مقالات

حين يجحد الأبناء فضل الآباء… أين ضاعت لغة الامتنان؟

بقلم: أ.د.م. نجلاء الورداني

ليست كل الجروح التي تصيب الإنسان تأتي من الغرباء، فبعضها يأتي من أقرب الناس إليه، من أولئك الذين منحهم عمره وصحته وراحته، وانتظر منهم أن يكونوا مصدر سعادته وطمأنينته في سنوات عمره المتقدمة. إنها جراح الآباء حين يشعرون أن أبناءهم الذين أفنوا أعمارهم في تربيتهم ورعايتهم لم يعودوا يقدرون ما قدموه، أو يتعاملون معهم باعتبار أن تضحياتهم واجب لا يستحق حتى كلمة شكر.

إن جحود الأبناء ليس مجرد موقف عابر أو خلاف عائلي، بل هو ظاهرة اجتماعية تستحق التأمل والتحليل؛ لأنها تكشف عن خلل في منظومة القيم التي تحكم العلاقات داخل الأسرة. فالأسرة ليست مجرد مكان يجمع أفرادًا تحت سقف واحد، وإنما هي المؤسسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الانتماء والمسؤولية والرحمة والوفاء والاعتراف بفضل الآخرين.

ولعل التساؤل الذي يفرض نفسه: كيف يتحول الابن الذي كان يومًا لا يستطيع الاستغناء عن والديه إلى شخص لا يجد وقتًا للسؤال عنهما؟ كيف تتحول سنوات التضحية والسهر والخوف والاحتواء إلى تفاصيل منسية بمجرد أن يكبر الأبناء ويستقلوا بحياتهم؟

لا يمكن تفسير هذه الظاهرة بعامل واحد، فهناك تحولات اجتماعية وثقافية أسهمت في إعادة تشكيل العلاقات الأسرية، من بينها تصاعد النزعة الفردية، الانشغال بضغوط الحياة والعمل، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في أنماط العلاقات الإنسانية، فضلًا عن بعض أنماط التنشئة التي ركزت على تلبية الاحتياجات المادية للأبناء دون الاهتمام الكافي بغرس قيم الامتنان وتحمل المسؤولية والتعاطف مع الآخرين.

كما أن بعض الآباء، بدافع الحب والخوف على أبنائهم، يقدمون كل شيء دون حدود، ويحمونهم من تحمل المسؤولية، ويستمرون في تلبية احتياجاتهم حتى بعد بلوغهم سن الرشد؛ الأمر الذي قد يؤدي لدى بعض الأبناء إلى الاعتياد على العطاء باعتباره حقًا مكتسبًا، وليس قيمة إنسانية تستوجب التقدير والاعتراف بالجميل.

لكن التعامل مع جحود الأبناء لا ينبغي أن يكون بالصدام الدائم أو تبادل الاتهامات، كما لا ينبغي أن يتحول إلى استسلام للصمت والإهانة. فالحكمة تقتضي أن يدرك الآباء أن الحب لا يعني إلغاء الذات، أن التضحية لا تعني التخلي عن الكرامة، وأن بر الأبناء لا يتحقق بالاستجداء العاطفي أو الشعور المستمر بالذنب.

ومن الضروري أن تكون هناك مساحة للحوار الصريح والهادئ، يعبر فيها الآباء عن مشاعرهم واحتياجاتهم دون تجريح، وأن يضعوا حدودًا واضحة في التعامل، وألا يستمروا في تقديم التنازلات التي تستنزف صحتهم النفسية أو المادية. فاحترام الوالدين لا ينبغي أن يكون مرتبطًا بمدى ما يستطيعان تقديمه من أموال أو خدمات، وإنما هو قيمة أخلاقية وإنسانية مستقلة.

وفي المقابل، لا بد أن نؤكد أن الأبناء ليسوا جميعًا جاحدين، وأن اختلاف طرق التعبير عن الحب والاهتمام لا يعني بالضرورة غيابهما؛ فقد يكون الابن مثقلًا بالمسؤوليات، أو غير قادر على التعبير عن مشاعره، أو يعتقد خطأً أن وجود والديه أمر مضمون لا يحتاج إلى تجديد الاهتمام بهما. وهنا تبرز أهمية التواصل والتفاهم بدلًا من التسرع في إصدار الأحكام.

إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ من التربية المبكرة، حين نعلم أبناءنا أن النجاح لا يقاس فقط بالحصول على الشهادات أو تحقيق المكانة الاجتماعية أو امتلاك المال، وإنما يقاس أيضًا بقدرتهم على الوفاء بالمسؤوليات الإنسانية، واحترام من قدموا لهم الرعاية، وتقدير مشاعر الآخرين. فالابن الذي يتعلم الامتنان داخل أسرته يصبح أكثر قدرة على ممارسة التعاطف والوفاء في المجتمع كله.

وفي النهاية، علينا أن ندرك أن الآباء لا ينتظرون من أبنائهم ردًا ماديًا لكل ما قدموه، ولا يطلبون استرداد سنوات العمر التي أنفقوها في تربيتهم، وإنما ينتظرون سؤالًا صادقًا، اهتمامًا لا يرتبط بالمصلحة، وكلمة طيبة تشعرهم بأن وجودهم لا يزال مهمًا في حياة أبنائهم.

فليس أصعب على قلب الأب أو الأم أن يكبر بهما العمر، وإنما الأصعب أن يكتشفا أن سنوات العطاء لم تترك في بعض القلوب أثرًا من الامتنان.

إن بر الوالدين ليس مجرد واجب اجتماعي أو قيمة دينية نتحدث عنها في المناسبات، بل هو اختبار حقيقي لإنسانية الإنسان، وقدرته على الوفاء لمن كانوا يومًا سببًا في وجوده، وسنده الأول في مواجهة الحياة.

فالمجتمعات التي تنسى قيمة الامتنان داخل الأسرة، لا ينبغي أن تتعجب حين تضعف فيها روابط الرحمة والتكافل خارجها أيضًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى