من حرب الظل إلى حافة المواجهة.. التخريب الروسي يضع أوروبا والناتو أمام اختبار خطير

تدخل المواجهة بين روسيا والغرب مرحلة أكثر خطورة مع تصاعد حوادث التخريب والهجمات التي يُشتبه في ارتباطها بموسكو داخل عدد من الدول الأوروبية، وسط مخاوف من أن يؤدي وقوع هجوم يتسبب في سقوط ضحايا إلى تجاوز ما يُعرف بـ«المنطقة الرمادية» وجر حلف شمال الأطلسي «الناتو» إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
وتشمل العمليات المشتبه بها استخدام طائرات مسيرة، ومحاولات زرع متفجرات، واستهداف منشآت حيوية، وعمليات حرق وتخريب طالت قطاعات النقل والطاقة والدفاع والصناعة، في وقت ترى فيه القيادة الأوروبية أن هذه التهديدات لم تعد حوادث منفصلة، وإنما باتت جزءًا من نمط أمني جديد يتطلب استعدادًا مختلفًا.
مطار لايبزيج.. أخطر الحوادث الأخيرة
برز الهجوم الفاشل على مطار لايبزيج في ألمانيا باعتباره من أخطر الوقائع التي أُثيرت حولها شبهات بتورط روسي، بعدما استهدفت طائرات مسيرة مفخخة طائرات في المطار.
وأصيبت طائرة شحن أوكرانية بإحدى المسيرات، بينما اصطدمت أخرى بطائرة كانت تستعد للإقلاع. وكان انفجار أي من الطائرتين يمكن أن يؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا، وهو ما كان سيحول الحادث إلى أزمة أمنية وسياسية بالغة الخطورة.
ولا تنظر إلى واقعة لايبزيج باعتبارها حادثًا منفردًا، إذ تأتي ضمن سلسلة من العمليات التي شهدتها أوروبا خلال الفترة الأخيرة.
استهداف قطاعات حيوية في أوروبا
شملت الوقائع التي تحقق فيها أجهزة الأمن الأوروبية محاولات لوضع عبوات ناسفة على طائرات شحن تابعة لشركة DHL، إلى جانب تفجير خطوط للسكك الحديدية في بولندا.
كما سُجلت حرائق وحوادث تخريب استهدفت مخازن ومراكز تسوق ومنشآت صناعية، بينما فتحت السلطات الألمانية تحقيقات بشأن وقائع طالت شركات تعمل في قطاع الصناعات الدفاعية ومحطات لتوليد الكهرباء.
وفي الدنمارك، ربطت السلطات الروسية بمحاولات لتجنيد أشخاص بهدف تنفيذ عمليات تستهدف القطاع الدفاعي، الأمر الذي يعكس اتساع نطاق المخاوف الأوروبية من استخدام أساليب غير تقليدية للضغط على الدول الداعمة لأوكرانيا.
لماذا تتجه موسكو إلى التخريب؟
يرى محللون أن تصاعد هذه العمليات يرتبط بالتطورات العسكرية والاقتصادية للحرب في أوكرانيا، خصوصًا مع استمرار الضغوط على روسيا وتعرض منشآتها النفطية واللوجستية لأضرار، إلى جانب صعوبة تحقيق تقدم سريع وحاسم في ساحة المعركة.
وتنظر موسكو إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية الداعمة لكييف باعتبارها جزءًا من مواجهة أوسع معها، في ظل استمرار تقديم الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا المتطورة إلى أوكرانيا.
ومن هذا المنطلق، قد يمثل توسيع نطاق العمليات خارج الأراضي الأوكرانية وسيلة لزيادة تكلفة الدعم الغربي لكييف وإرسال رسائل ردع إلى العواصم الأوروبية.
ورغم أن الكرملين ينفي بصورة متكررة الاتهامات المتعلقة بالتورط في أعمال التخريب، فإن التصريحات الروسية تجاه الغرب اتسمت في بعض الأحيان بلهجة تحذيرية شديدة.
وحذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن موسكو سترد على ما تعتبره تهديدًا أو اعتداءً عليها، بينما يرى مسؤولون وخبراء أوروبيون أن الهدف الروسي قد لا يكون إشعال حرب عالمية، وإنما اختبار حدود قدرة الغرب على الرد وإيصال رسالة مفادها أن الضغط على روسيا ستكون له تبعات.
الناتو أمام اختبار صعب
تكمن خطورة الوضع في أن حلف الناتو صُمم بالأساس للتعامل مع الاعتداءات العسكرية المباشرة، بينما تقع أعمال التخريب والهجمات السيبرانية والعمليات السرية في مساحة أكثر تعقيدًا يصعب معها تحديد طبيعة الرد المناسب.
وتزداد المخاطر إذا أسفرت إحدى هذه العمليات عن مقتل مدنيين أو عسكريين داخل دولة عضو في الحلف، إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى ضغوط متزايدة لتفعيل آليات الدفاع الجماعي المنصوص عليها في المادة الخامسة من معاهدة الناتو.
ولا يعني وقوع هجوم أو عمل عدائي تلقائيًا أن المادة الخامسة ستُفعّل، لكن ارتباط الحادث بدولة عضو وسقوط ضحايا قد يضع الحلف أمام اختبار سياسي وعسكري بالغ الحساسية.
تحذيرات من خروج التصعيد عن السيطرة
حذرت جوليان سميث، السفيرة الأمريكية السابقة لدى حلف الناتو، من أن استمرار العمليات في المنطقة الرمادية قد يؤدي في مرحلة ما إلى وقوع حادث يفقد الأطراف القدرة على التحكم في تداعياته.
وترى أن روسيا تمكنت حتى الآن من التحرك في مساحة محفوفة بالمخاطر دون الوصول إلى مواجهة مباشرة واسعة مع الحلف، لكن استمرار هذا الوضع لا يضمن بقاء الأمور تحت السيطرة.
وفي السياق نفسه، شدد رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإستونية كاوبو روسين على أهمية الحفاظ على مصداقية الردع الغربي، معتبرًا أن على موسكو أن تظل مقتنعة بأن الناتو قادر على الرد على أي تصعيد يستهدف دوله أو مصالحه الحيوية.
أوروبا تبحث عن أدوات جديدة للرد
لم تعد الدول الأوروبية تكتفي بالرد التقليدي عبر فرض العقوبات أو طرد الدبلوماسيين، بل تتجه إلى إجراءات أمنية واستخباراتية أكثر اتساعًا.
وتشمل الخيارات المطروحة تعزيز تبادل المعلومات بين أجهزة الأمن الأوروبية، وتطوير التعاون الاستخباراتي، وتوسيع الدعم المقدم لأوكرانيا في مجال المعلومات والقدرات الأمنية، إلى جانب زيادة الاعتماد على القدرات السيبرانية لمواجهة الهجمات والعمليات التخريبية.
وفي ألمانيا، يجري بحث تشريعات تمنح أجهزة الاستخبارات صلاحيات أوسع لتنفيذ عمليات سرية وهجمات إلكترونية، وهو ما يعكس التحول في طبيعة التهديدات التي تواجهها الدول الأوروبية.
صراع يتسع خارج ساحة الحرب
تكشف التطورات أن الصراع بين روسيا والغرب لم يعد محصورًا في ساحات القتال داخل أوكرانيا، بل أصبح يمتد إلى البنية التحتية وشبكات النقل والطاقة والمنشآت الصناعية والدفاعية والفضاء الإلكتروني.
وتكمن الخطورة الرئيسية في صعوبة التنبؤ بالحد الذي يمكن أن تصل إليه هذه العمليات؛ فحادث تخريب محدود قد يتحول، في حال سقوط ضحايا أو استهداف منشأة استراتيجية، إلى أزمة سياسية وأمنية كبيرة بين روسيا ودول الناتو.
وبينما لا يرى مسؤولون غربيون أن هجومًا روسيًا عسكريًا مباشرًا على دول الحلف بات وشيكًا، فإن تصاعد العمليات السرية والتخريبية يفرض على أوروبا إعادة تقييم منظومة أمنها، خصوصًا مع تزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى حادث واحد يغيّر قواعد المواجهة بالكامل.



