أخبار مصرتقارير

بين “تناقص الغلة” و”قنديل أم هاشم”..  28 سنة زيادة في عمر المصريين

كتب: أحمد حجازي، باحث ومترجم

زاد عمر المصريين المتوقع بمقدار 28 سنة على مدار ستة عقود، وذلك من 1960 وحتى 2024. ويعني هذا أن الطفل الذي وُلد في وقتٍ ما عام 1960 لم يكن أمامه (إحصائيًا) سوى 44 عامًا ليعيشها، بينما الطفل الذي وُلد في 2024 يُتوقع له أن يعيش حتى عُمر 72 عاماً.

ويُشير مصطلح العمر المتوقع عند الميلاد، بحسب منظمة الصحة العالمية، إلى متوسط عدد السنوات التي يُتوقع للشخص أن يعيشها منذ الولادة. وهذا الرقم لا يتنبأ بالطبع بعمر شخص معين، لكنه أداة إحصائية لواقع الوفيات في لحظة زمنية محددة، فالطفل الذي وُلد في سنة 1960 لن يعيش بالضرورة حتى سن 44 سنة، وبالمثل لن يعيش كل مولود في 2024 لسن 72.

وقد صاحب هذه الزيادة المطردة في العمر المتوقع نقص مطرد في معدلات الوفيات عن نفس الفترة حيث كان عدد الوفيات في عام 1960 حوالي 22 لكل ألف من السكان لتصل في عام 2024  إلى 6 فقط لكل ألف من السكان.

وهو ما يجعلنا نتساءل عن الأسباب وراء ارتفاع العمر المتوقع للمصريين وتراجع معدلات الوفيات في نفس الوقت، وكذلك عن سمات هذا الارتفاع على مدى ستة عقود كاملة، والعوامل المؤثرة في الزيادة  والتراجع على حدٍ سواء.

يوضح الأستاذ أكرم ألفي، خبير الديموغرافيا، أن التراجع الحاد في وفيات الأطفال الرُضع وحديثي الولادة في مصر هو ما انعكس على تزايد متوسط الأعمار، كما أشار ألفي إلى أن التحسن في الرعاية الصحية في مصر بوجه عام وجهود الدولة في توطين صناعة الأدوية والتوسع في بناء مصانع الأدوية أثر أيضًا على زيادة متوسط الأعمار وتراجع معدلات الوفيات حيث يرتبط كلاهما ببعض ارتباطًا وثيقًا.

كما تطلعنا بيانات البنك الدولي على أن الزيادة في متوسط أعمار المصريين بلغت ذروتها في السبعينات والثمانينات، ثم عاد معدل الزيادة إلى التراجع ليبلغ التراجع ذروته في عامي 2020/ 2021.

ولا يعني هذا التراجع تناقص متوسط الأعمار، بل يعني تراجع وتيرة الزيادة. وإذا نظرنا إلى هذين العامين تحديدًا وجدنا جائحة كورونا تسيطر على المشهد، وهو ما تؤكده بيانات أهم أسباب الوفيات في مصر في عام 2021، حيث احتل كوفيد 19 المرتبة الثانية بعد أمراض نقص تروية القلب بفارق ضئيل.

ولمحاولة فهم السبب في ذورة الزيادة في السبعينات و الثمانينات، تجدر الإشارة إلى ما يُمسى بقانون تناقص العوائد في صحة السكان أو قانون تناقص الغلة الذي وضعه الاقتصادي البريطاني ديفيد ريكاردو.

ويشير هذا القانون إلى أن المكاسب الأولى عادة ما تكون كبيرة وسريعة. فجهود الدولة في حقبتي الخمسينات والستينات، كما نوه ألفي أيضًا ، في تخفيض وفيات الأطفال الرُضع وزيادة عدد المستشفيات وزيادة عدد الأطباء لكل مواطن، كل ذلك أدى إلى المكاسب الكبيرة التي آتت ثمارها في السبعينات والثمانينات. ثم بدأ معدل الزيادة في التراجع لنسب أقل في العقود التالية.

ويشير ألفي إلى بُعد آخر في سياق زيادة العمر المتوقع وهو زيادة نسبة  التمدن في مصر، أي زيادة عدد سكان المُدن مقارنة بسكان الريف. فنمط الحياة في المُدن، بحسب ألفي، يصاحبه كذلك، نسبيًا، اهتمامًا أكثر بالرعاية الصحية، واهتمام بالصحة الفردية، وتراجع ما يُسمى بحالة “قنديل ام هاشم” (في إشارة للفيلم الكلاسيكي المصري الذي عالج الصراع بين الطب الشعبي والطب الحديث في منتصف القرن العشرين)، أي تراجع اللجوء إلى الطب الشعبي مقابل الطب الحديث وهو ما يساهم في إطالة متوسط الأعمار وتناقص معدلات الوفيات.

وإذا كانت السنوات الثماني والعشرون التي زادها متوسط أعمار المصريين انتصارًا للحياة وللصحة، فإن المعركة القادمة ستكون من أجل الانتصار لطريقة الحياة، وهذه معركة لا تكسبها الدولة ولا وزارة الصحة لوحدها، بل هي معركة كل فرد في طريقة حياته التي تحتل فيها الصحة والسلامة الجسدية والنفسية على حدٍ سواء مساحة كبيرة تستحقها.

هذا التقرير هو مشروع تخرج لمادة “صحافة البيانات” في مركز كمال أدهم بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى