منوعات

الصيام المتقطع تحت المجهر.. هل يفيد فعلاً في إنقاص الوزن أم أن فوائده الصحية مبالغ فيها؟

أصبح الصيام المتقطع خلال السنوات الأخيرة واحداً من أكثر الأنظمة الغذائية انتشاراً، بعدما رُوّج له باعتباره وسيلة فعالة لإنقاص الوزن وتحسين الصحة وربما إطالة العمر.

لكن الدراسات العلمية لا تقدم حتى الآن إجابة حاسمة بشأن جميع فوائده، إذ تتباين نتائج الأبحاث، خصوصاً عند الانتقال من التجارب التي أُجريت على الحيوانات إلى الدراسات التي شملت البشر.

ويقوم الصيام المتقطع على تنظيم أوقات تناول الطعام بدلاً من التركيز فقط على كمية السعرات الحرارية، سواء من خلال الامتناع عن الطعام في أيام محددة، أو حصر الوجبات داخل ساعات معينة من اليوم.

ورغم الشعبية الواسعة لهذا النظام، يرى باحثون أن بعض الادعاءات المرتبطة به تجاوزت ما يمكن إثباته علمياً، خصوصاً ما يتعلق بالوقاية من السرطان، وتحسين القدرات العقلية، وإطالة العمر.

كيف يعمل الصيام المتقطع داخل الجسم؟

تستند إحدى النظريات الرئيسية إلى أن الصيام يدفع الجسم إلى تغيير مصدر الطاقة الذي يعتمد عليه. فبدلاً من الاعتماد بصورة أساسية على السكر، يبدأ الجسم في استخدام الدهون المخزنة والموجودة في الدم للحصول على الطاقة.

ويرتبط هذا التحول بتغيرات في نشاط الخلايا، من بينها عملية تُعرف باسم “الالتهام الذاتي”، وهي آلية تقوم خلالها الخلايا بالتخلص من بعض البروتينات والمكونات التالفة وإعادة تدويرها.

وقد ربط باحثون هذه العملية نظرياً بمجموعة من الفوائد الصحية، مثل تحسين عمليات الأيض وربما تقليل مخاطر بعض الأمراض وإطالة العمر.

لكن المشكلة أن جزءاً كبيراً من الأدلة التي دعمت هذه النظرية جاء من تجارب على الحيوانات، مثل الفئران والديدان والذباب، وليس من دراسات بشرية واسعة وطويلة المدى.

نتائج مذهلة على الحيوانات.. لكن ماذا يحدث لدى البشر؟

أظهرت تجارب على الفئران أن تقييد ساعات تناول الطعام يمكن أن يساعدها على الحفاظ على وزن صحي وتقليل بعض المشكلات المرتبطة بالتقدم في العمر، حتى عندما تتناول كمية مماثلة من السعرات الحرارية التي تحصل عليها الفئران التي تتناول الطعام بحرية.

لكن الباحثين يحذرون من نقل هذه النتائج مباشرة إلى الإنسان، بسبب الاختلاف الكبير بين طبيعة أجسام الحيوانات والبشر.

وتوضح أبحاث التغذية أن الصيام المتقطع يمكن أن يؤدي لدى البشر إلى فقدان نحو 5% من الوزن في بعض الحالات، وهو تأثير يمكن اعتباره مفيداً، لكنه لا يبدو بالضرورة أفضل من الأنظمة الغذائية الأخرى التي تساعد على خفض الوزن.

كما يمكن لفقدان الوزن أن يرتبط بتحسن بعض مؤشرات الصحة الأيضية، مثل ضغط الدم والكوليسترول، وقد تظهر فوائد لدى بعض النساء المصابات بمتلازمة تكيس المبايض.

لكن النتائج تختلف من شخص إلى آخر، كما أن الفوائد تكون في بعض الحالات أكثر وضوحاً لدى الأشخاص الذين يبدأون النظام وهم يعانون بالفعل من مشكلات صحية أو أيضية.

هل الصيام المتقطع يحمي من السرطان ويحسن الذاكرة؟

من أكثر الادعاءات انتشاراً حول الصيام المتقطع أنه قد يقلل خطر الإصابة بالسرطان ويحسن وظائف الدماغ والقدرات الإدراكية.

وتشير بعض التجارب على الحيوانات إلى نتائج مشجعة في هذا الاتجاه، كما أظهرت دراسات حيوانية أن الصيام قد يؤثر في قدرة الخلايا على تحمل بعض العلاجات، مثل العلاج الكيميائي.

لكن الدراسات البشرية لم تقدم النتائج نفسها بصورة واضحة.

وفي إحدى الدراسات، حاول الباحثون محاكاة التأثيرات البيولوجية للصيام الطويل من خلال نظام غذائي خاص، على أمل أن تصبح الخلايا السليمة أكثر قدرة على تحمل العلاج بينما تصبح الخلايا السرطانية أكثر ضعفاً، إلا أن المشاركين لم يحققوا التحول الأيضي المتوقع.

وفي المقابل، أشارت دراسة إلى أن اتباع نظام 5:2 قد يساعد بعض النساء المصابات بسرطان الثدي النقيلي على تحسين جودة الحياة وربما إبطاء تطور المرض أثناء العلاج الكيميائي، لكن هذه النتائج لا تكفي لإثبات أن الصيام المتقطع علاج للسرطان.

لماذا تختلف نتائج البشر عن الحيوانات؟

يرى الباحثون أن الاختلافات البيولوجية بين الإنسان والحيوانات تفسر جانباً من التباين.

فالفئران، على سبيل المثال، تتمتع بمعدل أيض أعلى بكثير من الإنسان، ولذلك فإن فترة صيام قصيرة بالنسبة إلى الفأر قد تعادل من الناحية الأيضية فترة أطول بكثير لدى الإنسان.

كما أن حيوانات المختبر غالباً ما تكون متشابهة وراثياً، بينما يختلف البشر بصورة كبيرة في الجينات ونمط الحياة والحالة الصحية.

وهناك مشكلة أخرى أكثر تعقيداً تتعلق بقدرة الباحثين على معرفة ما يأكله المشاركون فعلياً في حياتهم اليومية.

مشكلة كبيرة في أبحاث التغذية: ماذا يأكل الناس فعلاً؟

يواجه الباحثون صعوبة في قياس النظام الغذائي الحقيقي للمشاركين، لأن معظم الدراسات تعتمد على سجلات يكتب فيها الأشخاص ما تناولوه خلال اليوم.

وقد ينسى المشاركون تسجيل بعض الوجبات أو الوجبات الخفيفة، وقد يتجنب البعض ذكر الأطعمة التي لا تتوافق مع النظام المطلوب منهم اتباعه.

وتشير إحدى الباحثات إلى أن نحو نصف المشاركين في بعض الدراسات فقط يعيدون سجلاتهم الغذائية، بينما قد يقوم آخرون بتعديل المعلومات أو عدم تسجيل كل ما تناولوه.

وفي عام 2025، طور فريق دولي من الباحثين معادلة لتقدير حجم هذه المشكلة، ووجد أن نحو 30% من الأشخاص قد يقللون من تقدير كمية الطعام التي يتناولونها عند تسجيلها.

وتشير التقديرات إلى أن بعض الأشخاص قد يقللون من الإبلاغ عن استهلاكهم اليومي بما يتراوح بين 400 وأكثر من 800 سعرة حرارية.

وفي بعض الحالات، أظهرت المقارنة بين ما يذكره المشاركون وما تكشفه القياسات العلمية أن الفارق يمكن أن يكون كبيراً للغاية، إذ قد يذكر شخص أنه يستهلك نحو 1600 إلى 2000 سعرة حرارية يومياً، بينما تشير القياسات الفعلية إلى استهلاك يقترب من 3500 سعرة، حتى خبراء التغذية قد يخطئون في تقدير الطعام

لا تقتصر المشكلة على الأشخاص العاديين، إذ يواجه حتى المتخصصون في التغذية صعوبة في تحديد الكميات والقيم الغذائية بدقة.

فأحجام الوجبات تختلف، كما أن قواعد البيانات الغذائية تعتمد غالباً على متوسطات تقريبية، وليس على التركيب الدقيق لكل وجبة أو منتج.

ولهذا السبب، يدعو بعض الباحثين إلى تقليل الاعتماد على الدراسات التي تعتمد بصورة أساسية على ما يذكره المشاركون عن وجباتهم.

لكن التخلص من هذه الوسيلة بالكامل ليس سهلاً، لأنها تظل واحدة من الأدوات الأساسية المتاحة أمام الباحثين في مجال التغذية.

تجربة مختلفة داخل المستشفيات

تقدم الدراسات الغذائية التي تجرى داخل المستشفيات صورة أكثر دقة، لأن الباحثين يستطيعون التحكم في كل ما يتناوله المشاركون، ووزن الطعام وقياس السعرات والعناصر الغذائية بصورة مباشرة.

وقد أظهرت بعض هذه التجارب أن الصيام المتقطع يمكن أن يرتبط بانخفاض مستويات السكر وضغط الدم، إضافة إلى انخفاض مؤشرات مرتبطة بالإجهاد التأكسدي وزيادة عملية الالتهام الذاتي للخلايا.

لكن هذه الدراسات عادة ما تكون محدودة العدد وقصيرة المدة، لأن قضاء أشهر داخل تجربة غذائية محكمة يمثل عبئاً كبيراً على المشاركين كما أن تكلفتها مرتفعة.

التكنولوجيا قد تغير مستقبل أبحاث التغذية

يسعى العلماء حالياً إلى استخدام التكنولوجيا لمعرفة ما يأكله الأشخاص بصورة أكثر دقة، بدلاً من الاعتماد الكامل على ذاكرتهم.

ومن بين الأفكار التي يجري اختبارها كاميرات صغيرة يمكن تثبيتها على النظارات أو القلادات، وتلتقط صوراً للطعام على فترات متكررة أو عند اكتشاف عملية المضغ، لكن هذه الوسائل تثير في المقابل مخاوف تتعلق بالخصوصية.

كما يجري تطوير أجهزة أخرى، من بينها قلادات يمكنها التعرف على حركات المضغ، وشوك ذكية تستطيع تسجيل كمية الطعام التي تصل إلى الفم وتوقيت تناولها، إضافة إلى أجهزة استشعار يمكن تثبيتها على الأسنان لمراقبة بعض العناصر الغذائية، ولا تزال غالبية هذه التقنيات في مراحلها الأولى.

تحاليل الدم والبول قد تقدم حلاً أكثر دقة

يرى باحثون أن تحليل الدم والبول بصورة منتظمة قد يكون من أكثر الوسائل العملية لمعرفة ما يحصل عليه الجسم من العناصر الغذائية.

وتوفر هذه التحاليل مؤشرات حيوية لا تعتمد بشكل كامل على ذاكرة الشخص أو مدى دقته في تسجيل وجباته.

ويعتقد الباحثون أن الحل الأفضل قد لا يكون الاعتماد على تقنية واحدة، وإنما دمج عدة وسائل معاً، مثل السجلات الغذائية، وتحاليل الدم والبول، والأجهزة القابلة للارتداء، وربما الكاميرات وأجهزة الاستشعار.

ويعمل فريق من الباحثين على اختبار ما إذا كان هذا المزيج قادراً على إنتاج بيانات تقترب من دقة التجارب التي تجرى داخل المستشفيات، مع السماح للمشاركين بمواصلة حياتهم الطبيعية.

النشاط البدني والنوم عاملان مهمان أيضاً

يرى خبراء أن الدراسات المستقبلية حول الصيام المتقطع يجب ألا تركز فقط على الطعام والسعرات الحرارية، وإنما ينبغي أن تتابع أيضاً النشاط البدني ونمط النوم.

فهذان العاملان يمكن أن يؤثرا بصورة كبيرة في الوزن والصحة والتمثيل الغذائي، كما أنهما يخضعان لرقابة دقيقة في كثير من التجارب التي تجرى على الحيوانات.

هل الصيام المتقطع مفيد فعلاً؟

تشير الأدلة الحالية إلى أن الصيام المتقطع قد يساعد على إنقاص الوزن وتحسين بعض المؤشرات الصحية لدى بعض الأشخاص، لكنه لا يبدو حتى الآن نظاماً سحرياً يتفوق بصورة واضحة على جميع الأنظمة الغذائية الأخرى.

كما لا توجد أدلة بشرية قوية بما يكفي لإثبات جميع الادعاءات المنتشرة حول قدرته على إطالة العمر أو الوقاية من السرطان أو تحسين القدرات الإدراكية.

ويحذر الباحثون بشكل خاص من الاعتماد على نتائج التجارب الحيوانية لتأكيد فوائد الصيام لدى البشر، أو اعتبار التجارب الشخصية التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي دليلاً علمياً.

وفي الوقت نفسه، فإن الصيام المتقطع ليس بالضرورة ضاراً للجميع، لكن بعض أشكاله الأكثر صرامة، مثل الصيام يوماً بعد يوم، قد تؤدي في بعض الحالات إلى فقدان الكتلة الخالية من الدهون وتراجع بعض المؤشرات الأيضية.

وتظل الصورة العلمية حتى الآن أكثر تعقيداً من الادعاءات المنتشرة على الإنترنت: الصيام المتقطع يمكن أن يكون أداة مفيدة لإنقاص الوزن لدى بعض الأشخاص، لكن حجم فوائده الصحية الإضافية مقارنة بالأنظمة الغذائية الأخرى ما زال يحتاج إلى مزيد من الدراسات البشرية الدقيقة وطويلة المدى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى