تقارير

بعد عقود من النفوذ الروسي.. أرمينيا تعيد رسم تحالفاتها مع الهند والصين

تدخل أرمينيا مرحلة جديدة في سياستها الخارجية والاقتصادية، مع سعي حكومة رئيس الوزراء نيكول باشينيان إلى تقليل الاعتماد على روسيا وتوسيع شبكة علاقاتها الدولية، خصوصًا مع الصين والهند والاتحاد الأوروبي.

وتأتي هذه التحركات في ظل تراجع العلاقات بين موسكو ويريفان وتصاعد الخلافات السياسية بين الجانبين، بالتزامن مع استمرار الضغوط الاقتصادية المرتبطة بعلاقة أرمينيا بروسيا والاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي تقوده موسكو.

ورغم ذلك، لا تبدو أرمينيا مستعدة لقطع علاقاتها مع روسيا بشكل كامل، بل تتجه إلى سياسة تقوم على تنويع الشركاء، بحيث لا تبقى موسكو الخيار الوحيد أمامها اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا.

روسيا.. الشريك التاريخي ومصدر الضغط

لا تزال روسيا تحتل موقعًا مهمًا في الاقتصاد الأرميني، إذ تعد السوق الروسية من أبرز الوجهات لصادرات أرمينيا.

ويجعل هذا الاعتماد الاقتصاد الأرمني عرضة للتأثر بأي قيود أو إجراءات روسية تستهدف المنتجات الأرمنية، وهو ما يمثل أحد مصادر الضغط على حكومة باشينيان.

وفي الوقت نفسه، تمتلك موسكو أداة أخرى للتأثير من خلال عضوية أرمينيا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي تقوده روسيا ويضم عددًا من دول المنطقة.

وتحذر موسكو من أن التقارب المتزايد بين أرمينيا والاتحاد الأوروبي قد يتعارض مع استمرار اندماج يريفان في المنظومة الاقتصادية التي تقودها روسيا، ما يزيد من تعقيد العلاقة بين الطرفين.

باشينيان: لا نريد علاقة حصرية مع موسكو

ورغم الخلافات، يؤكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن بلاده لا تزال تريد تطوير علاقاتها مع روسيا.

وقال باشينيان، في تصريحات أدلى بها أواخر يوليو، إن أرمينيا لا تزال تعتزم تطوير علاقاتها مع موسكو، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذه العلاقات يجب ألا تكون حصرية أو مقيدة.

وتتمثل إحدى أهم أولويات السياسة الخارجية الجديدة لأرمينيا في توسيع دائرة الشركاء الدوليين، وإيجاد خيارات بديلة لم تكن متاحة أمام البلاد في السابق.

وأشار باشينيان بشكل واضح إلى الصين باعتبارها واحدة من هذه الخيارات الجديدة.

لماذا تبحث أرمينيا عن بدائل؟

تسعى يريفان إلى امتلاك مساحة أكبر للتحرك في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية، وذلك من خلال عدم الاعتماد على دولة واحدة في التجارة والاستثمار والأمن.

وتمنح هذه السياسة أرمينيا إمكانية فتح أسواق جديدة أمام صادراتها، والحصول على مصادر متنوعة للاستثمار والتكنولوجيا والأسلحة، إلى جانب تعزيز علاقاتها مع قوى دولية وإقليمية يمكن أن تلعب دورًا في مستقبل جنوب القوقاز.

وفي هذا السياق، تبرز الصين والهند باعتبارهما من أهم البدائل التي تعمل أرمينيا على تطوير علاقاتها معها.

الصين تعزز حضورها في جنوب القوقاز

تولي بكين أهمية متزايدة لمنطقة جنوب القوقاز، التي تتمتع بموقع جغرافي مهم بالنسبة إلى طرق التجارة والنقل بين آسيا وأوروبا.

وتنظر الصين إلى المنطقة باعتبارها جزءًا مهمًا من تحركاتها الاقتصادية والاستراتيجية، خاصة مع توسع اهتمامها بالبنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية.

وفي 4 أغسطس، بعث رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ رسالة تهنئة إلى نيكول باشينيان بمناسبة إعادة تعيينه رئيسًا لوزراء أرمينيا.

وأكد المسؤول الصيني في رسالته أن العلاقات بين الصين وأرمينيا تتمتع بصداقة تقليدية وعلاقات مستقرة، في إشارة إلى رغبة بكين في الحفاظ على مستوى متقدم من التواصل مع يريفان.

ولا تقتصر أهمية الصين بالنسبة إلى أرمينيا على الجانب السياسي، بل تمتد بصورة أكبر إلى التجارة والاقتصاد والنقل.

الصين ثالث أكبر شريك تجاري لأرمينيا

تكشف الأرقام الاقتصادية عن تنامي الدور الصيني في الاقتصاد الأرمني.

وبحسب البيانات الرسمية لعام 2023، جاءت الصين في المرتبة الثالثة بين أكبر الشركاء التجاريين لأرمينيا، بعدما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 2.13 مليار دولار.

وسجل حجم التجارة بين الطرفين نموًا بنسبة 21.3% مقارنة بالعام السابق، وهو ما يعكس التطور المتزايد للعلاقات الاقتصادية.

وبلغت قيمة الصادرات الأرمنية إلى الصين نحو 425.4 مليون دولار، في حين تجاوزت قيمة الواردات من الصين 1.7 مليار دولار.

وتجاوزت حصة الصين من إجمالي صادرات أرمينيا 5%، ما يجعل السوق الصينية منفذًا مهمًا للمنتجات الأرمنية.

ماذا تصدر أرمينيا إلى الصين؟

تعتمد الصادرات الأرمنية إلى السوق الصينية بدرجة كبيرة على المواد الخام والأولية.

ويأتي الذهب في مقدمة هذه المنتجات، حيث شكل نحو 62.6% من إجمالي صادرات أرمينيا إلى الصين خلال الفترة المشار إليها.

كما تشمل الصادرات الأرمنية النحاس والفضة وخامات الموليبدينوم المعدنية، إضافة إلى أنواع مختلفة من المشروبات.

ويكشف ذلك عن أهمية الموارد الطبيعية والمواد الأولية في التجارة بين البلدين، بينما تسعى أرمينيا إلى توسيع نطاق منتجاتها القابلة للتصدير إلى الأسواق الآسيوية.

ماذا تستورد أرمينيا من الصين؟

في الاتجاه المقابل، تستورد أرمينيا مجموعة واسعة من المنتجات الصينية.

وتشمل أبرز الواردات السيارات، ومعدات الاتصالات، والهواتف المحمولة، والملابس، ومواد البناء، إلى جانب منتجات صناعية واستهلاكية أخرى.

لكن العلاقات التجارية تميل بصورة كبيرة لمصلحة الصين، إذ تجاوزت قيمة واردات أرمينيا من الصين صادراتها إليها بنحو 1.3 مليار دولار خلال عام 2023.

وهذا يعني أن تعزيز العلاقات مع الصين لا يمثل في الوقت الحالي بديلًا تجاريًا كاملًا عن روسيا، لكنه يمنح أرمينيا سوقًا وشريكًا اقتصاديًا إضافيًا.

الهند.. الحليف الجديد في المجال العسكري

إلى جانب الصين، تنظر أرمينيا إلى الهند باعتبارها شريكًا استراتيجيًا مهمًا، خصوصًا في المجال الدفاعي والأمني.

وشهدت العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة تطورًا كبيرًا، وتحولت تدريجيًا إلى شراكة استراتيجية شاملة.

وكان التعاون العسكري هو المحرك الأساسي لهذا التقارب، حيث أصبحت الهند موردًا مهمًا للأسلحة والمعدات العسكرية إلى أرمينيا.

وفي 4 أغسطس، عقد سفير أرمينيا لدى الهند فاهاغن آفيان اجتماعًا مع أميت تيلانغ، نائب أمين التعاون الدولي في وزارة الدفاع الهندية.

وركزت المباحثات على تطوير التعاون الدفاعي والأمني بين البلدين، بما في ذلك الصناعات العسكرية والمجمعات العسكرية ـ الصناعية، بالإضافة إلى التدريب العسكري.

أكثر من 600 مليون دولار مشتريات أرمينية من الأسلحة الهندية

شهد التعاون العسكري بين نيودلهي ويريفان نموًا غير مسبوق خلال السنوات الماضية.

وبحسب البيانات والإحصاءات المتاحة حتى عام 2024، تجاوزت قيمة مشتريات أرمينيا من الأسلحة والمعدات العسكرية الهندية 600 مليون دولار.

وبهذا الحجم من المشتريات، أصبحت أرمينيا أكبر مشترٍ للأسلحة الهندية على مستوى العالم.

ويعكس ذلك التحول في خريطة العلاقات الدفاعية لأرمينيا، خصوصًا في ظل تراجع الثقة بين يريفان وموسكو، التي كانت لفترة طويلة المورد العسكري الرئيسي لأرمينيا.

وفي مايو 2024، وقعت وزارتا الدفاع في أرمينيا والهند وثيقة وبرنامجًا شاملًا للتعاون العسكري للفترة من 2024 إلى 2025، بما يعكس رغبة الطرفين في مواصلة توسيع التعاون الدفاعي.

لماذا تقترب الهند من أرمينيا؟

يرتبط التقارب الهندي الأرميني أيضًا بالتوازنات الإقليمية في جنوب القوقاز.

فالهند لديها علاقات معقدة ومتوترة مع باكستان، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع أذربيجان.

وفي المقابل، تنظر نيودلهي إلى أرمينيا باعتبارها شريكًا طبيعيًا وموثوقًا في منطقة القوقاز.

أما بالنسبة إلى أرمينيا، فتمثل الهند مصدرًا مهمًا للأسلحة والمعدات العسكرية، وهو ما يمنح يريفان بديلًا عن الاعتماد التقليدي على روسيا في المجال الدفاعي.

التجارة بين الهند وأرمينيا أقل من 300 مليون دولار

رغم التطور الكبير في العلاقات الدفاعية والسياسية، لا تزال العلاقات التجارية بين البلدين محدودة مقارنة بالعلاقات الأرمينية مع روسيا والصين.

ويبلغ حجم التجارة الثنائية بين أرمينيا والهند حاليًا أقل من 300 مليون دولار.

ويظهر الفارق بصورة أكبر عند مقارنة هذا الرقم بحجم التبادل التجاري بين أرمينيا وروسيا، الذي يتجاوز ملياري دولار.

وبالتالي، تمثل الهند في الوقت الحالي شريكًا دفاعيًا واستراتيجيًا أكثر أهمية لأرمينيا من كونها بديلًا اقتصاديًا كاملًا لروسيا.

جنوب القوقاز يتحول إلى ساحة تنافس

تأتي هذه التحولات في وقت تتزايد فيه أهمية جنوب القوقاز على المستوى الجيوسياسي.

فالمنطقة تقع في موقع استراتيجي بين أوروبا وآسيا، وتضم ممرات وطرقًا يمكن أن تؤثر في حركة التجارة والطاقة والنقل بين الشرق والغرب.

وتسعى قوى إقليمية ودولية متعددة إلى تعزيز حضورها في المنطقة، وهو ما يمنح أرمينيا فرصة للاستفادة من التنافس بين هذه القوى.

وفي الوقت نفسه، تثير مشروعات ممرات النقل الجديدة، ومنها ممر زنكزور وممر ترامب، حسابات سياسية وأمنية واسعة بين دول المنطقة والقوى المحيطة بها.

أرمينيا أمام معادلة جديدة

تكشف التحركات الأرمينية الأخيرة عن محاولة لإعادة بناء السياسة الخارجية على أساس تعدد الشركاء بدلًا من الاعتماد على حليف واحد.

فروسيا لا تزال شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا مهمًا، لكن الخلافات المتزايدة دفعت يريفان إلى البحث عن بدائل.

وفي الوقت نفسه، توفر الصين لأرمينيا فرصًا كبيرة في التجارة والاستثمار والنقل والخدمات اللوجستية، بينما تقدم الهند دعمًا متزايدًا في المجال الدفاعي والعسكري.

كما تحاول أرمينيا تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، بما يوسع خياراتها السياسية والاقتصادية.

وبذلك، لا يبدو أن يريفان تتجه في الوقت الحالي إلى استبدال روسيا بدولة واحدة، وإنما تعمل على بناء شبكة متعددة من الشراكات، تمنحها قدرة أكبر على المناورة والاستقلال في اتخاذ القرار.

سباق النفوذ يصل إلى جنوب القوقاز

مع استمرار التنافس بين القوى الكبرى والإقليمية، تتحول أرمينيا تدريجيًا إلى نقطة مهمة في خريطة النفوذ الجديدة بجنوب القوقاز.

وتسعى يريفان إلى استغلال موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتنامية مع الصين والهند والاتحاد الأوروبي لتقليل اعتمادها على موسكو، مع الإبقاء على قنوات التواصل مع روسيا.

وفي المقابل، تنظر الصين إلى أرمينيا باعتبارها شريكًا تجاريًا ولوجستيًا يمكن أن يزداد دوره في المنطقة، بينما ترى الهند في يريفان شريكًا دفاعيًا مهمًا.

أما أرمينيا، فتراهن على هذا التنوع من أجل الحصول على بدائل اقتصادية وعسكرية وسياسية، في محاولة لإعادة صياغة موقعها داخل جنوب القوقاز بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على روسيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى