تقارير

كيف تعرضت طموحات باكستان العسكرية لانتكاسة في أفريقيا ؟

كتبت: مريم حسن

في مشهد دبلوماسي-عسكري لافت، انهارت في أبريل 2026 واحدة من أكثر صفقات التسليح الباكستانية طموحًا في تاريخها الحديث، لا بسبب خلاف بين البائع والمشتري، بل بسبب تدخل طرف ثالث كان حتى وقت قريب الحليف الأقرب لإسلام آباد.

القصة هنا ليست عن صفقة أسلحة فحسب، بل عن كشف هشاشة استراتيجية عميقة: حلم باكستان في أن تصبح قوة أمنية مؤثرة في أفريقيا تبيّن أنه مرهون بالكامل بمحفظة سعودية يمكن أن تغلق في أي لحظة

أفادت وكالة رويترز نقلاً عن مصدرين أمنيين باكستانيين ومصدر دبلوماسي بأن إسلام آباد علقت هذه الصفقة، المقدّرة بنحو 1.5 مليار دولار، بعد أن طلبت السعودية إنهاء الاتفاق وأعلنت أنها لن تمول عملية الشراء.

الانتكاسة — انسحاب السعودي وانهيار صفقة السودان

بحسب تقرير مجلة “ذا دبلومات” (The Diplomat) المتخصصة في شؤون آسيا والمحيط الهادئ، انسحبت السعودية في أبريل 2026 من تمويل صفقة السودان وضغطت على إسلام أباد لإلغائها كليًا.

هذا التراجع لم يكن مرتبطًا بباكستان نفسها، بل بتحول في النهج السعودي الإقليمي بشكل عام، حيث ذكر التقرير أن الرياض أصبحت تفضل “التهدئة وضبط النفس الاستراتيجي” على الانخراط العميق في صراعات خارجية معقدة كحرب السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع — صراع تسبب في عشرات آلاف القتلى وملايين النازحين واتهامات بارتكاب جرائم جنسية جماعية.

أقرأ أيضا:بعد محادثات واشنطن.. ماذا يريد الرئيس الإيراني من باكستان؟

تداعيات الانهيار

خطر امتداد الأزمة لصفقة ليبيا: التقرير يشير إلى أن صفقة الـ4 مليارات دولار مع ليبيا “قد تكون أيضًا في مهب الريح” مع إعادة الرياض تقييم انخراطها الأفريقي ككل.

وإذا انهارت هذه الصفقة أيضًا، فإن ذلك سينهي عمليًا طموح إسلام أباد في “ترسيخ نفسها كفاعل أمني” على القارة الأفريقية.

كشف هشاشة استراتيجية: تمثل المبادرات الخارجية الطموحة التي تعتمد على دعم مالي من الخليج أو شركاء آخرين محكوم عليها بالفشل لأنها مرهونة بأولويات هؤلاء الشركاء المتغيرة”، وأن باكستان “تفتقر، دون دعم خارجي، للموارد الاقتصادية اللازمة لإدامة مشاريع استراتيجية كبرى في الخارج.

صحيفة هندية (IANS) لخصت الأمر بأن “تعرض حدود مساعي باكستان الأوسع لفرض نفوذ أكبر في أفريقيا”، وأن طموحاتها أن تصبح “مُصدّرًا دفاعيًا كبيرًا” تتعثر بسبب “هشاشة اقتصادية واعتماد على تمويل خارجي وأولويات حلفائها الأساسيين المتغيرة”.

أقرأ أيضا:الولايات المتحدة تعترف بالفشل في إقناع أطراف الصراع السوداني بقبول خطة السلام

صفقة السودان: بوابة أفريقية كبيرة لباكستان

كانت هذه الصفقة تمثل بالنسبة لباكستان واحدة من أهم عقود تصدير السلاح في تاريخها، إذ كان ينظر إليها كبوابة استراتيجية لدخول الأسواق الأفريقية في مجال الصناعات الدفاعية.

وتضمنت، وفق المعطيات المتداولة، طائرات هجوم خفيف من طراز K-8 Karakoram، إلى جانب مئات الطائرات المسيّرة، ومركبات مدرعة، وأنظمة دفاع جوي متقدمة يعتقد أنها ذات أصل صيني تم تمريرها عبر قنوات باكستانية، وطائرات تدريب “سوبر مشاق”.

والبند الأهم، وإن لم يؤكد رسمياً، كان مقاتلات JF-17 Thunder Block III متعددة المهام بسعر يتراوح بين 25 و30 مليون دولار للوحدة.

وكان من شأن هذه الصفقة أن تنقل باكستان من مجرد مورد إقليمي محدود إلى لاعب أمني مؤثر في عدد من بؤر النزاع داخل أفريقيا.

الدور السعودي وتوازنات النفوذ

عُقد اجتماع في الرياض في مارس 2026 بين قادة الجيش السوداني وسلطات سعودية أدى إلى قرار إنهاء التمويل.

وبحسب التحليلات، شكل هذا القرار نقطة تحول، وأعاد التأكيد على اعتماد باكستان في جزء من تحركاتها الجيوسياسية على دعم خارجي.

أحد المصدرين الأمنيين أوضح لرويترز أن دولاً غربية نصحت الرياض بالابتعاد عن “الحروب بالوكالة” في أفريقيا.

وبحسب تحليل houseofsaud، لم تكتفِ السعودية بوقف الصفقة، بل استبدلت باكستان كوسيط رئيسي: استقبل ولي العهد محمد بن سلمان رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في جدة يوم 21 أبريل، بحضور وزراء الدفاع والخارجية ورئيس الاستخبارات السعوديين، في الأسبوع نفسه الذي جمِدت فيه الصفقة ،كما أسس “مجلس التنسيق السعودي-السوداني” في أكتوبر 2025، مما أرسى علاقة أمنية سعودية مباشرة مع الخرطوم دون الحاجة لوساطة باكستانية.

تشير هذه التطورات إلى أن الرياض بدأت تعيد تقييم انخراطها في بعض الملفات الأفريقية، مفضلة نهجاً أكثر حذراً وتقليل الانخراط في الصراعات الإقليمية المعقدة.

وبعض التحليلات تربط التوقيت أيضاً بزيارة قائد الجيش الباكستاني الفيلد مارشال عاصم منير لمقر الحرس الثوري الإيراني في طهران قبل 48 ساعة من تجميد الصفقة، في ظل دور باكستان كوسيط في وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة — وهو ما يضع إسلام آباد، الحليف السعودي بموجب اتفاق الدفاع المشترك، في موقع وسيط مزدوج غير مريح للرياض.

أقرأ أيضا:السعودية تشدد على دعم الوساطة الباكستانية وعودة الملاحة في مضيق هرمز

استراتيجية باكستان في العالم الإسلامي

تعتمد باكستان منذ عقود على تعزيز مكانتها كالدولة الإسلامية الوحيدة المالكة لسلاح نووي، في إطار استراتيجية تجمع بين الدبلوماسية والتعاون العسكري والدعم السياسي لعدد من القضايا الإسلامية حول العالم.

وقد شاركت إسلام آباد تاريخياً في أدوار مختلفة، من دعم بعض الدول العربية في صراعاتها مع إسرائيل، إلى المشاركة في دعم المقاومة الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي، وصولاً إلى أدوار في مناطق أخرى مثل البلقان.

ويرى محللون أن صفقة السودان كانت امتداداً لهذا النهج، ومحاولة لتوظيف العلاقات الدينية والسياسية لتعزيز النفوذ في أفريقيا.

تقاطعات السودان وباكستان

يمثل السودان حالة جذابة لباكستان بسبب وجود تشابهات سياسية وتاريخية بين البلدين، إذ عانى كل منهما من انقسامات داخلية وصراعات إقليمية، إضافة إلى فترات طويلة من الحكم العسكري.

كما أن انفصال أجزاء رئيسية من البلدين في فترات مختلفة (انفصال بنغلاديش عن باكستان عام 1971، وانفصال جنوب السودان عام 2011) عزز من تقارب الرؤية السياسية والأمنية بين الخرطوم وإسلام آباد.

البعد الاقتصادي للصناعة العسكرية

بالنسبة لباكستان، كان الاتفاق يمثل فرصة مهمة لتوسيع صادراتها الدفاعية، في وقت تواجه فيه ضغوطاً اقتصادية متكررة ونقصاً في العملات الأجنبية، ما دفعها للبحث عن أسواق جديدة في أفريقيا.

وكان ينظر إلى السودان كمدخل لأسواق أوسع تشمل القرن الأفريقي وشرق أفريقيا ومنطقة الساحل، مثل نيجيريا وإثيوبيا.

وعلى الصعيد الرسمي، كان وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف قد وصف صادرات الأسلحة بأنها قد تخفّض اعتماد باكستان على صندوق النقد الدولي، بل ذهب للقول إن باكستان “قد لا تحتاج صندوق النقد الدولي في غضون ستة أشهر”.

وكانت صفقات JF-17 المرتقبة عبر دول متعددة، بما فيها السودان وليبيا، تقدَّر بنحو 13 مليار دولار، وكان من المفترض أن ترفع احتياطيات باكستان بنسبة 82%، في وقت تخضع فيه باكستان حالياً لبرنامجها الـ25 مع صندوق النقد الدولي بقيمة 7 مليارات دولار.

أقرأ أيضا:كيف فشلت الهند في عزل باكستان عالمياً؟

أبعاد إقليمية ودولية

تشير التقارير إلى أن المشروع كان يعكس أيضاً تقارباً غير مباشر بين باكستان والصين وتركيا، من خلال استخدام أنظمة دفاع صينية الصنع وتوافق سياسي في بعض الملفات الإقليمية.

ويعتقد أن هذا التعاون الثلاثي كان قد يساهم في تعزيز نفوذ غير غربي في مناطق حساسة من أفريقيا، خصوصاً على امتداد البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

 تقييم سعودي للمشهد الأفريقي

يرى محللون أن القرار السعودي يعكس تحولاً أوسع في السياسة الإقليمية، يقوم على تقليل الانخراط في الصراعات بالوكالة والتركيز على الاستقرار.

ويعتقد أن هذا التغير قد ينعكس أيضاً على مشاريع أخرى مماثلة كانت باكستان تأمل في توسيعها داخل ليبيا أو مناطق أخرى في أفريقيا — وبالفعل، كشفت مصادر أمنية أن صفقة أخرى بقيمة 4 مليارات دولار مع الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر (تشمل 12 مقاتلة JF-17 و16 طائرة تدريب، وقعت في ديسمبر 2025) أصبحت أيضاً “محل إعادة نظر” سعودية. تجميد صفقتي السودان وليبيا معاً، بقيمة 5.5 مليار دولار، يضرب مخطط التوسع الباكستاني في الصميم.

لماذا التزمت الأطراف الصمت؟

نقطة لافتة تكررت في كل التقارير: لم يصدر أي تعليق رسمي من المكتب الإعلامي للحكومة السعودية، ولا من القوات المسلحة السودانية، ولا من الجيش الباكستاني أو وزارة الخارجية الباكستانية، التي لم تكن قد أكدت وجود الصفقة من الأساس.

هذا الصمت اعتُبر “بياناً بذاته”: إسلام آباد، وهي في الوقت نفسه وسيط إيران الوحيد الموثوق وحليف السعودية بموجب معاهدة الدفاع، تفضل استيعاب الخسارة المالية دون مجازفة بالعلاقة الأوسع مع الرياض.

في المقابل، نشر موقع باكستاني (WE News) تشكيكاً في صحة رواية رويترز، معتبراً أنها تقوم على مصادر مجهولة غير خاضعة للمساءلة، مشيراً إلى غياب أي تأكيد رسمي من وزارة الخارجية الباكستانية أو الجهاز الإعلامي للجيش (ISPR).

المال أم السلاح؟

انهيار صفقة السودان يقوّض المنطق العسكري للصفقة، لأن باكستان لا تملك آلية تمويل بديلة سريعة لتغطية عقد بهذا الحجم دون الدعم السعودي.

ويرى محللون أن عملاء محتملين آخرين، في العراق وأذربيجان ونيجيريا، سيلاحظون أن صفقة “شارفت على الاكتمال” انهارت بفعل تراجع طرف تمويل ثالث، وهو ما يضرّ بمصداقية باكستان كمصدر يمكن الاعتماد عليه، بصرف النظر عن قدرة مجمع كامرا الصناعي على الإنتاج.

السعودية تتحكم فعلياً ببنية تمويل صادرات باكستان الدفاعية إلى العالم العربي، وتفعل أو تسحب هذا التمويل بحسب ما يخدم مصالحها الإقليمية في كل لحظة، مما يجعل طموح إسلام آباد كمصدر أسلحة كبير في أفريقيا رهينة لقرار سياسي سعودي قابل للانقلاب في أي اتجاه.

تأتي هذه التطورات في ظل استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، وهي حرب أنتجت أحد أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، وحولت السودان إلى ساحة تنافس بين قوى إقليمية، نظراً لموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر وثرواته من الذهب.

وتشير مصادر سودانية إلى أن البرهان نفسه طلب من السعودية في ديسمبر 2025 تجميد أي ترتيبات لقواعد عسكرية أجنبية على ساحل البحر الأحمر، بما فيها مزاعم عن قاعدة بحرية روسية محتملة، إلى حين استقرار الأوضاع الداخلية في السودان.

في المحصلة، يمثل توقف التمويل السعودي للصفقة المتوقعة مع السودان ضربة لطموحات باكستان في التوسع العسكري داخل أفريقيا، ويطرح تساؤلات حول قدرتها على الاستمرار كفاعل أمني مستقل في القارة دون دعم خارجي.

ومع استمرار إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، يبدو أن مستقبل التوسع الباكستاني في أفريقيا بات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى