ترامب في مواجهة الكونغرس.. ضغوط متزايدة لفرض قيود على الذكاء الاصطناعي

يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطًا متزايدة من داخل الكونغرس بسبب موقفه الرافض لتشديد الرقابة على الذكاء الاصطناعي، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من المخاطر المحتملة للتطور السريع لهذه التكنولوجيا، وسط انقسام سياسي بشأن حجم التدخل الحكومي المطلوب.
ووصلت المخاوف من أخطار الذكاء الاصطناعي إلى مستويات غير مسبوقة هذا الأسبوع، بعدما أطلق مسؤولون وخبراء في قطاع التكنولوجيا تحذيرات من أن التطور المتسارع للنماذج المتقدمة قد يشكل تهديدًا للأمن السيبراني والاقتصاد، بل وللبشرية على المدى البعيد.
لكن ترامب رفض هذه المخاوف، واعتبرها مبالغًا فيها، واصفًا الحديث عن فرض ضوابط على الذكاء الاصطناعي بأنه «خدعة» و«مؤامرة». وأكد أن الولايات المتحدة لا تحتاج، من وجهة نظره، إلى قيود واسعة على القطاع، معتبرًا أن القيادة القوية والكفؤة هي الضمانة المطلوبة لإدارة هذه التكنولوجيا.
ويأتي موقف ترامب في وقت يبدو فيه أن عددًا متزايدًا من أعضاء الكونغرس، من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين، باتوا أكثر استعدادًا لدعم إجراءات تنظيمية، وهو ما يعكس تحولًا نادرًا في الموقف السياسي تجاه واحدة من أكثر القضايا التكنولوجية حساسية في الولايات المتحدة.
وقال النائب الديمقراطي دون باير إن موقف ترامب قد يحظى بتقييم سلبي من جانب المؤرخين، معتبرًا أن الرئيس لا يعطي المخاطر الاهتمام الكافي، أو يستمع إلى الأشخاص غير المناسبين، محذرًا من أن التعامل مع القضية باستخفاف قد تكون له عواقب كارثية.
وأظهرت استطلاعات حديثة أجراها برنامج الاستشارات العامة في جامعة ميريلاند وجود تأييد واسع بين الناخبين من الحزبين لاتخاذ إجراءات حكومية. وأيد 85% من الديمقراطيين و79% من الجمهوريين إنشاء وكالة اتحادية جديدة تتولى مراقبة وتنظيم الذكاء الاصطناعي، بينما أيد 82% من الديمقراطيين و78% من الجمهوريين إخضاع أنظمة الذكاء الاصطناعي لاختبارات سلامة حكومية عندما تُستخدم في اتخاذ قرارات بالغة الأهمية.
ورغم وجود اتفاق نسبي على ضرورة التحرك، فإن الخلاف لا يزال قائمًا حول طبيعة هذه الرقابة وحدودها. فهناك مخاوف لدى بعض السياسيين من أن يؤدي الإفراط في التنظيم أو إبطاء تطوير التكنولوجيا الأمريكية إلى منح الصين فرصة للتقدم في سباق الذكاء الاصطناعي، بما قد ينعكس على الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي.
ودعا باير الكونغرس إلى عدم التوقف عن العمل خلال الفترة السابقة لانتخابات التجديد النصفي، والاستمرار في مناقشة مشاريع القوانين المتعلقة بالذكاء الاصطناعي الموجودة بالفعل. كما شدد على رفضه ترك شركات التكنولوجيا تنظم نفسها بنفسها، معتبرًا أن التجارب السابقة في قطاعات مثل الأدوية ورعاية الأطفال وصناعة السيارات أظهرت أهمية وجود جهات رقابية مستقلة لحماية المواطنين وتحقيق المصلحة العامة.
وتأتي هذه المواجهة السياسية بعد تحذيرات أطلقها ثلاثة باحثين في شركة Anthropic الأسبوع الماضي، من احتمال أن يصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة تهدد وجود البشرية خلال العقد المقبل. كما كشفت شركات عدة عن حوادث تمكنت خلالها نماذج الذكاء الاصطناعي من اختراق مؤسسات خارجية خلال اختبارات للسلامة لم تجرِ بالشكل المطلوب، الأمر الذي أثار مخاوف إضافية بشأن استخدامها في الهجمات الإلكترونية.
وحذر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، من أن «سربًا» من وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يصبح قادرًا خلال فترة تتراوح بين ستة و12 شهرًا على مهاجمة الإنترنت على نطاق واسع، وهو ما قد يتسبب في أضرار اقتصادية تقدر بمئات المليارات من الدولارات.
ولم تعد المخاوف مقتصرة على احتمالات تهديد الأمن السيبراني أو الوجود البشري، إذ تصاعد خلال العام الجاري الجدل حول التأثير الاقتصادي والاجتماعي للذكاء الاصطناعي. كما أثار التوسع السريع في بناء مراكز البيانات احتجاجات في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة، وتحولت القضية إلى ملف مهم في الانتخابات النصفية المقبلة.
وفي الوقت نفسه، أنفقت شركات التكنولوجيا وجماعات الضغط التابعة لها ملايين الدولارات للتأثير في الحملات السياسية وتوجيه التشريعات المقترحة المتعلقة بالقطاع.
ويرى عدد من خبراء الذكاء الاصطناعي أن حالة القلق الحالية تمثل فرصة سياسية نادرة لإقرار قواعد أكثر وضوحًا، بعدما ظلت الجهود الأمريكية خلال السنوات الماضية محدودة ومتفرقة ولم تنتج نظامًا شاملًا لتنظيم هذه التكنولوجيا.
وقالت أمبا كاك، المديرة المشاركة لمعهد AI Now والمستشارة السابقة في لجنة التجارة الفيدرالية، إن الأزمات تفتح عادة نوافذ مهمة أمام صانعي السياسات، معتبرة أن التطورات الحالية تمثل فرصة مهمة لاتخاذ إجراءات تنظيمية.
وفي المقابل، بدأ بعض قادة صناعة الذكاء الاصطناعي أنفسهم في الدعوة إلى قدر أكبر من الرقابة وإنشاء هيئة لوضع معايير للقطاع. كما دعا أمودي إلى تعاون دولي بين الولايات المتحدة والصين ودول أخرى، على غرار اتفاقيات الحد من التسلح التي ظهرت خلال الحرب الباردة.
لكن المدافعين عن التنظيم الحكومي يشككون في مقترحات شركات التكنولوجيا، ويرون أن السماح للشركات بوضع قواعدها بنفسها قد يؤدي إلى إضعاف الرقابة الحكومية وإبقاء القرارات الأساسية في أيدي الشركات التي تحقق أرباحًا ضخمة من تطوير الذكاء الاصطناعي.
ودخل الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما على خط النقاش، مرحبًا بتصاعد الجدل حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، لكنه حذر من الاعتماد على معايير طوعية تضعها مجموعة محدودة من شركات التكنولوجيا. ودعا الحكومة الأمريكية، وخاصة المسؤولين في واشنطن، إلى التحرك بصورة استباقية ووضع قوانين ولوائح واضحة تتعامل مع مخاطر السلامة، وتستعد لتأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف والأطفال، وتضمن توزيع فوائده على نطاق أوسع.
وفي الكونغرس، يعقد المشرعون هذا الأسبوع سلسلة اجتماعات مع باحثين في مجال الذكاء الاصطناعي ومدافعين عن السلامة، في محاولة للاستجابة للمخاوف المتزايدة.
كما طالب زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، إدارة ترامب بتقديم إحاطة سرية لأعضاء مجلس الشيوخ حول التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والعمل مع الكونغرس وشركات التكنولوجيا لوضع ضوابط للقطاع، إلى جانب منع الصين من الوصول إلى رقائق الذكاء الاصطناعي الأمريكية الأكثر تقدمًا.
ويستعد السيناتور بيرني ساندرز لعقد إحاطة خاصة لعدد من أعضاء مجلس الشيوخ، بعد طرحه مشروع قانون يهدف إلى حظر ما وصفه بـ«الذكاء الاصطناعي فائق الذكاء». ومن المقرر أن يشارك في الإحاطة ماكس تيغمارك، المؤسس المشارك لمعهد Future of Life Institute، الذي أصبح من أبرز الجهات التي تحذر من المخاطر الوجودية المحتملة للذكاء الاصطناعي.
ويرى تيغمارك أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يبقى خارج إطار الرقابة، مستشهدًا بتجارب قطاعات أخرى كانت في السابق غير منظمة قبل أن تُفرض عليها معايير للسلامة، معتبرًا أن شركات الذكاء الاصطناعي لم تصل بعد إلى مرحلة مماثلة من التنظيم.
من جانبه، رفض النائب الديمقراطي جريج كاسار فكرة أن تكون شركات التكنولوجيا هي المسؤولة وحدها عن سلامة الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن تحميل الشركات مسؤولية تنظيم نفسها لا يوفر حماية كافية للمجتمع.
وأشار كاسار إلى مخاوف تتعلق بفقدان الوظائف والمراقبة والتأثير في الحريات، إضافة إلى التحذيرات الأخيرة من احتمال وقوع أحداث تؤدي إلى خسائر بشرية واسعة، داعيًا الكونغرس إلى تشديد الرقابة على شركات التكنولوجيا والرؤساء التنفيذيين العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي.
وفي الجانب الجمهوري، ظهرت مواقف أكثر حذرًا من موقف ترامب. وقال النائب الجمهوري جاي أوبرنولت، وهو أبرز الجمهوريين المشاركين في مفاوضات إعداد مشروع قانون من الحزبين لتنظيم الذكاء الاصطناعي، إن المطلوب هو تحقيق توازن بين حماية الأمريكيين من المخاطر الحقيقية للذكاء الاصطناعي وبين تجنب فرض قواعد مبالغ فيها تعرقل الابتكار والاستفادة الاقتصادية من التكنولوجيا.
أما السيناتور الجمهوري جون كينيدي، فأعلن أنه سيقدم مشروع قانون يلزم جميع شركات الذكاء الاصطناعي بإضافة «مفتاح إيقاف» إلى أنظمتها. وبموجب المقترح، ستكون الشركات نفسها مسؤولة عن تشغيل هذا المفتاح، وليس الحكومة الفيدرالية، لكن وجوده سيكون إلزاميًا لجميع الشركات.
ورغم تصاعد الدعوات إلى التحرك، يشكك عدد من أعضاء الكونغرس في قدرة المجلس المنقسم سياسيًا على تمرير تشريع شامل للذكاء الاصطناعي.
وقال النائب الديمقراطي جاريد موسكوفيتز إن الكونغرس أثبت بالفعل عدم قدرته على التعامل مع الملف، مشيرًا إلى أن رئيس مجلس النواب قال إن المجلس لن يتخذ إجراءً، وإنه لا يعرف ما يكفي لاتخاذ قرار. واعتبر موسكوفيتز أن الأمريكيين يريدون قيادة سياسية واضحة بدلًا من استمرار التردد.
كما أبدى السيناتور الجمهوري ريك سكوت تشككًا في قدرة الكونغرس على إنجاز تشريع للذكاء الاصطناعي، مستشهدًا بصعوبة المجلس في تمرير ملفات أساسية أخرى مثل الميزانية.
وفي الوقت نفسه، حمّل سكوت شركات الذكاء الاصطناعي جزءًا كبيرًا من مسؤولية التعامل مع المخاطر، معتبرًا أن الشركات التي تطور منتجات قد تكون قادرة، وفق تحذيراتها هي نفسها، على إلحاق أضرار جسيمة بالبشرية، يجب ألا تنتظر الحكومة لتحمل مسؤولية سلامة منتجاتها.
وهكذا، تتجه الولايات المتحدة إلى مواجهة سياسية متزايدة حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، بين إدارة ترامب التي ترفض ما تعتبره قيودًا قد تعرقل التفوق الأمريكي، وأعضاء في الكونغرس من الحزبين يطالبون بدرجات مختلفة من الرقابة، وسط تحذيرات متصاعدة من مخاطر أمنية واقتصادية واجتماعية ووجودية محتملة.



