مجتبى خامنئي يعيد «الحرس القديم» إلى الواجهة استعدادًا لمواجهة طويلة مع واشنطن

في أول تحرك كبير يحمل بصمته منذ توليه منصب المرشد الأعلى في إيران، أجرى مجتبى خامنئي سلسلة تعيينات جديدة داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، مستعينًا بعدد من القيادات المخضرمة والموالية في الحرس الثوري، في خطوة يرى محللون أنها تعكس استعداد طهران لمرحلة طويلة وأكثر تشددًا في المواجهة مع الولايات المتحدة.
وجاءت التعيينات في 9 و10 أغسطس/آب، لسد عدد من المناصب التي شغرت بعد مقتل مسؤولين إيرانيين خلال الحرب، مع إعادة شخصيات تنتمي إلى ما يعرف بـ«الحرس القديم» إلى مواقع أمنية وعسكرية بارزة.
وكان مجتبى خامنئي قد تولى السلطة بعد مقتل والده علي خامنئي في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط، لكنه لم يظهر علنًا منذ ذلك الحين، وسط استمرار التساؤلات حول وضعه الصحي وحجم نفوذه داخل مؤسسات الحكم الإيرانية.
ويرى جايسون برودسكي، مدير السياسات في مركز «متحدون ضد إيران نووية» في الولايات المتحدة، أن هذه التعيينات تعكس توجهًا أكثر استعدادًا للمخاطرة والمواجهة، وتوحي بأن القيادة الإيرانية تستعد لاحتمال استمرار حالة الحرب خلال المستقبل المنظور.
محسن رضائي.. عودة قائد الحرس الثوري السابق
من أبرز الأسماء التي عادت إلى الواجهة محسن رضائي، البالغ من العمر 71 عامًا، والذي تولى قيادة الحرس الثوري خلال جزء كبير من فترة الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، واستمر في مواقع قيادية خلال التسعينيات.
وعُيّن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وهو منصب بالغ الأهمية كان يشغله سابقًا علي لاريجاني قبل مقتله خلال الحرب.
وعلى الرغم من محاولاته المتكررة دخول المعترك السياسي وخوضه الانتخابات الرئاسية عدة مرات، لم يتمكن رضائي من الوصول إلى منصب الرئاسة.
وظل رضائي حاضرًا في المشهد الإيراني لعقود، كما ارتبط اسمه بتصريحات شديدة اللهجة تجاه الولايات المتحدة.
ففي أبريل/نيسان، حذر من أن إيران قد تستهدف السفن الأمريكية في مضيق هرمز إذا قررت واشنطن لعب دور «الشرطي» في هذا الممر البحري الحيوي.
وفي يونيو/حزيران، توعد بأن أي هجوم أمريكي على إيران سيقابل بوابل من الصواريخ.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عليه عقوبات عام 2020، مشيرة إلى الاشتباه في ضلوعه في الهجوم الذي استهدف مركزًا للجالية اليهودية في الأرجنتين عام 1994.
حسين طائب.. مسؤول الاستخبارات السابق يعود عبر الباسيج
ومن أبرز التعيينات أيضًا حسين طائب، البالغ من العمر 63 عامًا، والذي تولى سابقًا رئاسة جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني لنحو 15 عامًا.
وعُيّن طائب قائدًا لمنظمة تعبئة المستضعفين، المعروفة باسم الباسيج، وهي قوة مرتبطة بالحرس الثوري وتضطلع بدور أساسي في حفظ الأمن الداخلي ومواجهة الاضطرابات.
وكان طائب قد أُقيل بصورة مفاجئة من منصبه كرئيس لاستخبارات الحرس الثوري في يونيو/حزيران 2022، من دون الكشف بشكل واضح عن أسباب إقالته.
وجاءت إقالته في وقت تزامن مع تسريبات تحدثت عن مخطط مفترض لاستهداف إسرائيليين في تركيا.
ويُنظر إلى طائب منذ فترة طويلة باعتباره شخصية مقربة من مجتبى خامنئي، ولذلك يُنظر إلى عودته إلى موقع أمني بارز باعتبارها رسالة إلى الداخل الإيراني بشأن استعداد القيادة لمواجهة أي موجة احتجاجات جديدة.
ويرى برودسكي أن تعيين طائب يعكس أيضًا مخاوف القيادة الإيرانية من احتمال تجدد الاضطرابات في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية، متوقعًا أن يؤدي الباسيج دورًا أساسيًا في التعامل مع أي احتجاجات مستقبلية.
أحمد وحيدي.. ثالث قائد للحرس الثوري خلال أقل من عام
تضمنت التغييرات أيضًا تعيين أحمد وحيدي قائدًا عامًا للحرس الثوري الإيراني.
ويمتلك وحيدي خبرة واسعة في مؤسسات الدولة، إذ سبق أن تولى منصبي وزير الداخلية ووزير الدفاع.
ويُعد وحيدي ثالث قائد عام للحرس الثوري خلال فترة تقل عن عام، في ظل الخسائر التي تعرضت لها القيادة العسكرية الإيرانية خلال الحرب.
فقد قُتل القائد السابق محمد باكبور في اليوم الأول من الحرب، بينما قُتل حسين سلامي خلال الحرب الإسرائيلية على إيران التي استمرت 12 يومًا في يونيو/حزيران 2025.
ولذلك بقي وحيدي بعيدًا نسبيًا عن الأضواء خلال الحرب، ولم يظهر علنًا للمرة الأولى إلا خلال مراسم تشييع علي خامنئي في يوليو/تموز.
ورغم صدور بيانات مكتوبة باسمه باعتباره قائدًا للحرس الثوري، فإن مرسوم مجتبى خامنئي مثّل تأكيدًا رسميًا واضحًا لتعيينه في هذا المنصب.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على وحيدي بعد احتجاجات عام 2022، متهمة إياه بالمسؤولية عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
علي عبد اللهي.. مسؤول عن تنسيق القوات الإيرانية
شملت التعيينات كذلك علي عبد اللهي، الذي تولى منصب رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية.
وسبق لعبد اللهي أن ترأس مقر «خاتم الأنبياء» المركزي، وهو مركز قيادة عسكرية مشتركة يتولى تنسيق العمليات بين مختلف أفرع القوات المسلحة الإيرانية.
ويكتسب منصبه الجديد أهمية خاصة بسبب مسؤوليته عن تنسيق العمل بين القوات المسلحة النظامية والحرس الثوري، في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا عسكرية وأمنية متزايدة.
وبرز عبد اللهي خلال الحرب بتصريحات حذر فيها من أن أي هجوم أمريكي جديد على إيران سيؤدي إلى رد أقوى من الرد السابق، محذرًا من اتساع نطاق الحرب وامتداد تداعياتها إلى مناطق أخرى وتهديد أمن المنطقة.
ماذا تعني التعيينات الجديدة؟
تشير عودة عدد من القيادات المخضرمة إلى مواقع أمنية وعسكرية حساسة إلى رغبة القيادة الإيرانية الجديدة في الاعتماد على شخصيات تمتلك خبرة طويلة في العمل العسكري والأمني، خصوصًا الشخصيات المعروفة بمواقفها المتشددة تجاه الولايات المتحدة.
ويرى محللون أن هذه الخطوة قد تعكس استعداد طهران لمرحلة مواجهة طويلة، سواء على المستوى العسكري أو الأمني، بدلًا من الاعتماد على مسار دبلوماسي قصير الأمد.
كما أن اختيار شخصيات مرتبطة بالحرس الثوري والأجهزة الأمنية قد يكون مرتبطًا بمخاوف القيادة من احتمال اندلاع احتجاجات داخلية جديدة، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية.
ماذا عن المفاوضات مع الولايات المتحدة؟
يبقى تأثير هذه التغييرات على المسار الدبلوماسي بين طهران وواشنطن غير واضح.
وتأتي التعيينات في وقت انقضت فيه مهلة الـ60 يومًا التي كانت مرتبطة بالتوصل إلى اتفاق بين الجانبين.
وكان رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف يقود المحادثات حتى الآن، ويُنظر إليه باعتباره أقل تشددًا مقارنة ببعض الشخصيات التي عادت إلى مواقعها الأمنية والعسكرية.
وقد يشير صعود القيادات المرتبطة بالحرس الثوري إلى أن المؤسسة الإيرانية تستعد للتعامل مع احتمال استمرار المواجهة، بالتوازي مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام المسار الدبلوماسي.
وفي المحصلة، تعكس التعيينات الجديدة تحولًا واضحًا في بنية القيادة الأمنية الإيرانية، مع إعادة عدد من أبرز رجال «الحرس القديم» إلى مواقع مؤثرة، في وقت تواجه فيه طهران تحديات عسكرية واقتصادية وأمنية متزامنة.
وتبقى الرسالة الأبرز لهذه الخطوة أن القيادة الإيرانية الجديدة، بقيادة مجتبى خامنئي، تبدو حريصة على تعزيز قبضتها الأمنية والعسكرية والاستعداد لمرحلة قد تشهد مواجهة طويلة مع واشنطن، مع الاستعداد في الوقت نفسه للتعامل مع أي اضطرابات داخلية محتملة.



