تقارير

قيادة استراتيجية جديدة لمصر.. لماذا دشن السيسي “الأوكتاغون” في هذا التوقيت؟ وما أبرز التحديات التي دفعته إلى ذلك؟

افتتحت مصر مجمع القيادة الاستراتيجية الجديد للقوات المسلحة، المعروف باسم “الأوكتاغون“، في خطوة تعد من أكبر عمليات تطوير منظومة القيادة العسكرية في تاريخ الدولة المصرية الحديث، وذلك بالتزامن مع سلسلة قرارات رئاسية شملت إعادة تشكيل الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، وإجراء تغييرات في عدد من القيادات العسكرية، وهو ما يعكس توجهاً نحو رفع مستوى الجاهزية لمواجهة تحديات أمنية وإقليمية متسارعة.

ولم يقتصر الحدث على افتتاح مقر جديد لوزارة الدفاع داخل العاصمة الإدارية الجديدة، بل جاء ضمن مشروع استراتيجي استغرق تنفيذه عدة سنوات، ويهدف إلى إنشاء مركز موحد لإدارة العمليات العسكرية والأمنية والأزمات الوطنية، اعتماداً على أحدث أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات، بما يسمح باتخاذ القرارات بسرعة وكفاءة خلال الحروب أو الكوارث أو حالات الطوارئ.

ويأتي الإعلان الرسمي عن افتتاح “الأوكتاغون” في توقيت تشهد فيه المنطقة تغيرات متلاحقة، بداية من استمرار النزاعات المسلحة في عدد من الدول المجاورة، مروراً بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ووصولاً إلى تنامي المخاطر المرتبطة بالحروب الحديثة والأزمات الاقتصادية والبيئية، وهو ما دفع الدولة المصرية إلى استكمال منظومة قيادة استراتيجية قادرة على التعامل مع أكثر من أزمة في وقت واحد.

مشروع استراتيجي بدأ قبل سنوات

تشير المعلومات إلى أن العمل داخل مجمع “الأوكتاغون” لم يبدأ مع الإعلان الرسمي عن افتتاحه، إذ انتقلت بعض الإدارات والهيئات العسكرية إلى مقارها الجديدة قبل نحو عامين، بينما استمرت أعمال تجهيز منظومات القيادة والسيطرة والتشغيل حتى أصبح المجمع جاهزاً للعمل بصورة كاملة.

ويعد المشروع أحد أكبر المجمعات العسكرية في المنطقة، إذ يقع داخل العاصمة الإدارية الجديدة على مساحة تقترب من 22 ألف فدان، ويضم 13 منطقة استراتيجية تشمل منشآت عسكرية وإدارية ولوجستية، إضافة إلى ثمانية مبانٍ خارجية ذات تصميم مثمن تحيط بالمبنيين الرئيسيين اللذين يمثلان مركز القيادة والسيطرة.

ويحتوي المجمع على مركز تنسيق أعمال دفاع الدولة، ومركز البيانات الاستراتيجي الموحد، ومركز التحكم في الشبكة الاستراتيجية المغلقة للدولة، فضلاً عن مراكز تشغيل شبكات الاتصالات والطوارئ وإدارة المرافق الحيوية، بما يتيح إدارة العمليات العسكرية والأمنية والمدنية من موقع واحد.

لماذا جاء الافتتاح في هذا التوقيت؟

ترى الدولة المصرية أن البيئة الأمنية المحيطة أصبحت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، مع تزامن عدة أزمات إقليمية ودولية قد تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الأمن القومي المصري.

ويستند هذا التقييم إلى اتساع نطاق التهديدات على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية، سواء على الحدود الجنوبية أو الشرقية أو الغربية، إضافة إلى التطورات في البحر الأحمر وشرق البحر المتوسط، فضلاً عن التحديات الاقتصادية والمائية التي أصبحت جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن القومي.

ولهذا، جاء افتتاح “الأوكتاغون” بالتوازي مع إعادة هيكلة الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، بهدف إنشاء منظومة موحدة تستطيع تنسيق عمل القوات المسلحة والشرطة والوزارات والأجهزة التنفيذية المختلفة تحت قيادة مركزية واحدة.

السودان في مقدمة التحديات

يضع صانعو القرار في مصر الحرب المستمرة في السودان ضمن أبرز التحديات الأمنية، في ظل استمرار الصراع للعام الرابع دون التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

وتخشى القاهرة من أن يؤدي استمرار الحرب إلى زيادة الضغوط على الحدود الجنوبية، سواء من خلال موجات النزوح أو انتشار الأسلحة أو تسلل عناصر مسلحة، وهو ما يفرض الحفاظ على أعلى درجات الاستعداد العسكري والأمني.

كما تتابع مصر التطورات الإنسانية والسياسية داخل السودان، باعتبار استقرار هذا البلد يمثل أحد ركائز الأمن القومي المصري.

غزة والحدود الشرقية

تبقى الجبهة الشرقية من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للقاهرة، خاصة مع استمرار الحرب في قطاع غزة وما يصاحبها من تطورات أمنية.

وتؤكد الدولة المصرية رفضها لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، كما تعتبر الحفاظ على الترتيبات الأمنية القائمة أولوية استراتيجية، وهو ما دفع إلى استمرار تعزيز الجاهزية العسكرية على الحدود الشرقية تحسباً لأي تطورات مفاجئة.

ليبيا والحدود الغربية

لا تزال الأوضاع في ليبيا تمثل تحدياً مستمراً، نتيجة استمرار الانقسام السياسي وتعثر العملية الانتخابية واحتمالات عودة المواجهات المسلحة.

كما تواجه مصر تحديات مرتبطة بعمليات تهريب السلاح والهجرة غير الشرعية وتحركات الجماعات المسلحة عبر الحدود الغربية الممتدة لأكثر من ألف كيلومتر، وهو ما يتطلب متابعة أمنية وعسكرية دائمة.

البحر الأحمر وشرق المتوسط

تشمل الحسابات الاستراتيجية أيضاً التطورات في البحر الأحمر ومضيق هرمز، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واحتمالات تعطل حركة الملاحة الدولية، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على قناة السويس وإيراداتها.

كما تراقب القاهرة التطورات في شرق البحر المتوسط، الذي يمثل أحد أهم مناطق إنتاج ونقل الغاز الطبيعي، ويعد جزءاً أساسياً من الأمن الاقتصادي المصري.

تؤكد التقديرات العسكرية أن طبيعة الصراعات تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، بعدما أثبتت الحروب الحديثة قدرة الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى والأسلحة الذكية على استهداف العمق الاستراتيجي للدول.

كما أصبحت الهجمات السيبرانية والحروب الإلكترونية تمثل أحد أخطر التهديدات، الأمر الذي استدعى إنشاء منظومة قيادة تعتمد على شبكات اتصالات مؤمنة وأنظمة قيادة وسيطرة متطورة قادرة على العمل في مختلف الظروف.

مكافحة الإرهاب ما زالت أولوية

رغم النجاحات الأمنية التي تحققت في شمال سيناء، ترى الدولة أن خطر الإرهاب لم ينته بشكل كامل، خاصة مع استمرار بؤر الصراع في عدد من الدول المجاورة، وإمكانية إعادة تنشيط بعض التنظيمات المتطرفة.

ولهذا تواصل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية رفع مستوى الجاهزية لمنع أي محاولات لعودة النشاط الإرهابي، بما يحافظ على الاستقرار الداخلي ويهيئ البيئة المناسبة للتنمية والاستثمار.

أزمة المياه ضمن أولويات الأمن القومي

لا تقتصر التحديات على الملفات العسكرية، إذ تضع مصر أزمة المياه ضمن أخطر القضايا الاستراتيجية، في ظل استمرار الخلاف بشأن سد النهضة وتعثر المفاوضات.

وتعتبر القاهرة أن الأمن المائي يرتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي والاقتصادي والاجتماعي، لذلك يظل هذا الملف ضمن أولويات مؤسسات الدولة عند إعداد تقديرات الأمن القومي.

الأزمات الاقتصادية والكوارث

أظهرت السنوات الأخيرة أن الأزمات الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة واضطراب سلاسل الإمداد يمكن أن تؤثر على استقرار الدول بنفس قدر تأثير التهديدات العسكرية.

ومن هنا جاء تصميم منظومة القيادة الجديدة بحيث تكون قادرة على إدارة الأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية والطوارئ الصحية، إلى جانب إدارة العمليات العسكرية والأمنية.

إعادة تشكيل إدارة الأزمات

بالتزامن مع افتتاح “الأوكتاغون”، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارات بإعادة تشكيل الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، شملت ترقية الفريق بسيوني سالم ربيع لرئاسة الهيئة، وتعيين عدد من القيادات العسكرية والأمنية بها، بهدف تعزيز التكامل بين القوات المسلحة والشرطة ومؤسسات الدولة المختلفة.

ويستهدف هذا التوجه الانتقال من سياسة التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى منظومة تعتمد على تقييم المخاطر مسبقاً، والتخطيط الاستباقي، وسرعة اتخاذ القرار، وتوحيد الجهود في مواجهة أي تهديد أو أزمة.

رسالة تتجاوز افتتاح مقر جديد

يعكس افتتاح “الأوكتاغون” تحولاً في فلسفة إدارة الأمن القومي المصري، حيث لم يعد التركيز مقتصراً على مواجهة الحروب التقليدية، بل أصبح يشمل إدارة التهديدات العسكرية والاقتصادية والبيئية والسيبرانية ضمن منظومة واحدة.

ويرى مراقبون أن المجمع يمثل العقل الاستراتيجي الجديد للدولة المصرية، ويهدف إلى تعزيز سرعة الاستجابة للأزمات، ورفع كفاءة التنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة، بما يواكب طبيعة التحديات المتغيرة التي تشهدها المنطقة خلال المرحلة الحالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى