أخبار دولية

أوكرانيا توسّع حضورها في الفضاء لمواجهة روسيا

لم تعد ساحة المواجهة بين أوكرانيا وروسيا مقتصرة على البر والبحر والجو، إذ امتد الصراع بصورة متزايدة إلى الفضاء، مع تصاعد الاعتماد العسكري على الأقمار الصناعية وأنظمة الاتصالات والاستطلاع وتحديد الأهداف.

وفي ظل هذه التطورات، تسعى كييف إلى بناء قدرات فضائية مستقلة تقلل اعتمادها على الولايات المتحدة وشبكة «ستارلينك»، وتساعدها على مواجهة التهديدات الروسية المتنامية.

ضربة أوكرانية تستهدف منشأة سويوز الروسية

برز امتداد الحرب إلى الفضاء مع الهجوم الأوكراني الذي استهدف، في الساعات الأولى من 15 أغسطس، مركز «بروجرس» للصواريخ والفضاء في مدينة سامارا الصناعية الروسية، على ضفاف نهر الفولغا، وهي المنشأة المسؤولة عن تصنيع صواريخ «سويوز-2».

وأظهرت مقاطع مصورة متداولة وصور للأقمار الصناعية أن صاروخين من طراز «فلامينغو» أصابا مبنيين داخل المنشأة، من بينهما المبنى المعروف باسم «106A»، الذي يضم غرفة نظيفة تُستخدم في تجميع اللوحات الأم لأنظمة إطلاق صواريخ سويوز.

وتكتسب الضربة أهمية خاصة لأنها استهدفت منشأة مرتبطة بالصواريخ التي تحمل أقمار شبكة «راستفيت» الروسية، التي تعمل موسكو على نشرها بوتيرة متسارعة لتكون بديلًا عن شبكة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، بعد استبعاد روسيا من خدماتها في وقت سابق من العام.

ولم تقتصر الهجمات الأوكرانية على منشأة سامارا، بل استهدفت مواقع أخرى تابعة لمؤسسة «روسكوزموس»، من بينها مجمع كوروليف شمال موسكو، إلى جانب تلسكوب راديوي أوكراني الصنع استولت عليه روسيا في شبه جزيرة القرم.

الأقمار الصناعية تتحول إلى عنصر أساسي في الحرب

أصبح الوصول إلى الفضاء أحد العوامل المؤثرة في مسار العمليات العسكرية الحديثة، خصوصًا مع الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار وأنظمة الاتصالات والاستطلاع.

وفي هذا السياق، لم تعد الأقمار الصناعية مجرد أدوات مدنية أو علمية، بل تحولت إلى جزء أساسي من منظومات القيادة والسيطرة وتحديد الأهداف وتبادل المعلومات بين القوات العسكرية.

وتواجه أوكرانيا تحديات إضافية بسبب استخدام روسيا صواريخ «أوريشنيك» الباليستية، التي تصل إلى الفضاء القريب قبل أن تطلق رؤوسًا حربية متعددة قابلة للتوجيه بشكل مستقل، وهي تقنية طُورت في الأصل لحمل أسلحة نووية.

تحركات روسية متزايدة واتهامات بمضايقة الأقمار الصناعية

يرى خبراء أن التوترات في الفضاء أصبحت أكثر وضوحًا، في ظل تزايد النشاط العسكري للدول وتوسع الشركات الخاصة في تشغيل الأقمار الصناعية وتقديم الخدمات الفضائية.

وفي سبتمبر الماضي، أقر وزير القوات الجوية الأمريكية تروي مينك بأن واشنطن نشرت للمرة الأولى أسلحة للسيطرة على الفضاء أثناء وجودها في المدار، وذلك وسط تقارير عن اقتراب أقمار روسية بصورة متكررة من أصول فضائية أمريكية تابعة لدول أخرى.

وبعد أسابيع، رُصد القمر الصناعي الروسي «كوسموس 2612» وهو يناور بصورة وُصفت بأنها عدوانية باتجاه قمر راداري تجاري تابع لمجموعة «آيس آي» الفنلندية، التي توفر صورًا ثلاثية الأبعاد للتضاريس تستخدمها القوات الأوكرانية.

وقالت الخبيرة في شؤون الفضاء والأمن بجامعة الدفاع السويدية، إيلينا غروسفيلد، إن الحروب الفضائية لم تعد مجرد تصور لمستقبل الصراعات، بل أصبحت واقعًا قائمًا بالفعل.

وأشارت إلى أن روسيا تنظر إلى العمليات الهجومية في الفضاء باعتبارها جزءًا من استعداداتها لصراعات أوسع، موضحة أن الولايات المتحدة كانت قد رصدت هجمات يومية على أقمارها الصناعية من جانب روسيا والصين منذ عام 2021.

وتشمل الأساليب الروسية، وفقًا للتقرير، التشويش على الإشارات، واستخدام الليزر لإبهار الأقمار الصناعية وتعطيل عملها، فضلًا عن وضع أقمار تجسسية بالقرب من أصول فضائية تابعة لدول أخرى.

كما يمكن أن يؤدي الاقتراب المتعمد من الأقمار الصناعية إلى إجبارها على استهلاك الوقود لتغيير مسارها، وهو ما قد يقلل من عمرها التشغيلي.

تراجع الثقة في ستارلينك يدفع الدول إلى البحث عن بدائل

أدى اعتماد أوكرانيا الكبير على شبكة «ستارلينك» إلى ظهور مخاوف بشأن إمكانية استمرار الاعتماد على خدمات الشركات التجارية الأجنبية، خصوصًا بعد تقليص سرعات نقل البيانات عبر الشبكة في الأسابيع الأخيرة، إلى جانب فترات توقف أمريكية عن مشاركة بعض المعلومات الاستخباراتية الفضائية مع كييف.

وترى فيكتوريا سامسون، رئيسة برنامج أمن الفضاء والاستقرار في مؤسسة «سيكيور وورلد»، أن التوسع في الأنشطة الفضائية التجارية خلال العقد الماضي غيّر طبيعة المنافسة الدولية، وأظهر مدى تأثير القرارات التي تتخذها الشركات الخاصة في مسار النزاعات العسكرية.

وأضافت أن التطورات الأخيرة دفعت دولًا عديدة إلى البحث عن بدائل مستقلة، مشيرة إلى أن الرغبة في امتلاك نسخة خاصة من «ستارلينك» لم تعد مقتصرة على روسيا، بل تشمل أيضًا الدول الأوروبية.

كما أدى التشويش الروسي على نظام تحديد المواقع العالمي «GPS» إلى اضطرابات في حركة الطيران فوق منطقة البلطيق، وهو ما يعكس امتداد تأثير العمليات الفضائية إلى قطاعات مدنية تتجاوز ميدان القتال.

أوكرانيا تطلق أول قمر صناعي ضمن شبكة اتصالات مستقلة

في إطار تقليل اعتمادها على الخارج، أعلنت أوكرانيا والدنمارك، الشهر الماضي، نجاح إطلاق القمر الصناعي «أوبريا نانو»، بالتعاون مع شركة «غوم سبيس» الدنماركية.

ويمثل القمر أول نموذج تجريبي لمشروع شبكة اتصالات أوكرانية مستقلة، يُخطط لأن تضم نحو 245 قمرًا صناعيًا، بما يمنح كييف قدرة أكبر على تأمين اتصالاتها العسكرية والفضائية.

وقال فيدير فينيسلافسكي، رئيس اللجنة الفرعية للأمن القومي في لجنة الدفاع بالبرلمان الأوكراني، إن الحرب أثبتت الأهمية الحيوية للفضاء بالنسبة للقوات الأوكرانية، خصوصًا بعد تعرض أنظمة الاتصالات لانقطاعات أثرت في قدرات القيادة والسيطرة العسكرية.

وأكد أن بلاده تحتاج إلى تطوير حضورها السيادي في الفضاء، في ظل التهديدات التي تمثلها الصواريخ الروسية، وعلى رأسها منظومة «أوريشنيك».

كييف تختبر أنظمة لاعتراض التهديدات في الفضاء القريب

وبسبب وجود مواقع إطلاق الصواريخ الروسية خارج نطاق الصواريخ الأوكرانية الأطول مدى، اتجهت كييف إلى تطوير وسائل أخرى لمواجهة التهديدات الفضائية.

وأجرت أوكرانيا ثلاث تجارب على أنظمة اعتراض خارج الغلاف الجوي، تستهدف التعامل مع عمليات الإطلاق في الفضاء القريب، من بينها تجارب على أسلحة محمولة على طائرات تحلق على ارتفاعات شاهقة.

وقال فينيسلافسكي إن هذه القدرات تمثل أولوية لبلاده، مشيرًا إلى أن أوكرانيا أثبتت بالفعل إمكانية إطلاق أنظمة تعمل خارج الغلاف الجوي، وتدرس حاليًا إمكانات إنتاجها.

لكنه أقر بأن التمويل يمثل تحديًا كبيرًا، في ظل الاحتياجات العسكرية والاقتصادية الضخمة التي تفرضها الحرب المستمرة.

وبذلك، يتسع التنافس بين روسيا وأوكرانيا ليشمل مجالًا جديدًا تتداخل فيه الاتصالات والاستطلاع والقدرات الهجومية والدفاعية، بينما تسعى كييف إلى بناء بنية فضائية مستقلة تضمن استمرار عملياتها العسكرية في مواجهة التهديدات الروسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى