تقارير

ما الذي يعنيه تقليص الوجود العسكري الأمريكي لمستقبل الناتو؟

كتبت: هدير البحيري

يثير الحديث عن تسريع الولايات المتحدة سحب قواتها من أوروبا دون منح الحلفاء فترة انتقالية كافية تساؤلات بشأن مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في القارة، وما إذا كانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمضي نحو إعادة صياغة جذرية للعلاقة الأمنية التي ربطت واشنطن بأوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فبحسب ما أوردته صحيفة “فيلت أم زونتاج” الألمانية نقلًا عن مصدر في وزارة الدفاع الأمريكية، يستعد البنتاجون لعرض خطط جديدة على حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال الشهر المقبل تتضمن تسريع وتيرة خفض القوات الأمريكية المنتشرة في أوروبا، في خطوة يخشى بعض الحلفاء الأوروبيين أن تتم بوتيرة أسرع من قدرتهم على التكيف معها.

وتشير المخاوف الأوروبية إلى أن بعض المقترحات المطروحة لا تمنح دول القارة الوقت الكافي لإعادة ترتيب أوضاعها الدفاعية أو تعويض القدرات العسكرية التي توفرها الولايات المتحدة داخل الحلف، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين الأمني في أوروبا.

ولا ينظر إلى التحركات الأمريكية الحالية باعتبارها مجرد إعادة انتشار عسكري اعتيادية، بل باعتبارها امتداداً لرؤية تبناها ترامب منذ ولايته الأولى، تقوم على تقليص الأعباء العسكرية الخارجية التي تتحملها واشنطن، ودفع الحلفاء إلى تحمل نصيب أكبر من مسؤولياتهم الدفاعية.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت في مايو الماضي خططًا لسحب خمسة آلاف جندي أمريكي من ألمانيا، التي تستضيف أكبر تجمع للقوات الأمريكية في أوروبا، إذ يبلغ عدد الجنود الأمريكيين المتمركزين هناك نحو 35 ألف عنصر في الخدمة الفعلية.

وفي ذلك الوقت، أشار البنتاجون إلى أن عملية الانسحاب ستستغرق ما بين 6 أشهر و12 شهرًا، إلا أن التقارير الجديدة تتحدث عن إمكانية تسريع هذه العملية، من دون الكشف عن حجم التقليص المتوقع أو القواعد العسكرية التي قد تشملها الخطط الجديدة.

ويبلغ إجمالي عدد القوات الأمريكية المنتشرة في أوروبا نحو 84 ألف جندي، مع تفاوت الأعداد تبعًا للمهام الدورية والمناورات العسكرية.

وتمثل هذه القوات أحد أهم ركائز الردع داخل حلف الناتو، كما تؤدي القواعد الأمريكية دورًا محوريًا في إدارة العمليات العسكرية الأمريكية حول العالم.

ويأتي الجدل الجديد في وقت تشهد فيه العلاقات بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية تباينات متزايدة بشأن عدد من الملفات الأمنية والاستراتيجية، وهو ما دفع مراقبين إلى الربط بين قرارات إعادة الانتشار العسكري وبين رؤية إدارة ترامب لمستقبل الشراكة عبر الأطلسي.

وزادت هذه المخاوف بعد قرار وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث إلغاء نشر أربعة آلاف جندي إضافي في بولندا، رغم أن القوات والمعدات المرتبطة بالمهمة كانت قد بدأت بالفعل في الوصول إلى الأراضي البولندية، وفق ما أوردته تقارير أمريكية.

وأثار القرار تساؤلات داخل الأوساط العسكرية والسياسية الغربية حول الرسائل التي قد يبعثها تقليص الوجود العسكري الأمريكي إلى موسكو، لا سيما في ظل استمرار التوتر بين روسيا وحلف الناتو، واعتماد العديد من دول شرق أوروبا على الوجود الأمريكي باعتباره أحد عناصر الردع الرئيسية.

وتشير تقديرات دبلوماسيين من دول الحلف إلى أن ألمانيا قد لا تكون الدولة الأوروبية الوحيدة المعنية بخطط خفض القوات الأمريكية، إذ يتوقع أن تشمل الإجراءات مستقبلًا دولًا أخرى مثل إيطاليا، إلى جانب مراجعة بعض الخطط العسكرية التي أقرت خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن.

كما تتحدث سيناريوهات مطروحة داخل أروقة الحلف عن احتمال تقليص المشاركة الأمريكية في بعض المناورات العسكرية المشتركة، أو إعادة توزيع القوات بين الدول الأوروبية وفقاً لطبيعة العلاقات السياسية لكل دولة مع إدارة ترامب.

وبينما يترقب حلفاء واشنطن تفاصيل الخطط المرتقبة، يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كانت هذه الإجراءات تعكس تعديلًا مؤقتًا في الانتشار العسكري، أم تحولًا أعمق في طبيعة الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا.

لماذا تعيد واشنطن حساباتها العسكرية في أوروبا الآن؟

 

وفي هذا السياق، يقول الباحث المتخصص في الشؤون الأمريكية، ونائب رئيس مجلة السياسة الدولية، د. عمرو عبدالعاطي لـ”داي نيوز إن توجه الولايات المتحدة نحو تقليص وجودها العسكري في أوروبا لا يرتبط بدافع واحد، بل يقوم على مجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية والسياسية المتداخلة.

ويوضح عبدالعاطي أن السبب الأول يتمثل في المقاربة التي تتبناها الإدارة الأمريكية، والقائمة على تقليص الأعباء وإعادة توزيع المسؤوليات داخل حلف شمال الأطلسي، بما يدفع الدول الأوروبية إلى تحمل جانب أكبر من أعبائها الأمنية.

ويعكس ذلك، بحسبه، قناعة متزايدة داخل واشنطن بأن الحلفاء الأوروبيين استفادوا لفترة طويلة من المظلة الأمنية الأمريكية دون مساهمة متوازنة، وهو ما انعكس على أولويات الداخل الأمريكي، خصوصًا في ما يتعلق بإعادة توجيه الإنفاق نحو البنية التحتية.

كما ترتبط هذه التوجهات بعدة عوامل أخرى، من بينها تباينات في المواقف بين الولايات المتحدة وبعض الحلفاء الأوروبيين في ملفات أمنية خارجية، مثل الموقف من إيران والتعامل مع التصعيد في مضيق هرمز، الأمر الذي كشف عن فجوات في التنسيق الاستراتيجي داخل المعسكر الغربي.

وفي السياق ذاته، يرى عبدالعاطي أن الإدارة الأمريكية تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية باتجاه مناطق أكثر ارتباطًا بمصالحها المباشرة، وعلى رأسها الشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، في ظل اعتبار الصين التحدي الاستراتيجي الأبرز.

وفي المقابل، يشير عبدالعاطي إلى أن هذا التوجه لا يحظى بإجماع داخل الولايات المتحدة، إذ توجد معارضة داخل الكونجرس من الحزبين الديمقراطي والجمهوري لأي خطوات من شأنها تقليص الالتزام الأمريكي داخل الناتو، مع احتمالات فرض قيود تشريعية تحد من أي انسحاب واسع أو تفكيك للبنية الأمنية للتحالف.

ويضيف أن أي تقليص كبير للوجود العسكري يواجه كذلك عقبات لوجستية وعملياتية معقدة، نظرًا للتشابك العميق بين القوات الأمريكية والبنية الدفاعية الأوروبية، فضلًا عن الكلفة الاستراتيجية المرتفعة لأي إعادة تموضع واسعة.

ويرى أن استمرار الالتزامات المنصوص عليها في المادة الخامسة من ميثاق الناتو يجعل من غير المرجح حدوث انسحاب أمريكي كامل، حتى في حال إعادة توزيع جزء من القوات داخل القارة.

ويضيف الباحث المتخصص في الشؤون الأمريكية أن واشنطن توظف مسألة الوجود العسكري أيضًا كأداة ضغط لدفع الحلفاء الأوروبيين إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي وتعزيز قدراتهم الذاتية، بما يرسخ ما تسميه “الاستقلالية الدفاعية الأوروبية” ويخفف العبء عن الولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار، يشير عبدالعاطي إلى أن إعادة تموضع القوات الأمريكية يتم أحيانًا بشكل انتقائي، بما يراعي مستويات التنسيق السياسي مع بعض الدول الحليفة.

ويختتم عبدالعاطي بالإشارة إلى أن التنافس الاستراتيجي مع الصين يشكل المحرك الأساسي لإعادة صياغة أولويات الأمن القومي الأمريكي، وهو ما ينعكس على طبيعة العلاقة مع أوروبا، التي باتت تتأرجح بين مخاوف من تراجع المظلة الأمنية الأمريكية، وبين توجهات أوروبية لتعزيز استقلالية دفاعية أكبر.

ويضيف أن مستقبل العلاقة الأمنية بين الجانبين سيظل قائمًا على مزيج من الشراكة وإعادة توزيع الأدوار، أكثر من كونه قطيعة أو انسحابًا كاملًا.

كيف يوظف ترامب الأمن لابتزاز الحلفاء؟

 

ومن جانبه، قال الباحث في الشؤون الدولية ورئيس وحدة الدراسات الأوروبية بمركز العرب، د. هاني الجمل لـ”داي نيوز” إن مطالبة ترامب للدول الأوروبية برفع إنفاقها العسكري من2.5%  إلى 5% من الناتج القومي تعكس ضغوطًا اقتصادية داخلية في واشنطن، تجعل استمرار تمويل المظلة الأمنية الأوروبية بالشروط القديمة خياراً غير مقبول للإدارة الجديدة.

ويضيف الجمل أن واشنطن تعاني استنزافًا عسكريًا كبيرًا بعد المواجهات الأخيرة مع إيران؛ حيث تشير تقديرات داخل الكونجرس إلى أن حجم الاستنزاف في القدرات العسكرية الأمريكية قد يصل إلى 50%.

ويوضح أن هذا الأمر يجعل إعادة تموضع القوات في مناطق أخرى أكثر إلحاحًا للاستراتيجية الأمريكية، وتحديدًا في منطقة الشرق الأوسط، وفي تايوان مع تصاعد التوتر مع الصين.

ويرى الجمل أن الانسحاب الأمريكي يحمل أيضًا رسالة ضغط مباشرة على الاتحاد الأوروبي، لدفعه نحو تسريع تسوية الأزمة الأوكرانية الروسية؛ فبينما يدعم ترامب مقاربة أكثر مرونة تجاه موسكو، يتمسك الاتحاد الأوروبي بموقفه التقليدي الداعم لكييف، مشيرًا إلى أن هذا التباين جعل واشنطن تستخدم وجودها العسكري كورقة ضغط لإجبار أوروبا على إعادة تقييم مواقفها.

ويلفت إلى أن العلاقة بين واشنطن وأوروبا تشهد تباينًا واضحًا بين نهج الإدارة السابقة ونهج ترامب؛ ففي حين كان بايدن يعتبر أوروبا حليفًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط فيه، فإن ترامب ينظر إليها كعبء اقتصادي يجب تخفيفه، ويرى ضرورة تعويض التضخم الداخلي الأمريكي عبر جذب الاستثمارات الأوروبية وفرض رسوم جمركية عليها.

وفي هذا السياق، يرى الجمل أن إدارة ترامب تلجأ إلى استخدام ملفات شديدة الحساسية لجر أوروبا إلى مربع الرؤية الأمريكية؛ حيث تطالب العواصم الأوروبية بمواقف أكثر تشددًا تجاه بكين واحتواء نفوذها المتصاعد، كما توظف ملف إيران ومضيق هرمز للضغط على الأوروبيين وتبني موقف أشد صرامة تجاه برنامج طهران النووي، ودفعهم للمشاركة المباشرة في الترتيبات الأمنية وحماية الممرات البحرية الحيوية، بدلاً من الاكتفاء بالمواقف الدبلوماسية.

وعلى الجانب الآخر، يؤكد الجمل أن أوروبا نفسها تمر بمرحلة اضطراب داخلي عميق مع صعود اليمين المتطرف الراديكالي المطالب بتقليص دور الاتحاد الأوروبي، وهو ما ظهر في نتائج الانتخابات المحلية وأدى لتباين المواقف تجاه روسيا.

ورغم محاولات فرنسا وألمانيا لبناء منظومة أمنية مشتركة وزيادة الإنفاق، إلا أن دولاً أخرى تراجعت بسبب الضغوط الاقتصادية التي خلفتها جائحة كورونا وحرب أوكرانيا.

ويقول الجمل إن روسيا ستكون المستفيد الأكبر من أي تصدع في العلاقات عبر الأطلسي؛ لأن ابتعاد واشنطن يضعف الحليف الأهم للأوروبيين ويعزز قدرة موسكو على التأثير داخل القارة وإعادة فرض نفوذها في ملفات حيوية مثل الطاقة، مستفيدة من التقارب وبناء نواة تحالف غير معلن مع بكين وطهران وكوريا الشمالية.

ومع ذلك، يرى الجمل أن حلف الناتو ليس في طريقه إلى الانهيار؛ لأن الدول الأوروبية تدرك أن تفكيكه في لحظة يعاد فيها تشكيل النظام الدولي سيكون مخاطرة استراتيجية كبرى. لكن الحلف سيبقى يواجه تحديات حقيقية أبرزها الفجوة بين الدول الأكثر والأقل إنفاقًا، واستمرار اعتماد أوروبا شبه الكامل على القدرات الأمريكية، مما يجعل أمن القارة مرتبطاً بتقلبات السياسة في واشنطن.

ويختتم الجمل بأن الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك بين الطرفين بات ضرورة استراتيجية في عالم متعدد الأقطاب؛ محذرًا من أن اتساع الفجوة سيجعل أوروبا أكثر عرضة للتحديات، بدءًا من صعود اليمين الراديكالي، ووصولًا إلى تراجع حضورها التقليدي في إفريقيا والخليج وآسيا، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الأمني.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى