الموانئ والطاقة والمعادن.. لماذا تتسابق القوى الكبرى نحو تنزانيا؟

كتبت/ منار حجاج
تنزانيا ليست دولة تقع على الساحل الشرقي للقارة السمراء فحسب، بل تحولت مؤخرًا إلي واحدة من أبرز ساحات التنافس الدولي، انطلاقًا من موقعها الجغرافي، ومرورًا بمواردها الطبيعية، ووصولًا إلى استقرارها السياسي.
تتبنى رؤية طموحة لتعزيز مكانتها الاقتصادية، ساعية لتطوير موانئها وقطاعي التعدين والطاقة، في ظل تسابق قوى كبرى مثل الصين والولايات المتحدة والهند والإمارات وكوريا الجنوبية، لتوسيع وجودها في الدولة الإفريقية.
ويثير ذلك تساؤلات حول الأسباب التي جعلت تنزانيا محط أنظار هذه القوى، وما الذي تمتلكه من مقومات يؤهلها للعب دور أكبر في مستقبل القارة الإفريقية؟
الاستقرار بوابة التنافس
وفي هذا السياق يقول الدكتور رمضان قرني، الخبير في الشأن الإفريقي: يمكن القول إن هناك مجموعة من العوامل جعلت من تنزانيا إحدى أهم ساحات التنافس بين القوى الدولية الكبرى في أفريقيا.
لكن في الوقت ذاته تمثل هذه العوامل مكامن قوة لدولة تنزانيا، أو خريطة تحفيز استثمارية واقتصادية تقدمها تنزانيا للقوى الدولية، موضحًا أن العامل السياسي يمثل أبرز العوامل التي تدفع في هذا الاتجاه.
تتميز تنزانيا بأنها وسط محيط ملتهب نسبيًا على المستوى الإقليمي، خاصة في منطقة شرق أفريقيا وبالنظر إلى دول الجوار الجغرافي وحتى المتقدمة منها وذات التجارب الكبيرة مثل كينيا، تعد تنزانيا أكثر استقرارًا.
شهدت تنزانيا انتقالًا سلميًا للسلطة في أكثر من مناسبة، وبالتالى هذا يجعلها عنصر استقرار للقوى الدولية الكبرى المختلفة.
لا تواجه تنزانيا أزمات عرقية واسعة النطاق، مقارنة ببعض دول الجوار مثل إثيوبيا على سبيل المثال والصراع التقليدى بين الاورومو والأمهرة والتجراي.
لا تواجه تنزانيا تهديدًا أو نشاطًا إرهابيًا واسع النطاق، مقارنة بدول شرق إفريقيا، خاصة تنظيمي القاعدة وداعش واللذين أصبحا منتشرين في منطقة الشرق الإفريقي.
كل هذه العوامل في تصوري مثلت ما يمكن أن نسميه بعوامل وأدوات للتنافس وبذات الوقت ادوات وعناصر جذب.
مؤشرات اقتصادية واعدة
ويشير رمضان قرني إلي أن تنزانيا، طبقًا لمؤشرات البنك الدولى، تحظى بإجمالي ناتج محلى يقارب الـ 90 مليار دولار، وهو ناتج مهم جدًا على الصعيد الإفريقي، حيث أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي قرابة الـ 1500دولار.
تصنف تنزانيا حاليًا بأنها تحظى بنمو ناتج محلى قرابة 6%، علاوة على ذلك تعانى من معدلات تضخم منخفضة جدًا مقارنة بالمحيط الأفريقي تصل إلى 3%.
تؤكد هذه المؤشرات أن تنزانيا تحظى بمقومات اقتصادية مهمة تجعل منها وجهة جاذبة للاستثمار والتحرك من قبل القوى العالمية المختلفة.
التعدين رهان المستقبل
ويوضح قرني، أن رؤية تنزانيا لـ 2050 تجعل منها قوة صاعدة في أفريقيا، كما يحتل قطاع التعدين مكانة خاصة بين القطاعات الاستراتيجية، حيث يحتل تقريبًا المرتبة الخامسة في رؤية الدولة التنزانية 2050.
أيضًا تنظيم عملية الانشطة الحرفية في هذا القطاع المهم، حيث يمكن القول بأن هذه الرؤية تجعل من التعدين ليس نشاطًا استراتيجيا، فقط ولكنه قيمة مضافة وقيمة تصنيعية بدرجة كبيرة.
ويضيف أن قانون التعدين، يعزز هذه الرؤية، حيث حدد هذا القانون جملة من الاشتراطات المهمة تتعلق بالترخيص والامتثال للمتطلبات القانونية، مثل التزامات الحفر، والالتزام بالقواعد البيئية والاجتماعية.
كما لم يغفل القانون إمكانية اللجوء إلى المحاكم الدولية والحق في إعادة الأموال سواء الطرف المستثمر أو لتنزانيا،
وهو ما جعل من تنزانيا عنصرًا جاذبًا للشركات الدولية الكبرى.
ثروات تعزز المكانة
ويلفت الخبير في الشأن الإفريقي، إلى أن التعدين والموارد الطبيعية يعدان من أبرز آليات ومصادر الاقتصاد التنزانى، وهنا قامت فلسفة الدولة التنزانية على تصنيف المعادن إلى ثلاث فئات: معادن معدنية، وصناعية معادن للطاقة.
ومن الواضح أن تنزانيا في ضوء تعدد الشركاء الدوليين تحاول أن تقدم نفسها في قطاع معين كشريك لهذه القطاعات سواء على مستوى الطاقة والتصنيع والتعدين.
وتتمتع تنزانيا بثروات معدنية ضخمة خاصة الذهب والمعادن الحيوية، ويمثل التعدين ركيزة مهمة من ركائز الاقتصاد الوطني، حيث تعد تنزانيا رابع أكبر منتج للذهب في القارة الأفريقية.
علاوة على ذلك أصبحت تنزانيا مؤخرًا تمتلك ثروات كبيرة من الغاز الطبيعي والفحم، ما جعل منها عنصرًا مهمًا من مصادر الطاقة في أفريقيا خاصة في ضوء الأزمات الدولية.
الموانئ تجذب الاستثمارات
ويعتقد رمضان، أن التوسع في الموانئ في تنزانيا خاصة ميناء دار السلام وعمليات التطوير التي تتم على مراحل مختلفة، سيجعل من تنزانيا لاعبًا مهما في قطاع الطاقة العالمية.
وبالنظر إلى خريطة شركاء تنزانيا نجد أن الصين والإمارات والهند تمثل مكانة مهمة في علاقات وشراكات تنزانيا فيما يتعلق بقطاع الاستثمارات.
أيضًا الولايات المتحدة في ضوء قانون الفرص والنمو المعروف باسم “AGOA” الذي تم تمديده حتى عام 28، وهو قانون يسمح بوصول الصادرات التنزانية إلى الولايات المتحدة بدون رسوم جمركية.
كما تستفيد تنزانيا من الوصول إلى دول الاتحاد الأوروبي دون رسوم جمركية ودون حتى حصص للصادرات.
ونجحت تنزانيا في السنوات الأخيرة في إضافة شراكة جديدة، حيث شهدت القمة الكورية الأفريقية توقيع اتفاقية بين شركة التعدين التنزانية (STAMICO) وشركة الموارد المعدنية الكورية (KOMIR)، بهدف تطوير الموارد المعدنية الاستراتيجية في تنزانيا وتبادل الخبرات.
شراكات تدعم الطموح
ويرى رمضان قرني، أن تنزانيا تحاول جذب الاستثمارات الأجنبية في قطاع المعادن، مثل الذهب و الماس والجرافيت والمعادن الأرضية النادرة والنيكل واليورانيوم، ايضا تدخل بدرجة كبيرة المعادن المستخدمة في صناعة البطاريات وخاصة الجرافيت والنيكل.
وقامت الحكومة التنزانية بتطوير وادى دودوما للمعادن والتكنولوجيا باعتباره نظامًا بيئياً عالى التقنية، هذا الوادى مخصص بدرجة كبيرة لمعالجة المعادن وتقنيات البطاريات.
ومن المقرر أن تنتهى تنزانيا من هذا المشروع في عام 2027 وسيكون هو الأول من نوعه في منطقة شرق ووسط افريقيا .
كما تراهن تنزانيا على التحول إلى مركز إقليمي للصناعات الذكية والاقتصاد الأزرق في منطقة البحيرات العظمى، مع التوسع في معالجة المعادن وتصنيع المستحضرات الصيدلانية.
صعود إقليمي متسارع
ويعتبر الخبير أن تنزانيا أصبحت الآن عنصرًا صاعدًا مهم في المستوى الاقتصادى، خاصة في ضوء عضويتها في مجموعة شرق أفريقيا (EAC)، آليات مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي (SADC)، وكانت عضوًا في السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (COMESA) قبل انسحابها عام 2000.
ويشير إلى أن أدوار تنزانيا السياسية ليست بالدرجة التي تمثلها الأدوار الاقتصادية، حيث أن لديها منافسة سياسية مع كينيا، حيث تلعب كينيا دورًا مهمًا في منطقة شرق أفريقيا على المستوى السياسي والأمني، بينما تظل دولة جنوب افريقيا هى القوة الاقتصادية والسياسية الأكبر داخل مجموعة الـ SADC.
مستقبل الدور التنزاني
ويرى قرني أنه من الممكن أن تصبح تنزانيا مستقبلاً على المستوى الاقتصادي إحدى أبرز القوى الصاعدة، عندما تبدأ في بلورة أدوار سياسية لها خاصة في منطقة حوض النيل، أحد المناطق المهمة.
في المحصلة، لا يرتبط التنافس الدولي على تنزانيا بثرواتها الطبيعية وحدها، بل يشمل أيضًا موقعها الجغرافي، واستقرارها السياسي، ورؤيتها الاقتصادية التي تسعى من خلالها إلى تعزيز مكانتها الإقليمية.
ومع تزايد اهتمام القوى الكبرى بها، يبقى السؤال: هل تنجح دار السلام في تحويل هذا الزخم إلى مكاسب اقتصادية وسياسية مستدامة، أم تظل مجرد ساحة مفتوحة، لتنافس القوى الدولية على النفوذ ؟



