تقارير

سوريا بين الشريان البديل وساحة الصراع: كيف تعيد أزمة هرمز رسم خارطة النفوذ الإقليمي؟

كتبت: هدير البحيري

بعد أشهر من التصعيد العسكري الذي أربك طرق التجارة والطاقة في الشرق الأوسط، بدأت دول المنطقة البحث عن بدائل عاجلة لتعويض اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.

وبينما انشغلت الأسواق بتداعيات الحرب على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، برز اسم سوريا مجددًا بوصفها ممرًا جغرافيًا قد يغير جزءًا من معادلة النقل الإقليمي، مستفيدة من موانئها على البحر المتوسط وحدودها المشتركة مع العراق وتركيا والأردن ولبنان.

وبحسب مسؤولين سوريين، بدأت بالفعل شحنات نفط وسلع بالتحرك برًا عبر الأراضي السورية؛ حيث سارع العراق، الذي تكدست كميات نفطه الخام، إلى نقل الإمدادات عبر شاحنات صهريج لتصديرها عبر ميناء بانياس.

وبلغت حركة العبور في بعض الفترات أكثر من 400 شاحنة، فيما بدأت الإمارات أيضاً استخدام هذا المسار، بعدما وصلت أول شحنة تضم 200 سيارة برًا عبر الأردن إلى ميناء اللاذقية تمهيدًا لشحنها إلى أوروبا.

هذه الحركة لم تعد تقتصر على القوافل القادمة من الخليج صعودًا نحو المتوسط، بل امتدت لتشمل حركة النقل بين القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة. إذ أعلنت السلطات السورية هذا الأسبوع عن عبور أول قافلة ترانزيت تجارية قادمة من تركيا عبر منفذ “تل أبيض” الحدودي، متجهة نحو الأراضي العراقية عبر منفذ “اليعربية – ربيعة”، والذي أعيد افتتاحه رسميًا في أبريل الماضي بعد سنوات من الإغلاق.

ويقول مازن علوش، مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، إن إغلاق هرمز دفع معظم دول المنطقة لطرق أبواب دمشق للحصول على منافذ لموانئها وطرقها، مشيرًا إلى أن العبور التركي الأخير يرسخ دور سوريا كمحور لوجستي يربط أسواق المنطقة، وأن الدول تضع حاليًا خططًا بديلة وطويلة الأمد.

ورغم أن هذه التدفقات وضعت البنية التحتية السورية المحطمة تحت اختبار قاس، مع تراجع أعداد الشاحنات أحيانًا بسبب محدودية سعة التخزين في ميناء بانياس، فإن الحكومة سارعت إلى تشغيل معبر التنف الحدودي مع العراق بشكل جزئي وعاجل، رغم أن إعادة تأهيله بالكامل قد تستغرق أشهرًا وتكلفة تصل إلى 25 مليون دولار.

لكن ما يحدث يتجاوز مجرد استجابة مؤقتة؛ إذ ترى دمشق في هذه التطورات فرصة لإعادة توظيف موقعها الجغرافي ضمن سياق سياسي واقتصادي جديد، في محاولة لإعادة تموضعها إقليميًا.

فبعد عقود شكلت فيها البلاد، إبان حكم الرئيس السابق بشار الأسد، جسرًا بريًا لنقل الأسلحة والأموال الإيرانية، تبدو السلطات الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع عازمة على الابتعاد عن طهران، وتقديم سوريا باعتبارها “مركزًا لوجستيًا آمنًا”.

هذا التوجه دفع دمشق لإحياء مشاريع معطلة، مثل خط أنابيب كركوك-بانياس ومشروع خط الغاز العربي، في وقت تبدي فيه واشنطن دعمًا لإحياء بعض مشاريع الطاقة الإقليمية، بالتزامن مع مؤشرات على تقارب محدود مع دمشق بهدف إنهاء عزلتها. وقد ظهر هذا التوجه أيضًا في الجانب الاستثماري، مع إعلان رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار دراسة مشاريع بمليارات الدولارات تشمل استثمارات قد تصل إلى 7 مليارات دولار على الساحل و12 مليارًا في دمشق.

غير أن هذه الطموحات تصطدم بواقع اقتصادي معقد؛ فالحرب التي استمرت نحو 14 عامًا خلفت بنية تحتية مدمرة تقدر تكلفة إعادة إعمارها، بحسب البنك الدولي، بأكثر من 200 مليار دولار، وسط نقص حاد في الكهرباء والمياه والفولاذ، ما يجعل المناطق الحرة عاجزة عن العمل بكفاءة.

وهو ما دفع حازم السبتي، المسؤول في هيئة المناطق الحرة، للتحذير من غياب المتطلبات الأساسية، معربًا في الوقت ذاته عن حذره من إظهار البلاد بمظهر المستفيد من مآسي الحروب وصراعات الجوار.

إلى جانب الإنهاك الخدمي، تواجه سوريا تحديات سياسية ومالية لا تقل صعوبة؛ فرغم رفع معظم العقوبات الأمريكية، لا تزال البلاد مدرجة على قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولم تربط بعد بنظام “سويفت” العالمي للتحويلات المالية، ما يعرقل حركة الرساميل الأجنبية.

ويضاف إلى ذلك ضبابية المشهد السياسي الداخلي وغياب برلمان فاعل بعد تسعة أشهر من الانتخابات، ما يثير تساؤلات حول قدرة البلاد على تحويل المشاريع الضخمة من حبر على ورق إلى واقع ملموس.

وفي موازاة ذلك، يفتح هذا التحول المحتمل بابًا لتنافس وتكامل إقليمي معقد؛ خاصة مع سعي تركيا منذ سنوات لترسيخ موقعها كممر رئيسي للطاقة بين آسيا وأوروبا.

فبينما يمثل عبور القوافل التركية عبر سوريا إقرارًا بحتمية هذا الممر الجغرافي الجديد، إلا أن المنطقة تبدو أمام سباق حقيقي لإعادة رسم خرائط التجارة وخطوط النفوذ الاقتصادي.

صراع الممرات الاستراتيجية يعيد تشكيل المنطقة.. أين تقف سوريا؟

هذا التحول الإقليمي نحو المسارات البديلة يتقاطع مع تنافس دولي أوسع لإعادة تعريف خطوط التجارة ونفوذ الطاقة، وهو ما يذهب إليه الخبير السوري في العلاقات الدولية د. إياس الخطيب، الذي يرى في حديثه لـ”داي نيوز” أن ما يجري في المنطقة لا يمكن اختزاله في كونه توتراً ظرفياً مرتبطًا بمضيق هرمز، بل هو جزء من تحول جيوسياسي أوسع يعيد رسم خرائط الطاقة والتجارة والنفوذ على المستوى الدولي.

ويوضح الخطيب أن التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران تجاوز نمط المواجهة التقليدية ليتحول إلى صراع متعدد المسارات تتداخل فيه الضغوط الاقتصادية بالتحركات البحرية.

وبحسب قراءته، تمكنت طهران من الانتقال تدريجيًا من موقع رد الفعل إلى الفعل، مستفيدة من تطورات المشهد الإقليمي والدولي، ومستخدمة مضيق هرمز كورقة استراتيجية في إطار الردع والضغط السياسي.
ويشير إلى أن هذا التحول أعاد تعريف مفهوم “حرية الملاحة”، من كونه ملفًا تقنيًا مرتبطًا بالتجارة الدولية، إلى أداة تفاوضية في يد القوى الكبرى، وهو ما انعكس في الخطوات الإيرانية المتعلقة بإدارة شؤون المضيق.

ويوضح الخطيب أن طبيعة الحروب الحديثة لم تعد قائمة على المواجهات العسكرية التقليدية، بل على أدوات أكثر تعقيدًا تشمل التكنولوجيا والاستخبارات والسيطرة على الممرات وسلاسل الإمداد.
ويضيف أن أزمة مضيق هرمز لم تعد معزولة، بل تتقاطع مع جبهات لوجستية وبحرية أخرى حول العالم، من بينها التنافس المتصاعد في ممر بحر الشمال، والمشاريع الناشئة في القوقاز وأبخازيا، وصولًا إلى محاولات التأثير على مسارات مبادرة “الحزام والطريق” الصينية في الشرق الأوسط.

وفيما يتعلق بالداخل السوري، يربط الخطيب بين الجغرافيا السياسية وتاريخ الصراع، مشيرًا إلى أن موقع سوريا كان مؤهلًا تاريخيًا ليكون محورًا لمشاريع الطاقة والربط الإقليمي، إلا أن الأزمة الحقيقية اليوم لا تكمن في آليات إعادة الدمج، بل في طبيعة القوى الدولية والإقليمية التي ستدير هذه العملية؛ إذ يعيش العالم صراع محاور وتحالفات متناقضة المصالح، يسعى فيها كل طرف لاقتناص الميزة الجيواستراتيجية للموقع السوري مع العمل بالتوازي على تقويض مصالح خصومه، ما يحول البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات وتنازع النفوذ بدلًا من أن تكون مركز استقطاب آمن.

ويخلص الخطيب إلى أن “ترتيب البيت الداخلي” وتحديد الخيارات الاستراتيجية بوضوح هما الشرطان الأساسيان للخروج من هذه المعضلة؛ محذرًا من أن محاولة دمشق “الذهاب نحو الجميع” ومغازلة كافة المحاور في وقت واحد قد تؤدي إلى صدام مصالح الكل ضد الكل، مما يعرض البلاد لضربات غير متوقعة من مختلف الأطراف.

ويرى الخطيب أن استمرار غياب الاستقرار الداخلي في سوريا، وعدم القدرة على إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية والسياسية، سيحد من قدرتها على لعب دور فاعل في المرحلة المقبلة.
ويضيف أن ذلك قد يحول موقعها الجغرافي من فرصة للاندماج في مشاريع إقليمية كبرى، إلى ساحة صراع مفتوح في خريطة النفوذ المتشكلة في المنطقة.

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى