرائيلية على التحكم في استخدام الأرض.
وتريد السلطات الإسرائيلية، بحسب الطرح الوارد في التقرير، ضمانات واضحة بشأن طبيعة الأنشطة التي ستجري داخل المجمع، خصوصًا مع اتساع المشروع ليشمل التكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والطاقة النووية.
ويؤكد غاردنر أن الاتفاق لم يُوقع بعد، وأن المشروع يحتاج إلى موافقة الحكومة الإسرائيلية قبل الانتقال إلى التنفيذ والتوقيع النهائي.
مقارنة بهونغ كونغ
دافع غاردنر عن فكرة الإيجار طويل الأمد بالاستناد إلى تجربة هونغ كونغ، مشيرًا إلى اتفاق الإيجار البريطاني-الصيني الذي امتد 99 عامًا، معتبرًا أن استخدام الموقع على نطاق واسع يمكن أن يساعد في إنشاء مركز اقتصادي وتكنولوجي ضخم.
لكن هذه المقارنة تعكس وجهة نظر غاردنر ولا تعني وجود اتفاق نهائي بشأن المشروع أو حسم مستقبل الموقع.
ولا يزال المشروع في مرحلة البحث والتفاوض، بينما تبقى موافقة الحكومة الإسرائيلية شرطًا أساسيًا للانتقال إلى التنفيذ.
هل يمكن تشغيل مركز بيانات كامل بالطاقة النووية؟
لا يعتمد التصور بالضرورة على المفاعلات المعيارية الصغيرة وحدها.
ويشير غاردنر إلى أن المفاعلات النووية التقليدية الكبيرة، مثل Westinghouse AP1000، يمكن أن تنتج كهرباء بقدرات تصل إلى مستوى غيغاواط.
في المقابل، تستطيع المفاعلات الصغيرة إنتاج نحو 100 أو 200 أو 300 ميغاواط، ويمكن تشغيلها بصورة مستقلة عن شبكة الكهرباء فيما يعرف بـ«وضع الجزيرة».
وهذا يفتح الباب أمام تخصيص مفاعل صغير بشكل مباشر لتشغيل مركز بيانات يحتاج، على سبيل المثال، إلى نحو 100 ميغاواط من الكهرباء.
وبالتالي، فإن المشروع المقترح في النقب لا يتعلق فقط بإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي، بل بتطوير منظومة متكاملة تجمع الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات ومراكز البيانات والطاقة النووية في موقع واحد، إلا أن مستقبل هذه الخطة سيظل مرتبطًا بحسم الخلافات السياسية والقانونية ومخاوف السيادة الإسرائيلية قبل أن تتحول من تصور استثماري إلى مشروع قائم على الأرض.



