مساعي ترامب للسلام.. موسكو وكييف «أبعد من أي تسوية»

رغم التحركات الدبلوماسية المكثفة التي يقودها مبعوثا البيت الأبيض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بين موسكو وكييف، لا تزال فرص التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب في أوكرانيا محدودة، في ظل تمسك روسيا بشروطها الأساسية ووجود خلافات داخل المعسكر الغربي بشأن شكل التسوية الممكنة.
وفي أحدث تحرك دبلوماسي، توجه ويتكوف وكوشنر إلى موسكو في نهاية الأسبوع للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قبل أن ينتقلا إلى كييف لإجراء محادثات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي قال إن المبعوثين الأمريكيين طرحا أمامه عددًا من «الأفكار القيّمة».
فرص محدودة للسلام
مع اقتراب الحرب من عامها الخامس، تبدو احتمالات نجاح المفاوضات محدودة، وسط تقديرات بأن النزاع قد لا ينتهي قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وبحسب تحليل نشره موقع «ريسبونسيبل ستايت كرافت»، من المرجح أن يواصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تغيير قواعد اللعبة إلى أن يحقق أهدافه الأساسية، وعلى رأسها ضمان حياد أوكرانيا وإزاحة زيلينسكي سياسيًا.
ويمر أكثر من عام على لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع بوتين في أنكوريج، دون أن تتمكن الإدارة الأمريكية من تنفيذ التسويات التي طُرحت خلال تلك القمة.
وكان من أبرز المقترحات المطروحة أن توافق روسيا على عدم احتلال المدن المتبقية غير الخاضعة لسيطرتها في دونيتسك، مقابل التوصل إلى اتفاق لتقاسم السيطرة عليها.
لكن هذا الطرح يمثل مخاطرة بالنسبة لبوتين، الذي يطالب بالسيطرة على منطقة دونباس بأكملها، فيما تصاعد الاستياء داخل روسيا من عدم تحقق ما وصف بـ«روح أنكوريج»، مع اعتقاد بأن ترامب لم يتمكن من إقناع الأوروبيين أو زيلينسكي بالتسوية المطلوبة لإنهاء الحرب.
خلافات غربية
ولا توجد مؤشرات واضحة على تغير الموقف البريطاني والأوروبي من الحرب، إذ قال جون سويرز، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطانية «MI6»، مؤخرًا إن إجراء محادثات سلام مع روسيا يبدو أمرًا مستحيلًا.
كما يرى التحليل أن شعار «أوكرانيا قادرة على الانتصار» تحول منذ بداية الحرب إلى قناعة راسخة لدى قطاعات من النخب الأوروبية.
وفي ظل الخلافات الغربية المرتبطة بحرب إيران، يرى «ريسبونسيبل ستايت كرافت» أن ترامب لن يتمكن في المستقبل القريب من حشد موقف أوروبي داعم لتسوية الحرب الأوكرانية.
ويبدو أن بوتين يدرك هذه الصعوبات، إذ أعادت القوات الروسية توجيه جهودها العسكرية نحو استعادة المناطق المتبقية من دونيتسك.
تقدم روسي في دونيتسك
وتحقق القوات الروسية تقدمًا تدريجيًا باتجاه مدينتي كراماتورسك وسلوفيانسك، فيما تشير بعض المؤشرات إلى أن التطورات في تكنولوجيا تدريع الدبابات الروسية بدأت تقلل تدريجيًا من فعالية الدفاعات الأوكرانية القائمة على الطائرات المسيرة.
وتتفاوت التقديرات بشأن المدة التي قد تحتاجها روسيا للسيطرة على دونيتسك، إذ تتراوح التوقعات بين نهاية العام الجاري وحتى نهاية عام 2027.
وخلال هذه الفترة، تواجه أوكرانيا احتمال شتاء صعب قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في البنية التحتية الخاصة بالكهرباء والتدفئة، بينما ستضطر الدول الأوروبية إلى البحث عن وسائل لتمويل استمرار الحرب، مع توقع سقوط المزيد من القتلى في صفوف العسكريين والمدنيين.
وبحسب الموقع، سيتعرض زيلينسكي في الوقت نفسه لضغوط متزايدة للتنحي، في ظل استمرار فضائح الفساد ووجود معارضة من شخصيات بارزة داخل أوكرانيا، من بينهم وزير دفاعه السابق ميخايلو فيدوروف.
روسيا أيضًا تدفع ثمن الحرب
وعلى الرغم من أن روسيا تكبدت خسائر وتحديات كبيرة خلال الحرب، فإنها بدورها لا تستطيع مواصلة القتال إلى أجل غير مسمى.
لكن بوتين، وفق التحليل، يعتقد أن القدرات السياسية والاقتصادية لأوكرانيا وحلفائها الغربيين ستتراجع وتنفد قبل قدرة روسيا على الاستمرار، مستندًا إلى امتلاك بلاده أعدادًا كبيرة من القوى البشرية واحتياطيات مالية وإمدادات طاقة وقاعدة صناعية تمكنها من مواصلة الحرب.
ويظل حياد أوكرانيا الهدف الأساسي لبوتين، الذي يُرجح أن يسعى أيضًا للحصول على التزام قائم على معاهدة يمنع توسع حلف شمال الأطلسي «ناتو»، إلى جانب رغبته في رحيل زيلينسكي.
وبناءً على ذلك، يرى التحليل أن بوتين لن يكون مستعدًا لتسريع اتفاق سلام قبل تحقيق هذين الهدفين.
هل يريد بوتين التسوية؟
لا يعني ذلك بالضرورة أن بوتين يرفض أي تسوية، إذ تحدث خلال المنتدى الاقتصادي الشرقي السنوي في فلاديفوستوك الأسبوع الماضي عن ضرورة تحقيق السلام، مشيرًا إلى إمكانية قيام دول أخرى، من بينها الصين، بدور في هذا المسار.
كما جدد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي دعوته لبوتين للانتقال من «حرب لا نهاية لها إلى إنهاء الحرب»، وذلك خلال اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون الذي عقد مؤخرًا في بيشكيك.
ترامب يبحث عن إنجاز قبل انتخابات نوفمبر
يسعى البيت الأبيض إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، وهو ما يمكن أن يمنح ترامب دفعة سياسية قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وفي كتابه «فن التفاوض»، يوضح ترامب أن أفضل طريقة للتفاوض هي الانطلاق من نقاط القوة، معتبرًا أن النفوذ يتمثل في امتلاك ما يريده الطرف الآخر أو يحتاج إليه، والأهم امتلاك ما لا يستطيع الاستغناء عنه.
ورغم التحديات التي فرضتها الحرب على روسيا، قد يرى بوتين أنه لا يزال يمتلك زمام المبادرة.
وفي حال فشل ترامب في إقناع أوكرانيا وأوروبا بالتوصل إلى حل وسط لإنهاء الحرب، فقد يبدأ الرئيس الروسي في التفكير في كيفية زيادة تكلفة أي اتفاق مستقبلي، خصوصًا بعد السيطرة المحتملة على دونيتسك.
ويبقى السؤال الأبرز، وفق تحليل «ريسبونسيبل ستايت كرافت»: ما التكلفة التي سيكون بوتين مستعدًا لفرضها مقابل أي تسوية للسلام؟



