تقارير

كارني يتحدى ترامب.. هل تستطيع كندا خوض حرب تجارية مع أمريكا؟

كتبت/ منار حجاج

 

تجاوزت المواجهة الأمريكية الكندية الخلاف حول الرسوم الجمركية، وأصبحت اختبارًا لمستقبل واحدة من أكثر العلاقات الاقتصادية ترابطًا في العالم، فبسبب التوتر التجاري المتصاعد خلال إدارة ترامب، وُضعت العلاقة بين البلدين أمام مرحلة جديدة، بعدما تحولت الرسوم الجمركية أحد أبرز أدوات الضغط الأمريكية على شركائها التجاريين.

تجد كندا نفسها أمام هذه الضغوط في وقت ترتبط فيه تجارتها بدرجة كبيرة بالسوق الأمريكية، فقد استحوذت الولايات المتحدة على نحو 71.7% من صادرات السلع الكندية في عام 2025، وهو ما يعنى أن أي تصعيد تجاري بين البلدين سيكون له تداعيات مباشرة على العمال والشركات والاقتصاد الكندى، وبالتزامن مع ذلك اتجهت كندا إلى توسيع نطاق تجارتها مع شركاء دوليين آخرين.

ويتسع نطاق التشابك الاقتصادي بين البلدين ليشمل سلاسل توريد متكاملة في قطاعات رئيسية، من أبرزها قطاعات السيارات والطاقة والصناعات التحويلية، بما يعكس عمق الترابط الاقتصادي الأمريكي الكندي، ويجعل الاستغناء السريع تحديًا صعبًا، رغم مساعي أوتاوا لتنويع دائرة شركائها التجاريين.

في المقابل، تبنّت حكومة كارني توجهًا نحو تقليل الاعتماد الكندي علي السوق الأمريكية عبر تعزيز العلاقات التجارية مع أوروبا وآسيا، إلى جانب توسيع الاستفادة من الاتفاقيات التجارية التي تربطها بالاتحاد الأوروبي ودول منطقة المحيط الهادي، وكشفت بيانات التجارة الكندية عن نمو صادرات السلع والخدمات إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2025 بنسبة 16.4%، الأمر الذي يعكس القدرة الكندية على توسيع حضورها في الأسواق غير الأمريكية.

وفي الوقت الذي يملك فيه كارني أدوات سياسية واقتصادية يمكن توظيفها في في مواجهة الضغوط الأمريكية، مثل تنويع الأسواق والاستفادة من الموارد الطبيعية وقطاع الطاقة وتعزيز شبكة شراكاتها الدولية، تبقى المواجهة المفتوحة مع واشنطن تتطلب تكلفة مرتفعة بالنسبة لكندا بسبب الترابط الكبير بين الاقتصادين.

ومن هذا المنطلق يبرز التساؤل الأهم الذي يسعى التقرير إلى الإجابة عنه: هل ينجح مارك كارني في تحويل المواجهة التجارية مع واشنطن إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاد كندي أكثر تنوعًا واستقلالية، أم أن عمق اعتماد كندا على السوق الأمريكية سيجعل خوض حرب تجارية طويلة الأمد أمرًا بالغ التكلفة؟

 

كندا أمام أزمة متعددة الأبعاد

وتقول الدكتورة مايسة خليل، الأكاديمية المتخصصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية إن التصعيد الحالي بين الولايات المتحدة وكندا يمثل أكثر من مجرد خلاف تجاري عابر، بل هو أزمة سياسية واقتصادية متكاملة الأبعاد تعكس تحولًا جذريًا في طبيعة العلاقة بين البلدين، التي كانت تمثل نموذجًا للشراكة الاستراتيجية المستقرة لعقود طويلة.

فمنذ إعادة انتخاب الرئيس دونالد ترامب، اتخذت الإدارة الأميركية نهجًا أكثر عدوانية تجاه حلفائها التقليديين، مستندة إلى رؤية تجعل من أميركا أولًا عقيدة سياسية واقتصادية تضع المصالح الأميركية في مواجهة مباشرة مع مصالح الشركاء التاريخيين، حتى لو كانوا أقرب الحلفاء وأكثرهم ولاءً.

وما يحدث اليوم بين واشنطن وأوتاوا لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع للسياسة التجارية الأميركية، حيث تحولت الرسوم الجمركية إلى أداة ضغط سياسي تهدف إلى إعادة تعريف قواعد العلاقات الاقتصادية الدولية، وليس مجرد أداة لحماية الصناعات المحلية.

 

الرسوم تشعل الخلاف الكندي

وتعد كندا، التي تربطها بالولايات المتحدة أطول حدود غير محمية في العالم وأكبر علاقة تجارية ثنائية، إحدى الضحايا الأولى لهذا التحول، حيث تجاوزت الرسوم الأميركية على المنتجات الكندية 50% في بعض القطاعات الحيوية مثل الصلب والألمنيوم، مما هدد صناعات بأكملها ووظائف عشرات الآلاف من الكنديين.

كما أن التصعيد الحالي يحمل أبعادًا شخصية وسياسية لا يمكن تجاهلها، حيث أن الرئيس ترامب، المعروف بمواقفه العدائية تجاه كندا، لم يتخلَّ عن هذه العداوة مع وصول رئيس الوزراء الجديد مارك كارني.

وقد تجلى ذلك في وصف ترامب لكندا بأنها الدولة رقم 51 وتهديداته المتكررة بفرض رسوم عقابية، وتحويل الخلاف التجاري إلى مواجهة سياسية تمس السيادة الوطنية الكندية.

وقد وصل الأمر إلى حد اقتراح ترامب تغيير اسم بحيرة أونتاريو إلى بحيرة أميركا، في خطوة اعتبرتها أوتاوا استفزازًا غير مسبوق.

 

أزمة تختبر استقلال كندا

وتشير مايسة خليل إلى أن الأزمة تبدو أكثر تعقيدًا من مجرد نزاع حول الرسوم الجمركية، فهي اختبار لقدرة العلاقات الثنائية على الصمود في وجه التحولات الأيديولوجية العميقة التي تشهدها السياسة الأميركية.

وامتحان لقدرة كندا على الحفاظ على استقلاليتها الاقتصادية في مواجهة جارتها العملاقة، مع إدراك أن أي تراجع قد يضعف موقفها التفاوضي لعقود قادمة.

 

كارني.. خصم بخبرة اقتصادية

وتوضح خليل أن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يمثل حالة فريدة في المشهد السياسي الكندي، فهو مصرفي سابق ورئيس البنك المركزي الكندي سابقًا، ورئيس بنك إنجلترا أيضًا، مما يمنحه فهمًا عميقًا للأسواق المالية والاقتصادية وعلاقاتها السياسية.

هذه الخبرة الاقتصادية الفريدة تجعل منه خصمًا مختلفًا عن أسلافه، فهو يدرك جيدًا نقاط الضعف في الاقتصاد الأميركي كما يدرك نقاط قوة الاقتصاد الكندي، ويمتلك القدرة على ترجمة هذه المعرفة إلى استراتيجيات ضغط فعالة.

ومع ذلك، فإن اعتماد كندا الكبير على السوق الأميركية يظل العائق الأكبر أمام أي مواجهة شاملة، فأكثر من 75% من الصادرات الكندية تتجه إلى الولايات المتحدة، وتشكل هذه التجارة نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي الكندي.

وهوما يجعل أي حرب تجارية مع واشنطن مكلفة للغاية بالنسبة لأوتاوا، لكن السؤال الأهم ليس هل تستطيع كندا المواجهة؟ بل كيف يمكنها إدارة هذه المواجهة لتقليل الخسائر وتعظيم المكاسب؟

 

أوراق كارني في المواجهة

وتستكمل مايسة قائلة: في هذا الإطار، يمتلك كارني عدة أدوات تمكنه من مواجهة ترامب رغم التحديات الهيكلية.

فأولاً، يستطيع الاستفادة من خبرته المصرفية لتوجيه السياسة الاقتصادية الكندية نحو تقليل الاعتماد على السوق الأميركية في المدى الطويل،من خلال تنويع الشركاء التجاريين وتعزيز التجارة الداخلية بين المقاطعات الكندية.

ثانياً، يمكنه استخدام ورقة الطاقة، حيث أن كندا هي أكبر مورد للنفط والغاز والكهرباء إلى الولايات المتحدة، والتحكم في هذه الإمدادات يمكن أن يكون ورقة ضغط قوية.

ثالثاً، يستطيع كارني توظيف علاقاته الدولية، خاصة في أوروبا وآسيا، لبناء تحالفات اقتصادية تعزز الموقف الكندي في المفاوضات مع واشنطن.

وقد تجلى ذلك في زيارته المرتقبة للبرلمان الأوروبي في 17 سبتمبر، حيث سيسعى لتعزيز الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في مواجهة السياسات التجارية الأميركية.

رابعاً، يمكنه الاستفادة من الانقسامات الداخلية في الولايات المتحدة، حيث أن بعض الولايات الأميركية، خاصة تلك القريبة من الحدود الكندية، تعتمد بشكل كبير على التجارة مع كندا وقد تضغط على إدارة ترامب لتخفيف حدة التصعيد.

 

مواجهة محفوفة بتكلفة مرتفعة

وتتابع المتخصصة في العلاقات الدولية، لكن تبقى المعادلة صعبة، فكندا تواجه جارًا يمثل سوقها الأول والأكبر، وتهديدات ترامب المتكررة بفرض رسوم شاملة على جميع المنتجات الكندية قد تكون مدمرة للاقتصاد الكندي.

لذلك، فإن استراتيجية كارني الأكثر حكمة هي مزيج من الصبر الاستراتيجي، والضغط المحدود، والبحث عن نقاط توافق يمكن البناء عليها، مع إبقاء خيارات التصعيد مفتوحة إذا لزم الأمر.

مع إدراك أن الانسحاب الكامل من المفاوضات قد يكون مكلفًا في المدى القصير لكنه قد يكون ضرورياً لحماية السيادة الكندية على المدى الطويل.

 

أدوات كندا للرد على واشنطن

تمتلك كندا مجموعة من الأوراق الاقتصادية والسياسية التي يمكن استخدامها في مواجهة الرسوم الأميركية، تتراوح بين الأدوات التقليدية مثل فرض رسوم انتقامية، إلى أدوات أكثر تعقيدًا مثل الاستهداف الاستراتيجي للقطاعات الحساسة في الاقتصاد الأميركي.

 

الرسوم الانتقامية سلاح أوتاوا

 

أولاً: الرسوم الانتقامية

تستطيع كندا فرض رسوم جمركية على سلع أميركية معينة، مستهدفة القطاعات التي لها تأثير سياسي كبير في الولايات المتحدة، مثل المنتجات الزراعية التي تأتي من الولايات الجمهورية، أو السلع الاستهلاكية التي تؤثر مباشرة على المستهلك الأميركي.

وقد سبق لكندا أن استخدمت هذه الأداة في عام 2018 عندما ردت على رسوم ترامب على الصلب والألمنيوم بفرض رسوم على سلع أميركية بقيمة 16.6 مليار دولار كندي، مستهدفة منتجات مثل الزبادي والقهوة والجبن وورق اللعب وأقلام الحبر.

مما أثر على مصنعين في ولايات جمهورية وأحدث ضغوطًا سياسية على إدارة ترامب، وقد أكدت الحكومة الكندية أنها ستفرض رسومًا مضادة على أساس مبدأ دولار مقابل دولار، في خطوة تمثل تصعيدًا غير مسبوق في العلاقات التجارية بين الجارتين.

 

الطاقة ورقة ضغط كندية

 

ثانيًا: الطاقة والموارد الطبيعية

تمتلك كندا واحدة من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وهي أكبر مورد للطاقة إلى الولايات المتحدة، حيث تزودها بنحو 60% من وارداتها النفطية، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي والكهرباء.

أي تعطيل لهذه الإمدادات، سواء من خلال فرض رسوم تصديرية، أو تقليص الكميات المصدرة، أو حتى التهديد بذلك، يمكن أن يكون له تأثير مباشر على أسعار الطاقة في الولايات المتحدة، وبالتالي على الاقتصاد الأميركي والمستهلك الأميركي.

لكن استخدام هذه الورقة يتطلب توازنًا دقيقًا، لأن كندا تعتمد أيضًا على تصدير هذه الموارد، ولا تريد أن تضر باقتصادها أكثر مما تضر بالاقتصاد الأميركي.

الأسواق المالية ساحة مواجهة

 

ثالثًا: السوق المالية وقوة الدولار الكندي

يدرك كارني بصفته مصرفيًا سابقًا وخبيرًا اقتصاديًا، أن سوق الصرف يمكن أن يكون ساحة معركة فعالة.

للكنديين القدرة على التأثير على قيمة الدولار الكندي مقابل الدولار الأميركي من خلال سياسات البنك المركزي، وتوجيه الاستثمارات، والتأثير على ثقة المستثمرين.

كما أن العديد من الولايات الأميركية تعتمد على التجارة مع كندا، وأي تراجع في قيمة الدولار الكندي قد يعني تراجعًا في الطلب على المنتجات الأميركية من هذه الولايات، مما يزيد الضغط على الممثلين الجمهوريين في الكونجرس للضغط على ترامب لخفض التصعيد.

 

التحالفات الدولية تعزز موقف كندا

 

رابعًا: التحالفات الدولية

سيلقي كارني كلمة أمام البرلمان الأوروبي في 17 سبتمبر، وسيحضر خطاب حالة الاتحاد الذي تلقيه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.

هذه الزيارة، التي وصفتها رئيسة البرلمان الأوروبي بأنها فرصة لتعميق العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وكندا، تأتي في وقت يدرك فيه الطرفان أن السياسات التجارية الأميركية العدائية تهدد مصالحهما المشتركة.

ويمكن لكندا أيضًا استخدام منظمة التجارة العالمية كمنصة للطعن في شرعية الرسوم الأميركية، وهو ما قد يمنحها مزيدًا من الوقت للتفاوض أو البحث عن حلول بديلة.

 

توحيد الجبهة الداخلية

 

خامسًا: توحيد الجبهة الداخلية

تمثل الوحدة الوطنية ورقة قوية في أيدي كارني، فالمواجهة مع ترامب يمكن أن توحد الكنديين خلف حكومتهم، وتقلل من الانقسامات السياسية الداخلية، وتزيد من الشرعية الشعبية لأي إجراءات انتقامية تتخذها الحكومة الكندية.

وقد أسهمت استفزازات ترامب المتكررة، التي وصلت إلى حد وصف كندا بأنها الدولة رقم 51، في إشعال موجة من الوطنية داخل كندا، وأظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الكنديين يؤيدون موقف حكومتهم المتشدد، حتى لو كان ذلك يعني تحمل بعض التداعيات الاقتصادية السلبية.

 

تنويع التجارة.. حلم قديم

 

وتؤكد مايسة خليل أن تنويع التجارة الكندية بعيدًا عن السوق الأميركية هو حلم طالما راود صناع القرار في أوتاوا، لكن تحقيقه يتطلب جهدًا كبيرًا واستثمارات ضخمة.

بالإضافة إلى تغييرات في البنية التحتية التجارية الكندية التي بنيت على مدى عقود لتخدم السوق الأميركية حصرًا، ومع ذلك، فإن الحرب التجارية الحالية تقدم لكندا دافعًا قويًا للانطلاق في هذا المسار، وإن كانت النتائج لن تكون فورية.

البنية التحتية تعرقل التنويع

تكمن العقبة الأولى في البنية التحتية التجارية الكندية، فمعظم الموانئ والسكك الحديدية والطرق الكندية صممت لتسهيل التجارة مع الولايات المتحدة، وليس مع دول أخرى، مما يتطلب استثمارات هائلة في البنية التحتية قد تستغرق سنوات.

العقبة الثانية هي الاتفاقيات التجارية، فرغم أن كندا لديها اتفاقيات تجارية مع الاتحاد الأوروبي ودول آسيا والمحيط الهادئ، فإن تنفيذها على أرض الواقع ما زال يواجه تحديات، مثل اختلاف المعايير التنظيمية، وتكاليف النقل الأعلى، وفترات الشحن الأطول مقارنة بالتجارة عبر الحدود مع أميركا.

العقبة الثالثة هي الميزة التنافسية، فالعديد من الصناعات الكندية بنيت لتلبية احتياجات السوق الأميركية، ولا تستطيع منافسة المنتجين الآسيويين أو الأوروبيين في أسواقهم من دون استثمارات ضخمة في تحسين الجودة وخفض التكاليف.

 

فرص كندية خارج أمريكا

وتستكمل خليل رغم هذه التحديات، هناك فرص حقيقية لتنويع التجارة الكندية، فالطلب العالمي المتزايد على الموارد الطبيعية الكندية، مثل النفط والغاز والأخشاب والمعادن، يفتح أسواقًا جديدة في آسيا، خاصة في الصين والهند.

كما أن اتفاقية التجارة الحرة بين كندا والاتحاد الأوروبي توفر فرصة لتعزيز التجارة مع أوروبا، خاصة في قطاعات مثل الزراعة والصناعات الغذائية وتكنولوجيا المعلومات.

بالإضافة إلى ذلك، فإن انضمام كندا إلى الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ يفتح أسواقًا جديدة في اليابان وأستراليا ونيوزيلندا ودول أخرى.

وفي هذا السياق، تأتي زيارة كارني المرتقبة إلى بروكسل كخطوة عملية لتعزيز هذه العلاقات، حيث تسعى كندا إلى بناء شراكة أوثق من أي وقت مضى مع الاتحاد الأوروبي.

 

تقليل الاعتماد بدلًا من الاستبدال

وتتابع خليل بدلاً من محاولة استبدال الولايات المتحدة كشريك تجاري رئيسي، يمكن لكندا اتباع استراتيجية أكثر واقعية تتمثل في تقليل الاعتماد النسبي على السوق الأميركية تدريجيًا، مع تنويع الأسواق الأخرى لتشكل نسبة أكبر من الصادرات الكندية.

وقد بدأت بالفعل تظهر بوادر هذا التحول، حيث أعلنت عدة شركات كندية عن خطط لزيادة صادراتها إلى أوروبا وآسيا، واستكشاف فرص جديدة في أسواق نامية.

كما أن الحكومة الكندية تعمل على تسريع تنفيذ اتفاقيات التجارة الحرة مع شركاء آخرين، وتقديم حوافز للشركات الكندية التي ترغب في دخول أسواق جديدة، في إطار رؤية كارني لمستقبل كندا الذي يتجاوز الاعتماد المفرط على جارتها الجنوبية.

 

كلفة الحرب على الاقتصاد

إذا استمرت الحرب التجارية بين كندا والولايات المتحدة، فإن التداعيات الاقتصادية على كندا ستكون كبيرة ومتعددة الأوجه، وقد تطال مختلف القطاعات وتترك آثارًا طويلة الأمد على الاقتصاد الكندي.

 

السيارات في قلب الخسائر

وتشير مايسة إلى أن الصناعات التصديرية الكندية ستكون الأكثر تضررًا، خاصة قطاع السيارات الذي يعتمد على سلاسل التوريد المتكاملة عبر الحدود، فصناعة السيارات الكندية، التي تشغل أكثر من 500 ألف عامل بشكل مباشر وغير مباشر، قد تشهد تراجعًا حادًا في الإنتاج والصادرات.

مما قد يؤدي إلى فقدان آلاف الوظائف وإغلاق مصانع بأكملها، كما ستتضرر صناعة الصلب والألمنيوم، اللتان واجهتا بالفعل رسومًا أميركية في الماضي، وقد يؤدي استمرار هذه الرسوم إلى إغلاق مصانع وفقدان وظائف في مدن صناعية كندية تعتمد على هذين القطاعين.

 

الزراعة تواجه ضربة مزدوجة

بالإضافة إلى ذلك، ستتضرر الصناعات الزراعية والغذائية، خاصة صادرات الحبوب واللحوم ومنتجات الألبان، حيث أن الولايات المتحدة هي السوق الرئيسي لهذه المنتجات، وأي تراجع في الطلب الأميركي قد يؤدي إلى فائض في الإنتاج المحلي وانخفاض الأسعار، مما يضر بالمزارعين والمنتجين الكنديين.

من المتوقع أن يؤدي استمرار الحرب التجارية إلى تباطؤ النمو الاقتصادي الكندي، مع توقعات بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 0.5% و2%، اعتمادًا على مدة الحرب وشدتها.

 

تباطؤ النمو وارتفاع البطالة

كما قد ترتفع معدلات البطالة، خاصة في القطاعات التصديرية، وقد يضطر العمال إلى الانتقال إلى قطاعات أخرى أو إلى البحث عن عمل في مقاطعات أخرى، مما يخلق تحديات اجتماعية وديموغرافية إضافية.

وقد تشهد مقاطعات مثل أونتاريو وكيبيك وكولومبيا البريطانية، التي تعتمد بشكل كبير على التجارة مع الولايات المتحدة، تأثيرات أكثر حدة على اقتصاداتها المحلية.

 

التضخم يضغط على الكنديين

وترى مايسة أن قيمة الدولار الكندي قد تشهد انخفاضًا مقابل الدولار الأمريكي، مما قد يجعل الواردات الكندية أكثر تكلفة ويؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، خاصة في قطاع الطاقة والمواد الغذائية المستوردة.

وهذا الانخفاض في قيمة العملة، رغم أنه قد يساعد الصادرات الكندية في الأسواق العالمية، إلا أنه سيؤثر سلبًا على القوة الشرائية للكنديين، خاصة ذوي الدخل المحدود، وسيزيد من تكلفة استيراد المواد الخام والسلع الوسيطة التي تعتمد عليها الصناعات الكندية.

كما أن ارتفاع التضخم قد يدفع البنك المركزي الكندي إلى رفع أسعار الفائدة لكبح جماح التضخم، مما قد يزيد من تكلفة الاقتراض ويؤثر على سوق العقارات والاستثمارات الخاصة.

 

الاستثمار يترقب مآلات الأزمة

قد يؤدي استمرار التوتر التجاري إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في كندا، حيث سيتجنب المستثمرون الدوليون وضع أموالهم في اقتصاد قد يتأثر سلبًا بحرب تجارية مع شريكه التجاري الرئيسي.

كما قد تتأثر الشركات الكندية التي تستثمر في الولايات المتحدة، حيث قد تواجه تحديات في نقل البضائع والخدمات عبر الحدود، مما قد يدفعها إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الاستثمارية.

وقد يؤدي هذا التراجع في الاستثمارات إلى تباطؤ النمو الاقتصادي على المدى الطويل، وتقليل القدرة التنافسية للاقتصاد الكندي في الأسواق العالمية.

 

تداعيات اجتماعية وسياسية متصاعدة

قد تؤدي الحرب التجارية إلى زيادة مشاعر عدم اليقين والقلق بين الكنديين، خاصة العاملين في القطاعات المتضررة، مما قد يؤثر على الإنفاق الاستهلاكي والثقة الاقتصادية.

كما قد تزيد التوترات السياسية والاجتماعية في كندا، خاصة في المقاطعات التي تعتمد بشكل كبير على التجارة مع الولايات المتحدة، وقد تتزايد الدعوات للحكومة الفيدرالية لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً لحماية المصالح الكندية.

وفي الوقت نفسه، قد تتعزز المشاعر الوطنية الكندية، حيث قد يرى الكنديون أن مواجهة ترامب هي دفاع عن السيادة الوطنية والكرامة الاقتصادية، مما قد يزيد من التماسك الداخلي والدعم للحكومة في موقفها من الولايات المتحدة.

 

الأزمة بين التسوية والتصعيد

وبالسؤال عن هل تتجه الأزمة إلى مفاوضات جديدة أم حرب تجارية طويلة؟ وما السيناريو الأرجح؟

قالت مايسة تتوقف الإجابة على هذا السؤال على عدة عوامل متشابكة، تشمل التطورات السياسية الداخلية في كلا البلدين، والضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب التجارية، واستراتيجيات كل من كارني وترامب في إدارة الأزمة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل هذه الأزمة

السيناريو الأول: المفاوضات والتسوية الجزئية

في هذا السيناريو، تنجح الجهود الدبلوماسية في خفض حدة التصعيد، مع التوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين جزئيًا.

قد تتضمن التسوية تخفيضًا تدريجيًا للرسوم الجمركية على بعض القطاعات، مقابل تنازلات كندية في مجالات أخرى، مثل زيادة الوصول إلى السوق الكندية للمنتجات الزراعية الأميركية، أو تعديل قواعد المنشأ في قطاع السيارات.

التسوية تبقى السيناريو الأرجح

هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير، خاصة إذا أدرك الطرفان أن استمرار الحرب التجارية قد يكون مكلفًا لكليهما، وأن التفاوض هو السبيل الوحيد لتجنب خسائر أكبر، كما أن ضغوط المصالح الاقتصادية في كلا البلدين، خاصة من الولايات الحدودية والمقاطعات الكندية المتضررة، قد تدفع القيادتين إلى البحث عن مخرج تفاوضي.

وقد أشارت بعض التقارير إلى أن إدارة ترامب قد تكون مستعدة لتقديم بعض التنازلات إذا شعرت أن كندا مستعدة لتقديم تنازلات مقابلة، لكن التوترات الشخصية بين ترامب وكارني قد تعيق أي تقدم دبلوماسي.

السيناريو الثاني: الحرب التجارية الطويلة

يستمر التصعيد بين البلدين في هذا السيناريو، وتزداد الرسوم الجمركية وتتسع لتشمل قطاعات جديدة، وتتحول الحرب التجارية إلى صراع طويل الأمد.

هذا السيناريو قد يتحقق إذا تمسك كل طرف بمواقفه، ورفض تقديم تنازلات، خاصة في ظل استمرار الخطاب العدائي لترامب تجاه كندا، وإصرار كارني على الدفاع عن السيادة الاقتصادية الكندية.

في هذه الحالة، قد تستمر الحرب التجارية لعدة سنوات، مما قد يؤدي إلى تغييرات هيكلية في الاقتصادين الكندي والأميركي، وإعادة توجيه سلاسل التوريد، وخلق واقع تجاري جديد يختلف جذريًا عن الوضع الذي كان سائدًا قبل الأزمة.

وقد يدفع هذا السيناريو كندا إلى تسريع خططها لتنويع التجارة، والبحث عن شركاء جدد في أوروبا وآسيا، مما قد يغير طبيعة العلاقة بين البلدين بشكل دائم.

السيناريو الثالث: التحول الجيوسياسي

تؤدي الحرب التجارية في هذا السيناريو، إلى تغييرات جذرية في العلاقة بين البلدين، حيث قد تدفع كندا نحو تنويع تجارتها بشكل أسرع، والبحث عن شركاء جدد في أوروبا وآسيا.

وقد تتجه نحو تعزيز التكامل الاقتصادي مع دول أخرى لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، وقد تجلت بوادر هذا السيناريو في زيارة كارني المرتقبة إلى البرلمان الأوروبي في 17 سبتمبر المقبل ، وفي سعيه لبناء شراكة أوثق من أي وقت مضى مع الاتحاد الأوروبي.

كما قد يؤدي هذا السيناريو إلى إعادة تعريف العلاقة بين البلدين، حيث تصبح كندا أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة، وأكثر استقلالية في قراراتها الاقتصادية والسياسية، ويتطلب هذا السيناريو استثمارات ضخمة وإرادة سياسية قوية، وقد يستغرق سنوات ليتحقق، لكنه قد يكون النتيجة النهائية للحرب التجارية إذا استمرت لفترة طويلة وأحدثت تغيرات هيكلية في الاقتصاد الكندي.

السيناريو الأرجح: في ضوء المعطيات الراهنة، يبدو السيناريو الأول هو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير، حيث أن كلا البلدين لديهما مصلحة في تجنب حرب تجارية مدمرة، وهناك العديد من القنوات الدبلوماسية التي يمكن استخدامها للوصول إلى حل وسط.

لكن لا يمكن استبعاد السيناريو الثاني، خاصة إذا استمرت الإدارة الأميركية في نهجها التصعيدي، ولم تظهر أي مرونة في موقفها تجاه كندا، خاصة مع اقتراب الانتخابات الأميركية التي قد تدفع ترامب إلى تصعيد خطابه ضد كندا لكسب أصوات الناخبين في الولايات الصناعية المتضررة من المنافسة الكندية.

وفي كل الأحوال، فإن العلاقة بين البلدين لن تعود إلى ما كانت عليه قبل أزمة ترامب، حيث أن الثقة بين الحليفين التقليديين قد تأثرت، وأصبحت كندا أكثر وعيًا بضرورة تنويع علاقاتها الاقتصادية وعدم الاعتماد الكامل على جارتها الجنوبية.

وكما قال كارني، فإن رؤيته لمستقبل كندا تتجاوز الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة، وتستند إلى بناء شراكات جديدة مع دول تشاركها القيم والمصالح المشتركة، مما قد يعيد تعريف دور كندا في النظام العالمي لعقود قادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى