تقارير

تركيا وإسرائيل.. لماذا عاد شبح المواجهة من جديد؟

كتبت: هدير البحيري

عاد التوتر بين تركيا وإسرائيل إلى واجهة المشهد الإقليمي، مدفوعًا بتشابك ملفات أمنية وسياسية تتجاوز الحرب في غزة، لتشمل النفوذ في سوريا، والتحالفات العسكرية في شرق البحر المتوسط، ومستقبل موازين القوى في المنطقة.

وبينما لا تشير المؤشرات الحالية إلى رغبة أي من الطرفين في الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، فإن تصاعد الخطاب السياسي وتضارب المصالح يفتحان الباب أمام تساؤلات بشأن حدود هذا التصعيد وإمكانية احتوائه.

وتنظر أنقرة وتل أبيب إلى بعضهما باعتبارهما منافسين على النفوذ الإقليمي، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى الحفاظ على توازن دقيق بين حليفين مهمين، بما يمنع انتقال التوتر من مستوى الصراع السياسي إلى الاحتكاك العسكري.

واشنطن بين حليفين

أعاد التقارب الذي أبداه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه تركيا خلال مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي، وما صاحبه من رسائل إيجابية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الجدل داخل إسرائيل بشأن مستقبل العلاقة بين واشنطن وأنقرة، لا سيما مع تجدد الحديث عن ملفات التعاون العسكري، وفي مقدمتها مقاتلات “إف-35”.

وتزامن ذلك مع تصعيد في الخطاب السياسي بين الجانبين، إذ وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” قبيل انعقاد قمة الحلف، حكومة أردوغان بأنها “كيان معادٍ لإسرائيل”، داعيًا الإدارة الأمريكية إلى تجنب أي خطوات قد تخل بالتوازن العسكري في المنطقة أو تمنح أنقرة مزايا استراتيجية، في إشارة إلى صفقات التسليح المحتملة.

كما طغى الملف التركي على الاتصالات الأخيرة بين واشنطن وتل أبيب، في ظل اعتراض إسرائيل على تصريحات مسؤولين أتراك تجاهها، وتمسكها بالحفاظ على تفوقها العسكري النوعي في المنطقة.

من غزة إلى سوريا.. اتساع رقعة الخلاف

ورغم أن القضية الفلسطينية تمثل أحد أبرز أسباب التوتر بين البلدين، فإن المشهد لم يعد يقتصر على المواقف المتباينة من الحرب في غزة أو من حركة “حماس”.

فتركيا تواصل دعمها لإقامة دولة فلسطينية، وتتعامل مع “حماس” باعتبارها فصيلًا سياسيًا ومقاومًا، بينما ترى إسرائيل أن الحركة تمثل تهديدًا لأمنها، وتتهم أنقرة بتوفير غطاء سياسي لها.

لكن الملف السوري أصبح خلال الأشهر الأخيرة الساحة الأكثر حساسية في العلاقة بين الطرفين، مع سعي كل منهما إلى توسيع نفوذه ومنع الطرف الآخر من تثبيت وجوده العسكري أو السياسي.

وتعتبر إسرائيل أن أي وجود عسكري تركي دائم داخل سوريا قد يغير موازين القوى على حدودها الشمالية، بينما تؤكد أنقرة أن وجودها يرتبط باعتبارات الأمن القومي ومكافحة التنظيمات المسلحة، وتتهم إسرائيل بتقويض الاستقرار من خلال استمرار عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية.

شرق المتوسط.. صراع يتجاوز الحدود

لا يقتصر التنافس بين تركيا وإسرائيل على الساحة السورية، بل يمتد إلى شرق البحر المتوسط، حيث تتشابك اعتبارات الأمن والطاقة والتحالفات الإقليمية.

وتنظر أنقرة إلى التقارب العسكري بين إسرائيل واليونان وقبرص باعتباره جزءًا من سياسة تهدف إلى الحد من نفوذها في المنطقة، خاصة في ظل تنامي التعاون الدفاعي والمناورات العسكرية المشتركة.

كما ترى تركيا أن التحركات الإسرائيلية، إلى جانب التنسيق مع جماعات ضغط داخل الولايات المتحدة، تؤثر في ملفات تتعلق بالتعاون الدفاعي وصفقات التسليح، بما يعكس اتساع نطاق المنافسة بين البلدين إلى ما هو أبعد من الخلافات السياسية التقليدية.

الحسابات الداخلية تغذي التصعيد

يتزامن تصاعد التوتر مع مرحلة سياسية دقيقة يمر بها الطرفان، وهو ما يضفي على الخطاب المتبادل أبعادًا داخلية إلى جانب أبعاده الإقليمية.

ففي إسرائيل، يواجه نتنياهو ضغوطًا سياسية متزايدة منذ هجمات السابع من أكتوبر، في ظل انتقادات لأداء حكومته، بينما يسعى إلى ترسيخ صورة حكومته باعتبارها الأكثر تشددًا في مواجهة التهديدات الأمنية.

وفي المقابل، يواصل أردوغان تبني خطاب حاد تجاه إسرائيل، مستندًا إلى موقف ثابت من الحرب في غزة، في إطار سياسة تمنح أنقرة مساحة أوسع للحضور في ملفات الشرق الأوسط.

ويرى مراقبون أن هذا التداخل بين الاعتبارات الداخلية والتنافس الإقليمي يسهم في رفع سقف التصريحات المتبادلة، حتى وإن ظلت المصالح الاستراتيجية للطرفين تفرض قيودًا على احتمالات التصعيد العسكري.

من الشراكة إلى القطيعة

لم تكن العلاقات التركية الإسرائيلية دائمًا على هذا القدر من التوتر، إذ شهدت عقودًا من التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي.

فكانت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل عام 1949، كما توسع التعاون الدفاعي بين البلدين خلال تسعينيات القرن الماضي، وشملت العلاقات تدريبات عسكرية مشتركة وتبادلًا اقتصاديًا وسياحيًا واسعًا.

واستمر هذا المسار حتى وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، رغم ما شهدته العلاقات من أزمات متفرقة.

لكن نقطة التحول الأبرز جاءت عام 2010، عندما هاجمت قوات إسرائيلية سفينة مافي مرمرة المتجهة إلى قطاع غزة في محاولة لكسر الحصار، ما أسفر عن مقتل عشرة ناشطين أتراك، ودفع العلاقات بين البلدين إلى واحدة من أسوأ أزماتها الدبلوماسية.

ورغم محاولات التقارب التي شهدها عام 2023، فإن الحرب في غزة أعادت العلاقات إلى مربع التوتر، مع تبادل الاتهامات والتصريحات الحادة بين مسؤولي البلدين.

حرب كلامية تعكس عمق الأزمة

ولم يقتصر التصعيد بين الجانبين على التحركات السياسية والعسكرية، بل امتد إلى تبادل تصريحات حادة بين كبار المسؤولين. فقد وصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إسرائيل بأنها “عبء لم يعد بوسع البشرية تحمله”، بينما اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن هذا الخطاب يحمل تحريضًا خطيرًا ضد إسرائيل.

كما أثارت تصريحات لمسؤولين أتراك بشأن القدس ردود فعل غاضبة في إسرائيل، التي اعتبرتها مؤشرًا على تصاعد الخطاب القومي التركي، في حين رأت أنقرة أن تل أبيب توظف تلك التصريحات لتغذية خطابها السياسي وتبرير سياساتها الأمنية.

رغم تصاعد حدة الخطاب السياسي، لا تزال عوامل عديدة تحول دون تحول الأزمة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وتحتفظ بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، في حين تدرك إسرائيل أن فتح جبهة جديدة مع قوة إقليمية بحجم تركيا سيحمل كلفة سياسية وعسكرية مرتفعة.

وفي المقابل، لا تبدو أنقرة معنية بالدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، في ظل انشغالها بملفات أمنية وإقليمية متعددة.

وبين حسابات الردع، وتشابك المصالح الدولية، واستمرار التنافس على النفوذ، تبقى العلاقة بين أنقرة وتل أبيب مرشحة لمزيد من التوتر، وإن كان مسارها النهائي سيظل رهينًا بالتطورات الميدانية في سوريا وغزة، إضافة إلى طبيعة الدور الأمريكي في إدارة التوازن بين الحليفين.

إلى أين يتجه التصعيد؟

وفي هذا السياق، يقول الخبير في الشؤون التركية وشؤون الشرق الأوسط، شعبان عبدالفتاح، في حديث خاص لـ”داي نيوز” إن التوتر الحالي بين تركيا وإسرائيل لا يمكن فصله عن الحرب في غزة، لكنها لم تعد السبب الوحيد للأزمة.

وأوضح أن الحرب بدأت بتوسيع الفجوة السياسية والأخلاقية بين أنقرة وتل أبيب، ودفعت تركيا إلى تبني خطاب أكثر حدة تجاه السياسات الإسرائيلية، إلا أن التحولات اللاحقة نقلت الخلاف من القضية الفلسطينية إلى مستوى التنافس الاستراتيجي على شكل النظام الإقليمي الجديد.

وأضاف عبدالفتاح أن أبرز ما تغير في المشهد يتمثل في تراجع نفوذ إيران وبعض حلفائها، وإعادة تشكيل الساحة السورية، واتساع التحركات الإسرائيلية في سوريا ولبنان، بالتوازي مع سعي تركيا إلى تعزيز علاقاتها مع الدول العربية وتوسيع حضورها السياسي والأمني في المنطقة. ونتيجة لذلك، باتت أنقرة تنظر إلى إسرائيل باعتبارها قوة تسعى إلى فرض ترتيبات أمنية أحادية، بينما ترى إسرائيل أن الصعود التركي يمثل متغيرًا قد يقيد حركتها ويعيد تشكيل توازنات النفوذ في سوريا وشرق المتوسط.

وأشار إلى أن غزة لا تزال تمثل المحرك السياسي المباشر للتوتر، لكنها تتداخل مع تنافس أوسع يتعلق بسوريا وشرق المتوسط والتحالفات الإقليمية والعلاقة مع الولايات المتحدة، وهو ما يفسر تحول الخلاف الحالي من أزمات دبلوماسية متكررة إلى خصومة استراتيجية طويلة الأمد.

وأوضح عبدالفتاح أن سوريا أصبحت الساحة الأكثر حساسية في العلاقة بين أنقرة وتل أبيب، لأنها تجمع المصالح الأمنية المباشرة للطرفين في مساحة جغرافية واحدة. فتركيا تنظر إلى سوريا باعتبارها امتدادًا لأمنها القومي، وتسعى إلى دعم حكومة مركزية مستقرة وقريبة منها، ومنع تقسيم البلاد أو تشكل كيان كردي مسلح على حدودها، إلى جانب الاحتفاظ بنفوذ سياسي وعسكري يسمح لها بالتأثير في مستقبل الدولة السورية.

في المقابل، تركز إسرائيل على منع ظهور تهديد عسكري جديد بالقرب من حدودها، وإبعاد إيران والجماعات المسلحة، والحفاظ على حرية عملها الجوي والعسكري، فضلًا عن منع تحول سوريا إلى مجال نفوذ تركي واسع يمكن أن يغير توازن القوى الإقليمي على المدى البعيد.

وأضاف أن ما تعتبره تركيا دعمًا لاستقرار سوريا وبناء مؤسساتها، قد تراه إسرائيل تمكينًا لقوة إقليمية منافسة، بينما ترى أنقرة أن الضربات الإسرائيلية المتكررة تضعف الحكومة السورية وتعرقل استعادة الدولة لسيادتها.

ورغم ذلك، لفت إلى أن الجانبين شرعا في اتصالات فنية لإنشاء آليات تمنع الاحتكاك وسوء التقدير، بما يعكس إدراكهما لخطورة الانتقال من التنافس غير المباشر إلى صدام عسكري.

وأشار الخبير في الشؤون التركية وشؤون الشرق الأوسط إلى أن هناك حدودًا واضحة للردع بين تركيا وإسرائيل، لكنها ليست مضمونة بصورة مطلقة. فالدولتان تمتلكان قدرات عسكرية كبيرة وترتبطان بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، وتدركان أن أي مواجهة مباشرة ستكون مرتفعة الكلفة، وقد تمتد سريعًا إلى أكثر من ساحة، فضلًا عن تأثيرها في علاقاتهما مع واشنطن وحلف شمال الأطلسي والقوى الإقليمية.

ورجح عبدالفتاح أن يستمر التنافس بين الجانبين عبر الضغوط السياسية والتحركات الدبلوماسية والعمليات غير المباشرة، إلى جانب التنافس الاستخباراتي والدفاعي، بدلًا من الانزلاق إلى حرب تقليدية، مؤكدًا أن استمرار قنوات منع الاحتكاك في سوريا يمثل عنصرًا أساسيًا في ضبط التصعيد.

واستدرك بأن خطر المواجهة لا يمكن استبعاده بالكامل، لا سيما إذا استهدفت ضربة إسرائيلية قوات أو منشآت تركية، أو اعتبرت إسرائيل أن وجودًا عسكريًا تركيًا جديدًا في سوريا يهدد حرية عملها، أو أدى سوء تقدير ميداني إلى سقوط ضحايا من أحد الطرفين.

وأوضح أن السيناريو الأقرب لا يتمثل في حرب مخطط لها، وإنما في تصعيد غير مقصود يبدأ بحادث محدود ثم يصعب احتواؤه.

وأكد عبدالفتاح أن الحسابات الداخلية لكل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب الدور الأمريكي، تمثل عوامل رئيسية في إدارة التصعيد بين الجانبين.

وأوضح أن القضية الفلسطينية تحظى بأهمية كبيرة لدى الرأي العام التركي، وهو ما يجعل من الصعب على الحكومة التركية تبني موقف مرن تجاه إسرائيل في ظل استمرار الحرب في غزة والعمليات الإسرائيلية في سوريا ولبنان. كما يوظف الخطاب التركي هذا الملف لإبراز دور أنقرة الإقليمي وتقديمها باعتبارها قوة قادرة على الدفاع عن القضايا التي تحظى بحساسية شعبية.

وأضاف عبدالفتاح أن نتنياهو يواجه بيئة داخلية تتسم بالاستقطاب وضغوط الائتلافات الحزبية والانتخابات، وهو ما يدفعه إلى التشدد في القضايا الأمنية وتقليص هامش التراجع أمام تركيا أو سوريا، خصوصًا إذا أمكن تصوير أي تسوية باعتبارها تنازلًا يمس أمن إسرائيل. وأشار إلى أن التطورات الأخيرة تعكس استمرار تأثير الحسابات الانتخابية والائتلافية في قراراته الإقليمية.

وفي المقابل، لفت الخبير إلى أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات مهمة لضبط العلاقة، من خلال التعاون العسكري وصفقات التسليح والعقوبات وعلاقاتها المباشرة مع الطرفين، مؤكدًا أن واشنطن لا ترغب في تحول الخلاف بين إسرائيل وتركيا إلى مواجهة تضعها أمام خيار صعب بين حليفها الإسرائيلي وشريكها التركي داخل حلف الناتو.

كما أشار إلى أن التحركات الأمريكية الأخيرة أظهرت حرصًا على الحد من التصعيد الإسرائيلي في سوريا، بالتوازي مع تحسين التعاون الدفاعي مع أنقرة.

واختتم عبدالفتاح حديثه بالتأكيد على أن السيناريو الأقرب خلال المرحلة المقبلة يتمثل في استمرار الخصومة الاستراتيجية المُدارة، عبر تصعيد سياسي وتنافس متزايد في سوريا وشرق المتوسط، مع الإبقاء على قنوات اتصال تمنع الصدام المباشر. أما التهدئة الشاملة فتظل مرتبطة بحدوث تغير واضح في غزة وسوريا، فيما تبقى المواجهة العسكرية احتمالًا أقل ترجيحًا، لكنه قد يرتفع إذا تعطلت آليات منع الاحتكاك أو وقع حادث ميداني مباشر.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى