تقارير

لماذا تراهن الصين على طريق بحر الشمال بدلًا من قناة السويس؟

في خطوة تعكس التحولات المتسارعة في خريطة التجارة البحرية العالمية، بدأت الصين تشغيل خدمة موسمية لنقل الحاويات عبر طريق بحر الشمال في المحيط المتجمد الشمالي، متجهة إلى أوروبا عبر مسار أقصر بكثير من الطريق التقليدي الذي يمر عبر قناة السويس.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه طرق الملاحة الدولية تحديات متزايدة، ما يدفع الدول وشركات النقل إلى البحث عن مسارات بديلة يمكن أن تقلل المسافة ومدة الرحلات وتجنب المناطق التي تشهد توترات أمنية.

وغادرت سفينة الحاويات الصينية «دبي تاور» مدينة نينغبو، الواقعة شرقي الصين، مساء السبت، في رحلة عبر المنطقة القطبية الشمالية باتجاه أوروبا، لتصبح هذه الرحلة جزءًا من مشروع صيني أوسع يحمل اسم «طريق الحرير القطبي».

وتخطط الشركة المشغلة لهذا الخط لجعل الرحلة أسبوعية خلال موسم الملاحة القطبي، في محاولة للاستفادة من فترة ذوبان الجليد التي تسمح للسفن بالعبور دون الحاجة إلى كاسحات جليد في الظروف المعتادة.

طريق يختصر المسافة إلى أوروبا

يُعد طريق بحر الشمال أحد أقصر المسارات البحرية التي تربط شرق آسيا بأوروبا، إذ يمتد عبر المياه الواقعة شمال روسيا، مرورًا بمضيق بيرينغ، ثم بمحاذاة الساحل الروسي في اتجاه الغرب.

وبحسب التقديرات الواردة في التقرير، يمكن أن يؤدي استخدام الطريق القطبي إلى تقليص المسافة مقارنة بالمسار الذي يمر عبر قناة السويس بنسبة تصل إلى نحو 50% في بعض الرحلات بين شرق آسيا وأوروبا.

ويمثل هذا الاختصار عامل جذب مهمًا لشركات النقل البحري، لأنه قد يؤدي إلى تقليل زمن الرحلات واستهلاك الوقود وتكاليف التشغيل، فضلًا عن تجنب بعض المناطق التي تواجه اضطرابات أمنية.

وتزداد أهمية هذه الميزة في ظل التوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والتي دفعت شركات شحن في فترات مختلفة إلى إعادة تقييم مساراتها البحرية والبحث عن طرق أكثر أمانًا أو أقل تعرضًا للمخاطر.

«دبي تاور» في رحلة عبر القطب الشمالي

وبحسب الصور التي وفرتها الشركة المشغلة للميناء لوكالة فرانس برس، ظهرت سفينة الحاويات «دبي تاور» وهي تغادر مدينة نينغبو الصينية مساء السبت.

ومن المقرر أن تسلك السفينة مسارًا يمر عبر مضيق بيرينغ في شمال شرق آسيا، قبل أن تتجه غربًا بمحاذاة الساحل الشمالي لروسيا.

ووفق الجدول الزمني الذي نشرته شركة «سي ليجند» المالكة للسفينة، من المتوقع أن تصل «دبي تاور» إلى ميناء فيليكستو البريطاني في 7 سبتمبر، ثم تواصل رحلتها إلى هامبورغ الألمانية، قبل أن تصل لاحقًا إلى غدينيا في بولندا خلال الأسبوع ذاته.

وتعتزم الشركة تشغيل الخط حتى أكتوبر، مستفيدة من فترة الصيف والذوبان الموسمي للجليد، وهي الفترة التي تكون فيها الملاحة في المنطقة القطبية أكثر سهولة.

الصين توسع «طريق الحرير القطبي»

تندرج الرحلة الجديدة ضمن رؤية الصين لتطوير ما يعرف باسم «طريق الحرير القطبي»، باعتباره امتدادًا للمشروعات الصينية الرامية إلى تعزيز طرق التجارة والنقل بين آسيا وأوروبا.

ولا يقتصر الهدف على تقليل المسافة فحسب، بل يرتبط أيضًا بمحاولة الصين تنويع طرق وصول بضائعها إلى الأسواق الأوروبية وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية.

ويكتسب الطريق أهمية إضافية بالنسبة لبكين في ظل الاضطرابات التي تشهدها بعض مناطق طرق التجارة البحرية، إذ يسمح المسار القطبي بتجاوز أجزاء من منطقة الشرق الأوسط والاتجاه مباشرة نحو شمال أوروبا.

رغم أن الصين تعمل حاليًا على تطوير استخدام طريق بحر الشمال، فإنها ليست أول دولة أو شركة تلجأ إلى هذا المسار.

فقد سبق لشركات في قطاع النقل البحري استخدام الطريق القطبي، ومن أبرزها شركة الشحن الدنماركية «ميرسك» التي سلكت هذا المسار عام 2018.

كما شهد عام 2024 تجربة لافتة عندما استخدمت ناقلة نفط تديرها شركة مقرها أذربيجان طريق بحر الشمال للوصول إلى الصين للمرة الأولى.

ووفقًا لوثائق السفينة، كانت الناقلة «بريزما» تدار من جانب شركة خاصة تُدعى «فيستا فاف شيبمانجمنت» ومقرها أذربيجان.

وتشير هذه التطورات إلى أن استخدام الطريق لم يعد مقتصرًا على السفن الروسية، بل بدأ يجذب شركات دولية تسعى إلى اختبار إمكاناته التجارية.

روسيا تريد تحويل الطريق إلى ممر تجاري رئيسي

وتولي روسيا اهتمامًا كبيرًا بطريق بحر الشمال، وتسعى إلى زيادة حركة السفن والبضائع عبره خلال السنوات المقبلة.

ويمتد الطريق من مورمانسك في أقصى شمال غرب روسيا، بالقرب من الحدود مع النرويج، وصولًا إلى مضيق بيرينغ بالقرب من ألاسكا.

ويمنح هذا الموقع الطريق أهمية استراتيجية، لأنه يوفر اتصالًا بحريًا مباشرًا نسبيًا بين الأسواق الآسيوية والأوروبية عبر السواحل الشمالية لروسيا.

وتأمل موسكو في أن يؤدي ارتفاع حجم التجارة عبر الطريق إلى تعزيز موقعها في حركة النقل والطاقة العالمية، إضافة إلى تحقيق عوائد اقتصادية من استخدام الممر وتطوير البنية التحتية المرتبطة به.

لماذا لا يزال الطريق القطبي بعيدًا عن إزاحة قناة السويس؟

رغم الأرقام اللافتة المتعلقة باختصار المسافة، فإن طريق بحر الشمال لا يزال يواجه مجموعة من العقبات التي تحد من قدرته على التحول إلى بديل كامل لقناة السويس.

أبرز هذه العقبات هو المناخ القاسي، إذ ترتبط الملاحة في أجزاء واسعة من الطريق بحالة الجليد ودرجات الحرارة، كما أن أفضل ظروف العبور تتوافر خلال فترة محدودة من السنة.

وتتيح فترة ذوبان الجليد في الصيف للسفن المرور بصورة أسهل، لكن هذه الميزة لا تستمر طوال العام.

أما قناة السويس، فتتمتع بميزة أساسية تتمثل في إمكانية استخدامها على مدار العام، دون ارتباط حركة السفن بموسم ذوبان الجليد أو الظروف المناخية القطبية.

كما أن استخدام الطريق القطبي قد يتطلب في بعض الظروف سفنًا مجهزة خصيصًا للعمل في المياه الباردة، أو الاستعانة بكاسحات جليد، وهو ما قد يزيد تكاليف التشغيل ويحد من الجدوى الاقتصادية للمسار.

مخاوف بيئية من زيادة الملاحة

ولا تخلو زيادة حركة السفن في المحيط المتجمد الشمالي من مخاوف بيئية.

فالجماعات البيئية تحذر من أن ارتفاع عدد السفن العابرة للمنطقة يمكن أن يترك آثارًا سلبية على البيئة القطبية، التي تعد من أكثر النظم البيئية حساسية في العالم.

وتثير حركة السفن مخاوف تتعلق بتأثيراتها المحتملة على الغطاء الجليدي والحياة البحرية والنظام البيئي القطبي، خصوصًا مع تزايد الاهتمام العالمي بتداعيات تغير المناخ على المنطقة.

هل تصبح قناة السويس أمام منافس جديد؟

يعكس التوسع الصيني في استخدام طريق بحر الشمال تغيرًا مهمًا في خريطة النقل البحري العالمية، لكنه لا يعني حتى الآن أن قناة السويس تواجه خطر فقدان مكانتها.

فالطريق القطبي يمتلك ميزة واضحة تتمثل في اختصار المسافة بين شرق آسيا وأوروبا، لكنه في المقابل يظل محدودًا بفعل الظروف المناخية وموسمية الملاحة.

أما قناة السويس فتستفيد من موقع جغرافي فريد يسمح بربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، وتوفر ممرًا بحريًا مباشرًا ومستقرًا أمام حركة التجارة الدولية دون الحاجة إلى انتظار موسم معين من العام.

وبذلك، قد يتحول طريق بحر الشمال إلى ممر مكمل للممرات البحرية التقليدية، وربما يزداد استخدامه تدريجيًا مع تطور تقنيات الملاحة وتحسن ظروف الإبحار، لكنه لا يزال بعيدًا عن أن يصبح بديلًا شاملًا لقناة السويس.

طريق جديد يعيد رسم خريطة التجارة

وتشير الرحلة الصينية الجديدة إلى أن المنافسة على طرق التجارة البحرية العالمية لم تعد محصورة في الممرات التقليدية، بل بدأت تمتد إلى مناطق كانت حتى وقت قريب صعبة الاستخدام تجاريًا.

ومع استمرار الصين وروسيا في تطوير طريق بحر الشمال، واهتمام شركات النقل الدولية باختبار قدراته، يمكن أن يصبح الممر القطبي خلال السنوات المقبلة جزءًا أكثر حضورًا في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.

لكن نجاحه على المدى الطويل سيظل مرتبطًا بقدرته على تجاوز تحديات المناخ والجليد والتكلفة والبيئة والبنية التحتية، وهي عوامل تجعل قناة السويس، في الوقت الراهن، تحتفظ بأفضلية كبيرة باعتبارها ممرًا تجاريًا عالميًا مستقرًا وقابلًا للاستخدام طوال العام.

المصدر: وكالة فرانس برس (أ ف ب)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى