أسرار المخابئ الإيرانية: كيف صُممت لحماية خامنئي ولماذا فشلت؟

على مدى أشهر من التصعيد بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، تحوّل الحديث عن مكان وجود المرشد الإيراني السابق علي خامنئي إلى أحد أكثر الملفات تكتمًا في طهران.
سلسلة من التقارير الاستخباراتية والصحفية، رسمت تدريجيًا صورة شبكة ملاجئ ضخمة تحت الأرض شُيّدت على مدى عقد ونيف لحماية القائد الإيراني في لحظات الخطر القصوى، إلى أن انتهى المطاف بتدميرها وبمقتل خامنئي نفسه في الضربة الأمريكية-الإسرائيلية أواخر فبراير 2026.
بداية المشروع: عقد من البناء السري
بحسب المصادر، فإن الحرس الثوري الإيراني أنشأ مجمعًا محصنًا يُعرف باسم “حبيب إبراهيمي” في منطقة “أزقة مفيد” وسط طهران، بجوار مقر إقامة خامنئي، واستمر العمل فيه قرابة عشر سنوات.
وتقول المصادر إن المشروع انطلق عام 2009 بموافقة مباشرة من خامنئي نفسه، وتولت تمويله وتنفيذه مؤسسات تابعة للحرس الثوري من بينها مقر “خاتم الأنبياء”، تحت إشراف مسؤولين أمنيين وعسكريين مقربين من مكتب المرشد.
ووفق هذا التقرير، يقع المجمع على عمق يصل إلى 30 مترًا، ويرتبط بشبكة أنفاق ومخارج متعددة تؤدي إلى شوارع ومواقف سيارات في محيط المنطقة، بما يضمن مسارات إخلاء بديلة.
ويضم المشروع مرافق إدارية ومكاتب تابعة لهيئة القيادة، ومواقف سيارات متعددة الطوابق، وقاعات تدريب للرماية، فيما أُقيم فوقه مركز رياضي استُخدم كغطاء تمويهي للمنشأة بأكملها. كما يتضمن ملجأين رئيسيين على عمقي 30 و35 مترًا، أحدهما يحوي غرفة محصّنة ضد الانفجارات كان من المفترض أن تستضيف خامنئي في حال استهدافه مباشرة.
أقرأ أيضا:علي لاريجاني.. سياسي مخضرم يعود إلى الواجهة بعد مقتل خامنئي
لويزان: الملجأ الذي لجأ إليه خامنئي فعليًا
في موازاة ذلك، ركّزت تقارير “إيران إنترناشيونال” على موقع آخر هو منطقة لويزان شمال شرق طهران. وذكرت مصادر مطلعة من داخل إيران أن خامنئي نُقل إلى ملجأ تحت الأرض في هذه المنطقة ساعات فقط بعد بدء الهجمات الإسرائيلية على العاصمة، وأن عائلته بأكملها، بما فيها نجله مجتبى، رافقته إلى هناك. وأشارت المصادر إلى أن هذا لم يكن سابقة، فقد سبق أن لجأت العائلة إلى الملجأ نفسه خلال عمليتي “وعد الصادق” الأولى والثانية.
كما رُصد أن نجله الثالث، مسعود خامنئي، تولى الإدارة اليومية لمكتب القائد، وعمل كقناة الاتصال الرئيسية مع الأجهزة التنفيذية للدولة، في وقت بات التواصل المباشر مع المرشد بالغ التعقيد.
ونقلت تقارير عن مصادر إيرانية لصحيفة “نيويورك تايمز” أن الرسائل كانت تُنقل إليه خطيًا عبر أشخاص موثوقين، فيما تحصّن هو نفسه في ملجأ خالٍ من أي اتصال إلكتروني تجنبًا لأي اختراق سيبراني أو تشويش قد يكشف موقعه.
وقدّر أحد التقارير الفارسية عمق شبكة الملاجئ في لويزان بما بين 90 و100 متر تحت الأرض، واعتبرها أكثر تحصينًا من منشأة فوردو النووية المحمية، مشيرًا إلى أن خامنئي كان يتنقل بين أكثر من ملجأ ضمن هذه الشبكة تبعًا للتهديدات الأمنية المتغيرة.
أقرأ أيضا:تفاصيل المرحلة الانتقالية في إيران بعد مقتل علي خامنئي وباكبور وشمخاني في هجوم أمريكي إسرائيلي
السرية القصوى: مرافقة معصوبي الأعين
لإحاطة موقع الملجأ بأقصى درجات التكتم، تحدثت “إيران إنترناشيونال” عن أن المسؤولين الراغبين في لقاء خامنئي كانوا يُنقلون إلى موقع اختبائه معصوبي الأعين. وذكر عضو في الحرس الثوري، رفض الكشف عن هويته، أن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني كان من بين من نُقلوا بهذه الطريقة، قبل سفره إلى عُمان للقاء مسؤولين هناك.
ما كشفته الضربات: شبكة بطول خمسة كيلومترات
بعد الهجمات الإسرائيلية المكثفة على محيط المجمع الحكومي “باستور” في طهران، نشر الجيش الإسرائيلي مقاطع فيديو لتونلات شبكة الملاجئ. وبتحليل هذه المقاطع باستخدام أدوات قياس، قدّرت “إيران إنترناشيونال” أن طول الأنفاق يقارب خمسة كيلومترات، وأن المنشأة المركزية تقع جنوب غرب مبنى الرئاسة، تحديدًا تحت مركز طبي تابع لوزارة الجهاد الزراعي يحمل اسم “شهيد شوريده”، يعمل منذ عام 1985 ويُعد جزءًا ظاهريًا من مجمع باستور الحكومي.
وبناءً على ارتفاع المنحدرات وأطوال المركبات الظاهرة في الصور، قُدّر عمق المنشأة المركزية تحت مجمع “شوريده” بما بين 40 و50 مترًا.
أعلن الجيش الإسرائيلي لاحقًا أن نحو 50 مقاتلة حربية شاركت في قصف وتدمير هذا المخبأ المحصّن.
مقتل خامنئي وتسلسل الأحداث
في 28 فبراير 2026، أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني مقتل علي خامنئي. وذكرت وكالة “تسنيم” أنه كان وقت الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي في مكتبه بـ”بيت رهبري” وقُتل هناك، في تناقض مع تقارير سابقة أفادت بنقله إلى الملجأ تحت الأرض. وعلى الفور، أعلن علي لاريجاني أنه سيتم تشكيل مجلس قيادة مؤقت لإدارة المرحلة الانتقالية.
من جهتها، نقل موقع “إرم نيوز” عن تقرير إسرائيلي أن مديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية شكّلت فريقًا سريًا خاصًا ضم شعبة الأبحاث والوحدة 8200 للحرب الإلكترونية والوحدة 9900 للاستطلاع البصري ووحدة الاستخبارات الفضائية، وتمكّن هذا الفريق من رصد تحركات خامنئي اليومية عبر مراقبة هواتف المقربين منه والوصول إلى كاميرات متصلة بالإنترنت في أنحاء إيران، ثم تغذية هذه البيانات إلى نظام ذكاء اصطناعي حلّل الأنماط وتوقع المسارات المحتملة.
وبلغت العملية ذروتها صباح 28 فبراير عند الساعة 8:15 بالتوقيت المحلي، حين أكد التعاون بين الاستخبارات وسلاح الجو وجود خامنئي داخل مجمع كبير في طهران إلى جانب شخصيات أمنية رفيعة.
بين رواية “حبيب إبراهيمي” وسط طهران ورواية ملجأ لويزان، تتقاطع التقارير المختلفة على صورة واحدة: نظام أمني متعدد الطبقات بُني على مدى سنوات لضمان بقاء القيادة الإيرانية فاعلة حتى تحت أعنف الضربات العسكرية.
إلا أن اختراق هذه السرية، سواء عبر التتبع الاستخباراتي الرقمي أو عبر تحليل الصور الجوية بعد الضربات، يكشف أن حتى أكثر المنشآت تحصينًا لم تكن كافية في النهاية لمنع وصول الضربة إلى هدفها.



