اقتصاد وتكنولوجيا

تراجع إنتاج الطاقة الشمسية والرياح يرفع أسعار الكهرباء في أوروبا مع اقتراب موجة «الهدوء المظلم»

تواجه منظومة الكهرباء في أوروبا ضغوطًا متزايدة مع تراجع إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بسبب استمرار الطقس الغائم وضعف سرعة الرياح، ما يهدد بارتفاع أسعار الكهرباء ويدفع شبكات الطاقة إلى الاعتماد بصورة أكبر على محطات الوقود الأحفوري، خصوصًا الغاز الطبيعي، لتغطية احتياجات الاستهلاك.

وحذرت تقارير أوروبية من احتمال دخول القارة في أول فترة من ظاهرة تُعرف باسم «الهدوء المظلم» (Dunkelflaute) خلال العام، وهي حالة مناخية تنخفض فيها معدلات إنتاج الطاقة الشمسية والرياح لفترات ممتدة نتيجة غياب أشعة الشمس الكافية وضعف حركة الرياح.

ما ظاهرة «الهدوء المظلم»؟

يُستخدم هذا المصطلح الألماني لوصف فترات تتراجع فيها الطاقة المنتجة من الشمس والرياح إلى مستويات منخفضة للغاية، وقد تحدث عادة بين أكتوبر وفبراير في شمال أوروبا، نتيجة قصر ساعات النهار وكثافة السحب والضباب وانخفاض سرعة الرياح.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة خلال فصل الشتاء، إذ يتزامن تراجع إنتاج الطاقة المتجددة مع ارتفاع الطلب على الكهرباء بسبب انخفاض درجات الحرارة وزيادة استخدام وسائل التدفئة. وفي هذه الظروف، تضطر شبكات الكهرباء إلى الاستعانة بمصادر احتياطية أكثر تكلفة، وفي مقدمتها محطات الغاز الطبيعي.

أسعار الكهرباء في ألمانيا تتجاوز 300 يورو

ووفقًا لتوقعات نقلتها بلومبرغ، تجاوزت أسعار الكهرباء الألمانية لليوم التالي 300 يورو لكل ميجاواط/ساعة يوم الخميس 29 أكتوبر، أي ما يقرب من ضعف متوسط الأسعار خلال شهر أكتوبر، فيما تخطت الأسعار في بعض الساعات 500 يورو لكل ميجاواط/ساعة خلال ذروة الاستهلاك المسائية.

ويعكس ذلك حساسية أسواق الكهرباء الأوروبية للتقلبات الجوية، خاصة عندما يتراجع إنتاج مصادر الطاقة المتجددة في الوقت الذي يرتفع فيه الطلب على الكهرباء.

الطقس الغائم يقلص إنتاج الألواح الشمسية

ولا يقتصر تأثير انخفاض إنتاج الطاقة الشمسية على محطات الكهرباء الكبرى، بل يمتد إلى المنازل التي تعتمد على الألواح الشمسية لتقليل فواتير الطاقة.

ونقلت يورونيوز عن أحد سكان بريطانيا، الذي يمتلك 12 لوحًا شمسيًا على سطح منزله بقدرة إجمالية تبلغ 6.36 كيلوواط، أن الألواح أنتجت يوم الأربعاء 4 نوفمبر نحو 10.90 كيلوواط/ساعة فقط، ما اضطره إلى الحصول على 27.40 كيلوواط/ساعة إضافية من شبكة الكهرباء.

وفي اليوم التالي، الخميس 5 نوفمبر، ومع استمرار الغيوم طوال اليوم، انخفض إنتاج النظام الشمسي إلى 2.40 كيلوواط/ساعة فقط، بينما ارتفعت كمية الكهرباء المستوردة من الشبكة إلى 20.60 كيلوواط/ساعة.

وجاء ذلك رغم امتلاك المنزل بطارية لتخزين الطاقة بسعة 11.52 كيلوواط/ساعة، تُشحن خلال الليل باستخدام تعريفة الكهرباء منخفضة التكلفة، ثم تُستخدم نهارًا مع ارتفاع الاستهلاك.

وأشار صاحب المنزل إلى أن استمرار الطقس الغائم خلال عطلة نهاية الأسبوع والأيام التالية قد يؤدي إلى انخفاض إنتاج الألواح الشمسية لدى كثير من الأسر البريطانية مقارنة بمستويات الصيف.

انخفاض حصة الطاقة الشمسية في أوروبا خلال الخريف

وتتغير مساهمة الطاقة الشمسية في مزيج الكهرباء الأوروبي بصورة واضحة بين فصول السنة؛ إذ بلغت حصتها من إجمالي إنتاج الكهرباء في الاتحاد الأوروبي 25.4% خلال يونيو، قبل أن تنخفض إلى 13.2% في أكتوبر.

ومع ذلك، فإن انخفاض درجات الحرارة لا يعني توقف الألواح الشمسية عن العمل، لأنها تعتمد على ضوء الشمس وليس الحرارة المرتفعة. ووفقًا لشركة الطاقة البريطانية «Good Energy»، يمكن للأنظمة الشمسية المنزلية في بريطانيا إنتاج ما يتراوح بين 25% و35% من إجمالي إنتاجها السنوي خلال فصل الشتاء.

الطاقة الكهرومائية تعوض جزءًا من التراجع

في المقابل، يمكن للطاقة الكهرومائية أن تساعد في تعويض جزء من انخفاض إنتاج الطاقة الشمسية، إذ يميل إنتاج الكهرباء من المياه إلى الارتفاع في الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الممتدة من أكتوبر، وفقًا للاتجاهات التي رصدتها البيانات خلال العام الماضي.

وتبرز أهمية تنويع مصادر الطاقة المتجددة في مواجهة التقلبات الجوية، بحيث لا تعتمد منظومة الكهرباء على الشمس أو الرياح وحدهما، وإنما تستفيد أيضًا من الطاقة الكهرومائية وغيرها من المصادر منخفضة الانبعاثات.

الطاقة الشمسية ساعدت أوروبا خلال موجات الحر

وعلى الرغم من التحديات التي تواجه الطاقة الشمسية خلال فترات الغيوم، فإنها لعبت دورًا مهمًا في استقرار شبكات الكهرباء الأوروبية خلال موجات الحر التي شهدتها القارة في الصيف، عندما ارتفع الطلب على التبريد وتشغيل أجهزة التكييف والمراوح.

ووفقًا لتحليل مؤسسة «Ember» المتخصصة في أبحاث الطاقة، ارتفع الطلب اليومي على الكهرباء خلال موجة الحر في أواخر يونيو بنسبة وصلت إلى 28% في إيطاليا، و23% في المجر، و14% في فرنسا، و13% في إسبانيا، مقارنة بالأيام السابقة للموجة.

وكانت الطاقة الشمسية مصدر الطاقة الرئيسي الوحيد الذي سجل أداءً أفضل من المعتاد خلال تلك الفترة؛ إذ ارتفع متوسط إنتاجها اليومي بنسبة 17% في فرنسا والمجر، و5% في إسبانيا، بينما ظل عند مستويات مماثلة في إيطاليا.

كما أظهر تحليل منفصل للمؤسسة أن نظام الطاقة الشمسية في منزل بريطاني نموذجي كان قادرًا على توفير الكهرباء اللازمة لتشغيل جهاز تكييف لمدة خمس ساعات يوميًا خلال موجة الحر.

الحرارة والجفاف يضغطان أيضًا على مصادر الطاقة التقليدية

وفي المقابل، تواجه بعض مصادر الطاقة التقليدية ومنخفضة الانبعاثات تحديات خلال موجات الحر، خاصة المحطات التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه للتبريد، مثل محطات الفحم والطاقة النووية، إلى جانب محطات الطاقة الكهرومائية التي تتأثر بانخفاض الأمطار ومستويات المياه.

وفي أغسطس، اضطرت بولندا إلى خفض إنتاج بعض محطات الكهرباء العاملة بالفحم بسبب الانخفاض الحاد في منسوب مياه نهر فيستولا، الذي تعتمد عليه المحطات في عمليات التبريد.

وأدى ذلك مؤقتًا إلى خروج قدرة إنتاجية تبلغ 1.3 جيجاواط من منظومة الكهرباء البولندية، وهي كمية تكفي لتوفير الكهرباء لأكثر من مليون منزل متوسط الاستهلاك، وتمثل نحو 2% من القدرة الحالية لإنتاج الكهرباء في البلاد.

وتكشف هذه التطورات عن تحدٍ متزايد أمام أوروبا، يتمثل في ضرورة تعزيز قدرات تخزين الكهرباء وتطوير مصادر الطاقة المرنة وشبكات الربط بين الدول، حتى تتمكن القارة من مواجهة فترات تراجع إنتاج الشمس والرياح دون الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري وارتفاع أسعار الكهرباء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى