لماذا تأخر الاتفاق الأمريكي الإيراني وما السيناريوهات المحتملة؟

كتبت: منار حجاج
رغم تعدد جولات التفاوض والوساطات الإقليمية والدولية، لا يزال الاتفاق الأمريكى الإيرانى بعيدًا عن التحقق، وسط تشابك غير مسبوق بين الملف النووي والعقوبات الاقتصادية والتطورات الأمنية المتسارعة في الشرق الأوسط، فبينما تسعى واشنطن إلى فرض قيود صارمة على البرنامج النووى الإيرانى وضمان أمن حلفائها وممرات الطاقة الدولية، وتتمسك طهران بحقها في التخصيب ورفع العقوبات بشكل كامل، ما يجعل هوة الخلافات قائمة رغم استمرار قنوات التواصل غير المباشرة.
وتزداد تعقيدات المشهد مع تصاعد الأزمات الإقليمية من لبنان إلى البحر الأحمر ومضيق هرمز، الأمر الذي حوّل المفاوضات من نقاش حول البرنامج النووي فقط إلى ملف شامل يرتبط بتوازنات القوى والنفوذ في المنطقة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبرز تساؤلات عدة حول أسباب تأخر التوصل إلى اتفاق جديد، والسيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الوساطات الدولية علي كسر حالة الجمود ودفع الطرفين نحو تسوية سياسية تجنب المنطقة مزيدًا من التصعيد.
وفي هذا الصدد يقول ياسر الحايك، متخصص في الشأن الأمريكي: “يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا حاليًا هو مزيج معقد من الدبلوماسية القسرية تحت حافة الهاوية، فرغم إعلان طهران مؤخرًا تعليق تبادل الرسائل الدبلوماسية عبر الوسيط الباكستاني احتجاجًا على الخروقات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، إلا أن التصريحات الصادرة من واشنطن تؤكد أن قنوات الاتصال لم تنقطع تمامًا وأن الإدارة الأمريكية لا تزال تضغط لانتزاع اتفاق، مما يعني أن استمرار التصعيد الميداني المتقطع وحرب الحصار البحري يسيران بالتوازي مع محاولات إحياء التفاوض لتجنب الانفجار الشامل”.
فجوات نووية وسياسية عميقة
ويتابع ياسر الحايك: “الفجوات لا تزال عميقة وجوهرية بعد التغيير الهيكلي في النظام الإيراني ومقتل القيادة السابقة في الضربات الأولى للحرب؛ وتتمثل المعضلة الفنية والسياسية الحالية في الإصرار الأمريكي المدعوم من إدارة ترامب على صيغة “صفر تخصيب” وتفكيك كامل للمنشآت الحيوية مع سحب المواد المخصبة سابقًا إلى الخارج، في حين تتمسك الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية والقيادة الجديدة في طهران بالحق في التخصيب السلمي وترفض فرض قيود زمنية طويلة الأمد تفوق الخمس سنوات، مقارنة بالمقترح الأمريكي الذي يطالب بمدى زمني يصل إلى عشرين عامًا”.
ويشير الحايك إلى أن:” الوساطات الدولية طرحت مقترحات تقوم على فكرة التخفيف التدريجي والمشروط، بحيث تقدم واشنطن دعمًا لبرنامج نووي مدني إيراني مع تحرير جزئي للأصول المجمدة مقابل تجميد طهران الفوري والكامل للتخصيب وتسليم مخزونها الحالي، إلا أن هذه الصيغة تواجه عقبة التوقيت؛ فطهران تطالب برفع كامل وشامل للعقوبات الاقتصادية وإنهاء الحصار البحري المفاهد قبل تقديم أي تنازلات جوهرية، بينما تصر واشنطن على أن يكون رفع العقوبات خطوة نهائية تتوج الالتزام الإيراني الكامل”.
أزمة الثقة بعد انسحاب 2018
ويستكمل ياسر الحايك حديثه: “دمّر انسحاب عام 2018 ما تبقى من جدار الثقة الهش وجعل طهران تنظر إلى الوعود الأمريكية بوجس دائم، وتطالب طهران اليوم بضمانات دولية قانونية واقتصادية ملزمة تمنع أي إدارة أمريكية مستقبلية من إلغاء الاتفاق، إلى جانب المطالبة بتعويضات عن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الحرب والعقوبات، بالمقابل، تطالب واشنطن بضمانات عسكرية صارمة وآليات تفتيش دولية فورية ومباغتة ومطلقة الصلاحيات لضمان عدم وجود مسارات سرية لتطوير السلاح النووي، مع الاحتفاظ بحق التفعيل التلقائي للعقوبات “Snapback” دون العودة لمجلس الأمن”.
ضغوط داخلية تعرقل التنازلات
ويقول الحايك: “تواجه القيادتان كوابح داخلية شديدة التعقيد؛ ففي واشنطن يواجه الرئيس ترامب ضغوطًا من الصقور في الكونغرس رغم تمرير مجلس النواب مؤخرًا لقرار رمزي يطالب بإنهاء العمليات العسكرية دون تفويض، حيث يُتهم البيت الأبيض بتقديم تنازلات لا تضمن التفكيك الكامل للقدرات الإيرانية، أما في طهران، فإن المجلس الأعلى للأمن القومي وقيادات الحرس الثوري التي تسيطر على المشهد السياسي بعد غياب القائد الأعلى السابق، ترى في تقديم أي تنازلات انكسارًا لسيادة الدولة ومساسًا بشرعية النظام الجديد أمام الجبهة الداخلية المثقلة بالاحتجاجات والضغوط الاقتصادية”.
تشابك الملف النووي بالأزمات الإقليمية
ويوضح المتخصص في الشأن الأمريكي: “لقد بات من المستحيل عمليًا فصل الملف النووي عن الأزمات الإقليمية، خاصة بعد أن تحولت الحرب الحالية إلى مواجهة متعددة الجبهات؛ وتصر الإدارة الأمريكية على أن أي اتفاق دائم يجب أن يشمل قيودًا صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية ووقف دعم الفصائل المسلحة في المنطقة، في المقابل، تستخدم طهران نفوذها الإقليمي وقدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب كأوراق ضغط أساسية لتحسين شروطها التفاوضية في الملف النووي، مما جعل الملفات حزمة واحدة لا تقبل التجزئة”.
مكاسب متبادلة وخطوط حمراء
ويؤكد الحايك:” تسعى واشنطن من خلال أي اتفاق إلى تحقيق مكسب استراتيجي يضمن حرمان إيران نهائيًا من القدرة على تطوير سلاح نووي، وتأمين الممرات المائية الدولية الحيوية للتجارة والطاقة، وإعادة صياغة التوازنات الإقليمية لصالح حلفائها، بينما تتمثل خطوط طهران الحمراء في رفض التخلي المطلق عن تخصيب اليورانيوم، ورفض المساس بمنظومتها الصاروخية الدفاعية، واشتراط إنهاء الحصار البحري الأمريكي المفروض على موانئها فورًا كجزء من أي تهدئة”.
تداعيات إقليمية واسعة
ويتابع ياسر: “تدفع التطورات الحالية المنطقة نحو حالة من عدم الاستقرار المزمن والتأرجح على حافة الحرب الشاملة؛ وحصار مضيق هرمز تسبب بالفعل في أزمة وقود واضطرابات اقتصادية عالمية، بينما تشتعل الجبهات الثانوية من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر، مما يهدد بتحول أي خطأ في الحسابات الميدانية بين القوى العظمى والإقليمية إلى مواجهة مدمرة تطال البنية التحتية النفطية والاقتصادية لدول الخليج والمنطقة بأكملها”.
دور الوساطات في منع الانفجار
ويستطرد الحايك:” تلعب الوساطات الإقليمية والدولية دور “صمام الأمان” الوحيد لمنع انهيار التهدئة المؤقتة؛ ورغم تعثر محادثات إسلام آباد، لا تزال باكستان وسلطنة عمان تقودان جهودًا حثيثة لتقريب وجهات النظر ونقل الرسائل المتبادلة، وتتحرك هذه الوساطات بهامش مناورة ضيق لمحاولة صياغة إطار عمل يجمع بين المطالب الأمريكية الـ 15 والمقترحات الإيرانية المضادة، لكن نجاحها يظل مرهونًا بمدى مرونة القرار السياسي في واشنطن وطهران”.
ويستكمل ياسر:” أدى وقف إطلاق النار الجزئي والهش بين حزب الله وإسرائيل إلى خفض مؤقت لحدة العمليات العسكرية الكبرى في بيروت وشمال إسرائيل، إلا أنه لم ينجح في احتواء التصعيد الإقليمي بشكل كامل نظرًا لاستمرار التوغل الإسرائيلي في الجنوب واشتراط إيران وجماعاتها وقفًا شاملًا ومكتمل الأركان لكافة العمليات العسكرية كشرط مسبق للعودة للتفاوض، ومؤخرًا، هددت طهران بإعادة تفعيل الصراع الشامل مع واشنطن في حال تجدد القصف الإسرائيلي على العاصمة اللبنانية، مما يوضح أن الضغوط الأمريكية حققت تهدئة مؤقتة مهددة بالانهيار في أي لحظة”.
ويتابع الحايك:” ستواجه الولايات المتحدة تحدي الكلفة الاقتصادية الباهظة للانتشار العسكري والحصار البحري طويل الأمد، إلى جانب الضغوط السياسية الداخلية والدولية الناجمة عن اضطراب أسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط، أما إيران، فستواجه خطر الانهيار الاقتصادي التام تحت وطأة الحصار الشامل، واحتمالية تجدد الاضطرابات الاجتماعية العنيفة في الداخل، فضلًا عن التهديد العسكري المستمر بشن ضربات أمريكية وإسرائيلية جديدة تستهدف ما تبقى من بنيتها التحتية الحيوية وقدراتها التسليحية”.
بين التأجيل والاتفاق
ويشير الحايك إلى أن :”التأجيل والمماطلة وشروط حد القضم المتبادل تظل السيناريوهات الأقرب خلال الأسابيع المقبلة، فرغم تأكيدات واشنطن بوجود تقدم في بعض النقاط الفنية المتعلقة بالملف النووي، إلا أن التصلب الإيراني الأخير وربط المفاوضات بإنهاء الحرب على كافة الجبهات الإقليمية يشير إلى أن التوصل لاتفاق نهائي وشامل لا يزال بعيد المنال، وأن الطرفين يفضلان استمرار حالة التهدئة الهشة والمناورات السياسية لكسب الوقت وتحسين أوراق القوة والمساومة”.
التطورات الإقليمية.. العامل الحاسم
ويختتم الحايك حديثه قائلًا:”العامل الأكثر تأثيرًا وحسمًا في تأخير الاتفاق هو التطورات الإقليمية الميدانية المتداخلة وذلك لأن الخلافات حول الملف النووي وآليات رفع العقوبات باتت قضايا فنية يمكن إيجاد صيغ دبلوماسية لها في حال توفرت الإرادة السياسية، لكن ارتباط مصير الاتفاق بوقف الحرب في لبنان والسيطرة على مضيق هرمز ونفوذ الفصائل الإقليمية جعل كل طرف يرى في التنازل الإقليمي تهديدًا مباشرًا لأمنه القومي وجودته الاستراتيجية، مما حوّل الساحة الإقليمية المشتعلة إلى العقدة الأساسية التي تكبل أي تقدم في المسار الدبلوماسي النووي”.



