طفرة الذكاء الاصطناعي تهدد استقرار الدولار الأمريكي.. مخاوف من تحول الاستثمارات الأجنبية إلى «أموال ساخنة»

تثير الطفرة الاستثمارية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تساؤلات متزايدة بشأن قدرة الدولار الأمريكي على الاحتفاظ بمكانته ملاذًا آمنًا في أوقات اضطراب الأسواق، مع اعتماد جانب متنامٍ من تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية على أسهم التكنولوجيا الأمريكية وسندات الشركات ومشروعات البنية التحتية المرتبطة بهذه الصناعة.
وبحسب تقرير لوكالة «رويترز» نُشر في 28 أكتوبر 2026، فإن تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى الأصول الأمريكية، مدفوعًا بتوقعات النمو الاقتصادي الأعلى والعوائد المرتفعة، عزز قوة الدولار خلال الفترة الماضية. لكن تعثر الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي أو تراجع تقييمات الشركات قد يدفع المستثمرين إلى إعادة توجيه أموالهم بعيدًا عن الولايات المتحدة، بما يضع العملة الأمريكية أمام اختبار مختلف عن الأزمات السابقة.
تدفقات قياسية تثير مخاوف من تقلبات مفاجئة
شهدت الأسهم الأمريكية تدفقات أجنبية وصلت إلى مستويات قياسية، في وقت تراجع فيه الاستثمار الأجنبي المباشر. ويعني ذلك أن جزءًا كبيرًا من الأموال المتجهة إلى السوق الأمريكية يأتي من مؤسسات استثمارية تستطيع تعديل مراكزها بسرعة عند تغير توقعاتها بشأن النمو أو أسعار الفائدة أو تقييمات شركات التكنولوجيا.
ووصف إريك نيلسون، الرئيس العالمي لاستراتيجية العملات الأجنبية في «ويلز فارجو»، هذه التدفقات بأنها تشبه «الأموال الساخنة» التي تتحرك بكثافة في الأسواق الناشئة، إذ يمكن أن تدخل بحثًا عن عوائد مرتفعة ثم تغادر عند تغير الظروف.
وساهمت توقعات توسع قطاع الذكاء الاصطناعي في تعزيز الرهانات على تفوق الاقتصاد الأمريكي، ورفعت التوقعات المتعلقة بالنمو والتضخم وأسعار الفائدة، ما دعم الدولار بالتوازي مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة.
وقال نوح بوفام، استراتيجي العملات الأجنبية في «سي آي بي سي كابيتال ماركتس»، إن الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي دفعت الأسواق إلى إعادة تسعير توقعات أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات أعلى، وهو ما أسهم في صعود العملة.
الين والفرنك السويسري يجذبان المستثمرين
ظهرت مؤشرات مبكرة على تغير اتجاه الطلب على العملات خلال الأسبوع السابق، عندما تعرضت تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي لضغوط، واتجه المستثمرون نحو عملات تُستخدم تقليديًا ملاذات آمنة، وفي مقدمتها الين الياباني والفرنك السويسري، على حساب الدولار.
وفي المقابل، سجل الدولار مكاسب محدودة أمام اليورو، مدعومًا بصورة أساسية بتراجع العملة الأوروبية وسط مخاوف بشأن الاضطرابات المدنية في فرنسا.
وقال دومينيك بانينج، رئيس استراتيجية العملات الأجنبية لمجموعة العشر في «نومورا»، إن تراجع الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد لا يمنح الدولار الدعم نفسه الذي اعتاد الحصول عليه خلال فترات اضطراب الأسواق، بسبب ارتباطه المتزايد بهذه الاستثمارات.
كما أشار كيفن فورد، كبير استراتيجيي العملات الأجنبية والاقتصاد الكلي في «كونفيرا»، إلى أن العلاقة بين تجارة الذكاء الاصطناعي والدولار أصبحت أكثر وضوحًا مع خضوع تقييمات القطاع لمزيد من التدقيق.
ثلاثة مسارات قد تضغط على الدولار
يرى محللون أن اتساع نطاق التراجع في قطاع الذكاء الاصطناعي قد يضعف الدولار عبر ثلاثة مسارات مترابطة.
أولها، أن تباطؤ النمو الاقتصادي الأمريكي قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض أسعار الفائدة، ما يقلص ميزة العائد التي دعمت العملة أمام العملات الأخرى.
وثانيها، أن تراجع الاستثمارات المحلية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يضعف الرواية القائلة إن الاقتصاد الأمريكي سيواصل تحقيق أداء استثنائي مقارنة بالاقتصادات الكبرى الأخرى.
أما المسار الثالث، فيتمثل في انخفاض الطلب المؤسسي على الأسهم وسندات الشركات الأمريكية، وهو ما قد يحرم الدولار أحد مصادر الدعم المهمة التي استفاد منها خلال فترة الطفرة الاستثمارية.
ومع ذلك، لا يتوقع المحللون بالضرورة حدوث انعكاس سريع؛ إذ أظهر المستثمرون حتى الآن استعدادًا لشراء الأصول عند تراجع أسعارها، ما يعني أن أي ضعف مستمر قد يتشكل على مدى أشهر أو سنوات، وليس بالضرورة خلال فترة قصيرة.
تجربة فقاعة الإنترنت تقدم دروسًا مهمة
استشهد نيلسون بتجربة فقاعة شركات الإنترنت في نهاية التسعينيات، موضحًا أن هبوط الأسهم الأمريكية لا يؤدي تلقائيًا إلى تراجع الدولار.
فبعد بلوغ مؤشر ناسداك ذروته في مارس 2000، حافظ الدولار على قوته لما يقرب من عامين، قبل أن يتعرض للضغط مع تصاعد التوترات في أسواق الائتمان الأمريكية عقب انهيار شركات، من بينها «وورلدكوم»، إلى جانب عوامل أخرى مثل تعافي النمو العالمي.
لكن نيلسون يرى أن طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية تختلف عن تلك المرحلة، لأن الاستثمارات المرتبطة بها تتركز بدرجة أكبر في الولايات المتحدة، كما أن التدفقات الأجنبية أصبحت أكثر اعتمادًا على الأسهم وسندات الشركات، مقابل ضعف الاستثمار الأجنبي المباشر.
وأشار أيضًا إلى أن الدولار الحقيقي المرجح بالتجارة ظل أعلى من متوسطه طويل الأجل، المحسوب منذ عام 1973، لمدة 12 عامًا متتالية، وهي أطول فترة من نوعها وفقًا للتقرير.
مخاطر الائتمان قد تنقل الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقي
لا تقتصر المخاطر على تراجع أسعار الأسهم؛ إذ قد يؤدي فشل بعض استثمارات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في تحقيق العوائد المتوقعة إلى اتساع فروق العائد على سندات الشركات، وارتفاع تكلفة التمويل، ما قد يجبر شركات القطاع على تقليص الإنفاق الرأسمالي.
وقد يمتد التأثير إلى قطاعات أخرى تعتمد على هذه المشروعات، بما يشمل المعدات الصناعية والأجهزة الإلكترونية والطاقة، الأمر الذي يضعف النشاط الاقتصادي ويزيد الضغوط على الدولار.
وتشير التطورات الأخيرة في سوق الائتمان إلى وجود مخاوف بشأن الشركات الأكثر تعرضًا للمخاطر، ومن بينها شركات الحوسبة السحابية المتخصصة ذات المديونية المرتفعة، مثل «CoreWeave». وقد اتسعت فروق عقود مبادلة مخاطر الائتمان المرتبطة بهذه الشركات بصورة ملحوظة خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع الضغوط على الأسهم.
وقال شون أوزبورن، كبير استراتيجيي العملات الأجنبية في «سكوتيا بنك»، إن مؤشرات التوتر بدأت تظهر بالفعل عند متابعة تحركات عقود مبادلة مخاطر الائتمان.
وتزداد حساسية الوضع في ظل تسجيل الحكومة الأمريكية عجزًا ماليًا كبيرًا، مقارنة بالفائض الذي كانت تحققه قرب ذروة فقاعة الإنترنت عام 2000، وهو ما قد يحد من قدرتها على تقديم حوافز اقتصادية مضادة للركود دون إثارة مخاوف إضافية في أسواق الديون.
الدولار قد يستفيد مؤقتًا من أزمة تمويل حادة
رغم المخاطر، لا يعني تراجع قطاع التكنولوجيا بالضرورة هبوط الدولار في جميع الظروف. ويوضح المحللون أن أزمة شديدة قد تدفع المستثمرين إلى البحث عن السيولة الدولارية للوفاء بالتزاماتهم المقومة بالعملة الأمريكية، ما قد يؤدي إلى ارتفاعها مؤقتًا.
وقد حدث ذلك خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 وفي مارس 2020، عندما ارتفع الطلب على الدولار مع سعي المؤسسات والمستثمرين إلى تأمين التمويل اللازم لتغطية التزاماتهم.
وبحسب نيلسون، فإن المؤشر الأهم لا يتمثل في انخفاض أسهم التكنولوجيا وحده، بل في ما إذا كانت الضغوط ستتحول إلى أزمة ائتمان ونمو تخص الاقتصاد الأمريكي، وتغير توقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. وفي هذا السيناريو، قد يستفيد الين الياباني على حساب الدولار، مع تداعيات محتملة على الأسواق العالمية.
المستثمرون يراقبون الدولار مع اقتراب 2027
يرى بعض المستثمرين أن الدولار عاد إلى صدارة المخاطر التي ينبغي مراقبتها، بأهمية تقترب من الفترة التي شهدت فيها العملة ضغوطًا عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية واسعة في أبريل 2025.
وأكد نيلسون أن حساسية المستثمرين العالميين تجاه أي إعادة تقييم كبيرة للدولار أو موجة بيع واسعة للعملة أصبحت ملحوظة، مشيرًا إلى أن هذه المسألة تستحق المتابعة مع دخول عام 2027.
وتتمثل الخلاصة في أن استمرار قوة الدولار سيظل مرتبطًا بقدرة الاقتصاد الأمريكي على الحفاظ على نموه وعوائده، وبمدى نجاح الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي في تحقيق النتائج المتوقعة. أما إذا تحولت الضغوط على القطاع إلى أزمة أوسع في الائتمان والنمو، فقد تتراجع مصادر الدعم التي استفاد منها الدولار، رغم احتمال ارتفاعه مؤقتًا في حال اندفاع المستثمرين إلى طلب السيولة الأمريكية.



