تقارير

كيف حوّلت باكستان الحرب الأمريكية الإيرانية إلى مكاسب اقتصادية وسياسية؟

كتبت: مريم حسن

بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، برزت باكستان كوسيط مركزي بين واشنطن وطهران، واستضافت إسلام آباد محادثات مباشرة بين نائب الرئيس الأمريكي جي.دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في أبريل 2026، قبل أن يتوصل الطرفان إلى ما عُرف بـ”مذكرة تفاهم إسلام آباد” ثم اتفاق جنيف النهائي في يونيو 2026، بتوقيع رئيس الوزراء شهباز شريف كوسيط إلى جانب ترامب وبزشكيان.

هذا الدور غيّر بشكل لافت موقع باكستان الدولي؛ فبحسب مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR)، تحول بلد كان ينظر إليه لعقود كدولة منكوبة بعدم الاستقرار والديون إلى وسيط لا غنى عنه بين خصمين تاريخيين.

السؤال الذي يطرحه هذا التقرير: هل تُرجم هذا الصعود الدبلوماسي إلى مكاسب اقتصادية حقيقية وقابلة للاستمرار؟

قبل الحديث عن المكاسب، من المهم فهم حجم الضرر الذي كانت باكستان تتعرض له، لأنه يفسر دوافع الوساطة بقدر ما يفسر حجم “المكسب” الحقيقي:

نحو 80% من واردات باكستان من النفط الخام، وقرابة 25% من إمدادات الديزل، كانت تعبر مضيق هرمز، بينما كانت احتياطاتها النقدية عند نحو 16 مليار دولار فقط مع بداية الأزمة في فبراير 2026.

بعد إغلاق المضيق، حذّرت أوكسفورد إيكونوميكس من أن احتياطات باكستان الأجنبية قد تنهار من 20.8 مليار دولار قبل الحرب إلى 6.8 مليار دولار بنهاية 2026، وإلى نحو 1.6 مليار دولار فقط في السنة المالية 2028 إذا استمرت الصدمة.

اقرأ أيضًا: ترامب: إيران لن تمتلك سلاحًا نوويًا مهما تصاعد التوتر

بعثة صندوق النقد الدولي نفسها اضطرت لتقليص زيارتها لإسلام آباد بسبب التصعيد، وأكملت مراجعتها لبرنامج باكستان عن بُعد من تركيا.

فالوساطة لم تكن مغامرة دبلوماسية اختيارية، بل كانت أقرب لعملية إنقاذ ذاتي لاقتصاد كان على شفا أزمة نقد أجنبي حادة.

المكاسب الاقتصادية المباشرة (قصيرة الأمد)

1. تخفيف الضغط على فاتورة الطاقة

باكستان تعتمد على الاستيراد لتغطية أكثر من 85% من حاجتها للنفط وتقريبًا كل احتياجها من الغاز المسال، وقد اضطرت الحكومة أثناء الحرب لفرض تدابير تقشف صارمة شملت أسبوع عمل من أربعة أيام للموظفين العموميين وإغلاق المدارس لتوفير الطاقة، حسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني. مع توقف الحرب وتراجع أسعار النفط العالمية، خفّت الضغوط على الحساب الخارجي الباكستاني وعلى معدلات التضخم.

2. الارتداد القوي في سوق الأسهم

شهدت بورصة باكستان (PSX) انتعاشًا استثنائيًا في 8 أبريل 2026، إذ قفز مؤشر KSE-100 بأكثر من 8–9% في جلسة واحدة، مسجلًا أكبر ارتفاع يومي في تاريخ السوق، وهو ما أدى إلى تفعيل آلية إيقاف التداول مرتين نتيجة التقلبات الحادة.

وفي هذا السياق، أوضح كريستوفر وود أن مؤشر MSCI Pakistan Index ارتفع بنسبة 84% (مقومة بالدولار الأمريكي) منذ بدء برنامج صندوق النقد الدولي في سبتمبر 2024، متجاوزًا أداء السوق الهندية بفارق 124%.

اقرأ أيضًا: تصعيد أمريكي إيراني يهدد اتفاق وقف النار.. هجمات متبادلة ومضيق هرمز يعود إلى دائرة التوتر

ووفقًا لوود، فإن هذا السلوك يعكس ارتباطًا تاريخيًا بين أداء الأسهم الباكستانية وفترات تنفيذ برامج صندوق النقد الدولي، في حين أن الوساطة التي ساهمت في احتواء الأزمة الأخيرة عززت الزخم الإيجابي للسوق، لكنها لم تكن المحرك الرئيس لهذا التحسن.

 3. دعم مالي خليجي مباشر

في 17 أبريل 2026 قدّمت السعودية لباكستان 3 مليارات دولار كدعم إضافي، ومدّدت تسهيل الـ5 مليارات دولار لثلاث سنوات أخرى، في خطوة ربطها تشاتام هاوس بمكانة باكستان المتجددة كوسيط إقليمي موثوق وبعلاقاتها مع كل من واشنطن والرياض وطهران في آنٍ واحد.

المكاسب الهيكلية المحتملة

هذا هو المحور الذي يراه أغلب المحللين الأهم على المدى المتوسط:

في سبتمبر 2025، وقّعت “هيئة الأعمال الهندسية” التابعة للجيش الباكستاني (FWO) اتفاقًا بقيمة 500 مليون دولار مع شركة “يو إس ستراتيجيك ميتالز” الأمريكية لتطوير واستخراج المعادن الحرجة والأتربة النادرة، وتم تسليم أول شحنة فعلية في أكتوبر 2025.

في فبراير 2026، وافقت واشنطن على تمويل بقيمة 1.3 مليار دولار لمشروع “ريكو ديك” للنحاس والذهب، كجزء من مبادرة “Project Vault” الأمريكية البالغة 10 مليارات دولار لإعادة هيكلة سلاسل توريد المعادن الحرجة عالميًا.

شارك وزير الطاقة الباكستاني في “المنتدى الوزاري للمعادن الحرجة” في واشنطن جنبًا إلى جنب مع نائب الرئيس الأمريكي ووزير الخارجية، بحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).

العلاقة الشخصية بين الرئيس ترامب والمشير عاصم منير — التي توطدت بعد وساطة باكستان في وقف إطلاق النار مع الهند في مايو 2025، ثم تعمّقت مع وساطتها في حرب إيران — كانت محورًا رئيسيًا ، حيث استُقبل منير في البيت الأبيض مرتين خلال 2025-2026 لمناقشة الاستثمار الأمريكي في قطاع المعادن.

لكن هذه المكاسب مشروطة وغير مؤكدة بحسب عدة مصادر متخصصة:

مركز CSIS يقول أن “قيودًا هيكلية متعددة تحدّ من قدرة باكستان على أن تكون شريكًا اقتصاديًا قويًا” للولايات المتحدة، أبرزها غياب بيانات جيولوجية معتمدة دوليًا (معايير JORC أو NI 43-101)، وتعليق محكمة بلوشستان العليا لتطبيق قانون المعادن بسبب نزاع دستوري حول صلاحيات الإقليم.

مجلة “Open” الهندية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية تشير إلى أن الأرقام الضخمة المتداولة (6 تريليونات دولار) “تخمينية وتفتقر للمصداقية التقنية”، وأن التقييم الواقعي للقيمة القابلة للاستخراج يتراوح بين 100 و300 مليار دولار على مدى عقود، في حين لا يتجاوز نصيب التعدين من الناتج المحلي حاليًا 2-3%.

موقع Geopolitical Monitor يلفت إلى أن التعديل الدستوري الثامن عشر يمنح حكومة بلوشستان حق نقض فعلي على مشاريع التعدين، وأن نحو 80% من المعادن النادرة تقع في هذا الإقليم المتوتر أمنيًا، مما يجعل ترجمة الاتفاقات إلى أرباح فعلية أمرًا بعيد المنال في الأفق القريب.

مقال رأي في “Modern Diplomacy” يصف آلية “مجلس تيسير الاستثمار الخاص” (SIFC) العسكرية بأنها “تسهّل نقل أصول باكستان للخارج دون مساءلة”، مستشهدًا بمقال للدبلوماسي توقير حسين في صحيفة “Dawn” بعنوان “علاقات ملتبسة”، الذي يرى أن التعاملات الأمريكية مع باكستان كانت دومًا قصيرة الأمد ومرتبطة بحاجات واشنطن الاستراتيجية المتغيرة، لا برغبة حقيقية في تنمية باكستان اقتصادياً.

رأي المحللين السياسيين لدوافع ومخاطر الدور الباكستاني

قال شاهد حسين، المحلل السياسي المتخصص في دراسات السلام وحل النزاعات، في تصريح خاص لـ”داي نيوز”:

لقد ساعد انخراط باكستان الدبلوماسي مع كلٍ من الولايات المتحدة وإيران في الحفاظ على أهميتها الاستراتيجية، كما أسهم في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة خلال فترات التوتر الإقليمي.”

وأضاف: “الفوائد الاقتصادية المباشرة لأي دور وساطة قامت به باكستان ظلت محدودة إلى حد كبير، وكانت في معظمها غير مباشرة، ولم ترقَ إلى مكاسب اقتصادية ملموسة.”

وأوضح: “من أبرز الفوائد المحتملة لهذه الجهود الدبلوماسية تعزيز المصداقية الدولية لباكستان، وزيادة ثقة المستثمرين خلال فترات الاستقرار، إلى جانب توفير فرص لتسهيل التجارة وتعزيز العلاقات مع دول الخليج والدول الغربية.”

وأشار إلى أن “القيود الاقتصادية التي تواجهها باكستان، والعقوبات المفروضة على إيران، إلى جانب تعقيدات المشهد الجيوسياسي في المنطقة، حالت دون تحويل هذه الجهود الدبلوماسية إلى مكاسب اقتصادية كبيرة أو مستدامة.”

واختتم تصريحه بالقول: “في المجمل، يمكن القول إن المكاسب التي حققتها باكستان من هذا الدور كانت ذات طابع استراتيجي ودبلوماسي أكثر منها اقتصادية.”

اقرأ أيضًا: إيران ترفض تفتيش منشآتها النووية المتضررة ..خلاف جديد بين أمريكا وإيران

مركز ستيمسون يرى أن الدافع الباكستاني للوساطة ليس اقتصاديًا بحتًا، بل أمنيًا أيضًا: منع امتداد عدم الاستقرار من إقليم سيستان-بلوشستان الإيراني إلى بلوشستان الباكستانية، إلى جانب اعتبارات داخلية متعلقة بأكبر تجمع شيعي خارج إيران.

ويحذر المركز من أن توازن باكستان الدقيق بين واشنطن وطهران والرياض قد يصبح “غير قابل للاستمرار” إذا تصدّع وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن الإمارات طالبت فعليًا بتسديد قرض كبير لباكستان بسبب تداعيات الأزمة على علاقتها بها.

مركز الجزيرة للدراسات يصف دور إسلام أباد بأنه دور “منسّق لا ضامن”، ويرى أن “الاختبار الحقيقي” هو قدرة باكستان على تحويل نفوذها الدبلوماسي الحالي إلى روابط اقتصادية مستدامة، مشيرًا إلى احتمال انتعاش مشروع خط أنابيب الغاز الإيراني-الباكستاني المتوقف منذ سنوات في حال رفع العقوبات عن إيران.

عدة تقارير تُحذر من أن الصعود الباكستاني له كلفة سياسية قد تنعكس اقتصاديًا:

تدهور العلاقات الأمريكية-الهندية بسبب تقارب واشنطن مع إسلام أباد، حسب CFR، قد يُعقّد مستقبلًا مبادرات اقتصادية إقليمية أوسع (كمجموعة I2U2 ومجموعة الكواد) كانت الهند جزءًا أساسيًا منها.

صندوق النقد الدولي ما زال هو المحرك الأكبر لأداء بورصة باكستان وفق وود من “جيفريز”، أي أن الانتعاش الحالي مرتبط ببرنامج الإنقاذ القائم أكثر من ارتباطه بنتائج الوساطة بذاتها.

المؤسسة العسكرية، ممثلة بمجلس تيسير الاستثمار الخاص (SIFC)، هي الجهة التي تقود ملف المعادن، وهو ترتيب ينتقده محللون باكستانيون أنفسهم بوصفه يتجاوز الصلاحيات الدستورية للأقاليم ويضعف الشفافية والمساءلة.

استفادت باكستان حتى الآن من وساطتها بشكل ملموس وفوري في ثلاث جبهات: تراجع أسعار الطاقة العالمية الذي خفّف عجزها الخارجي، ارتفاع قياسي في بورصتها عكس تحسن المعنويات وثقة المستثمرين، ودعم مالي خليجي مباشر (سعودي بشكل أساس) عزّز احتياطاتها، كما حصلت على زخم دبلوماسي سهّل توقيع اتفاقيات معادن حرجة مع شركات أمريكية وتمويل مشاريع كبرى مثل “ريكو ديك”.

أما المكاسب الهيكلية الكبرى — أي تحويل باكستان فعليًا إلى مركز إقليمي لتصنيع وتصدير المعادن الحرجة، أو إحياء خط أنابيب الغاز مع إيران، أو جذب استثمارات أمريكية ضخمة ومستقرة — فتبقى في طور “الوعود” بحسب الغالبية العظمى من مراكز الأبحاث المستشهد بها، وتواجه عقبات حقيقية تتعلق بالحوكمة، والاستقرار الأمني في بلوشستان، والطبيعة التاريخية القصيرة الأمد للعلاقة الأمريكية-الباكستانية التي لا ترتبط بمصلحة استراتيجية ثابتة بل بحسابات الإدارة الحالية ودورها في أزمة معينة.

استفادت باكستان اقتصاديًا بشكل مباشر وسريع من دور الوساطة، لكن تحويل هذا النفوذ الدبلوماسي إلى نمو اقتصادي هيكلي ومستدام ما زال غير مضمون ومرهون باستمرار الهدوء الإقليمي وبقدرة إسلام أباد على تجاوز عقباتها المؤسسية الداخلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى