أخبار دولية

ما وراء زيارة راتكليف السرية لموسكو؟ 3 رسائل أمريكية إلى روسيا

أجرى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) جون راتكليف زيارة سرية ومفاجئة إلى العاصمة الروسية موسكو هذا الأسبوع، حمل خلالها، وفق مصادر مطلعة، تحذيرًا أمريكيًا مباشرًا إلى روسيا من مهاجمة أي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، في وقت تدرس فيه الاستخبارات الأمريكية احتمال أن تحاول موسكو اختبار تماسك الحلف واستعداد إدارة الرئيس دونالد ترامب للدفاع عن أعضائه.

زيارة سرية إلى موسكو

كشفت الزيارة بعد رصد طائرة تابعة للقوات الجوية الأمريكية تهبط في أحد مطارات موسكو، بالتزامن مع تحرك موكب دبلوماسي داخل العاصمة الروسية.

وتُعد هذه أول زيارة معروفة لراتكليف إلى روسيا منذ توليه منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، كما أنها واحدة من أكثر الزيارات حساسية بين مسؤول استخباراتي أمريكي رفيع وموسكو منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

وأكد الكرملين أن راتكليف أجرى محادثات مع مسؤولين في أجهزة الاستخبارات الروسية، لكنه لم يلتقِ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن بوتين أُبلغ بنتائج المحادثات بعد انتهائها.

رسالة أمريكية مباشرة إلى موسكو

بحسب مصادر مطلعة نقلت عنها وسائل إعلام أمريكية، كان الهدف الرئيسي للزيارة هو تحذير روسيا من مهاجمة دول أعضاء في حلف الناتو.

ويأتي ذلك في ظل تقييمات استخباراتية أمريكية تفيد بأن موسكو قد تحاول اختبار مدى تماسك الحلف، ليس بالضرورة من خلال شن حرب شاملة، وإنما عبر عمليات محدودة أو غير مباشرة، مثل:

الهجمات السيبرانية.

عمليات التخريب.

تحركات هجينة.

اختراقات أو توغلات محدودة.

عمليات تستهدف البنية التحتية أو المنشآت الحيوية.

استفزازات عسكرية لا تصل إلى مستوى الحرب المفتوحة.

وتعتقد واشنطن أن الهدف المحتمل من مثل هذه التحركات سيكون اختبار وحدة الناتو ومدى استعداد إدارة ترامب للوفاء بالتزاماتها تجاه الحلفاء. لماذا تخشى واشنطن اختبار الناتو؟

تأتي التحذيرات الأمريكية في ظل سلسلة من التطورات التي أثارت مخاوف داخل الولايات المتحدة وأوروبا بشأن النشاط الروسي.

وتشمل هذه المخاوف حوادث تتعلق بطائرات مسيرة قرب أراضي دول أعضاء في الناتو، وعبور صاروخ روسي إلى الأراضي البولندية، إلى جانب تصاعد الاتهامات المتعلقة بعمليات تخريب وهجمات إلكترونية في أوروبا.

وتنص المادة الخامسة من معاهدة الناتو على أن الهجوم على دولة عضو يُعد هجومًا على جميع أعضاء الحلف، بما يفرض مبدأ الدفاع الجماعي.

لكن موقف الرئيس دونالد ترامب من الحلف كان محل نقاش خلال السنوات الماضية، إذ انتقد مرارًا الدول الأوروبية بسبب ما يعتبره مساهمات غير كافية في الإنفاق الدفاعي، كما شكك في بعض المناسبات في مدى التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن الحلفاء الذين لا يوفون بالتزاماتهم المالية.

أوكرانيا دخلت على خط الزيارة

الزيارة السرية لم تكن منفصلة عن الحرب الروسية الأوكرانية.

ووفق مسؤول أوكراني رفيع، أُبلغت كييف بأن وفدًا أمريكيًا سيتوجه إلى موسكو، وطُلب من أوكرانيا تجنب تنفيذ ضربات خلال فترة وجود الوفد الأمريكي هناك.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة مع استمرار أوكرانيا في تنفيذ هجمات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، تستهدف منشآت عسكرية وبنية تحتية وأهدافًا مرتبطة بالقدرات الروسية على مواصلة الحرب.

ترامب يقلل من أهمية الزيارة

رغم التقارير التي تحدثت عن رسالة تحذير إلى روسيا، حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التقليل من الطابع الاستثنائي للزيارة.

ووصف ترامب رحلة راتكليف بأنها «شبه روتينية»، وقال إنها لا ترتبط، بحسب وصفه، بمخاوف أمريكية من اختبار روسيا للناتو أو بمناقشة العقوبات المتعلقة بإيران.

وأشار ترامب في الوقت نفسه إلى أن الزيارة قد تفضي إلى نتائج مرتبطة بجهوده لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.

إيران حاضرة في المحادثات

لم تقتصر الرسائل الأمريكية التي حملها راتكليف إلى موسكو على روسيا والناتو.

وبحسب مصادر مطلعة، ناقش مدير الـCIA أيضًا الملف الإيراني، ووجّه تحذيرًا بشأن إمكانية فرض عقوبات أمريكية إضافية إذا لم يُستأنف مرور السفن التجارية عبر مضيق هرمز.

ويأتي ذلك في ظل تصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية، وامتلاك روسيا علاقات وثيقة مع طهران، بما في ذلك التعاون الاستخباراتي والعسكري.

وتتهم واشنطن موسكو بتقديم معلومات استخباراتية لإيران بشأن المواقع والتحركات الأمريكية في المنطقة. كما تعاون البلدان لسنوات في مجال تصنيع الطائرات المسيرة.

لماذا اختير راتكليف لهذه المهمة؟

يحظى مدير وكالة الاستخبارات المركزية بموقع حساس في منظومة الأمن القومي الأمريكي، ويتيح له التواصل مع أجهزة الاستخبارات الأجنبية بعيدًا عن القنوات الدبلوماسية التقليدية.

ولذلك، فإن إرسال راتكليف شخصيًا إلى موسكو يحمل دلالة على أن واشنطن أرادت إيصال رسائل أمنية واستخباراتية شديدة الحساسية إلى الجانب الروسي.

كما أن طبيعة الزيارة السرية، وعدم الإعلان عنها مسبقًا، وطلب واشنطن من أوكرانيا وقف بعض العمليات خلال وجود الوفد، كلها عوامل زادت من أهمية المهمة.

سابقة تاريخية لزيارة مدير الـCIA إلى موسكو

تُعيد زيارة راتكليف إلى الأذهان زيارة مدير الـCIA السابق وليام بيرنز إلى موسكو في نوفمبر 2021.

وقتها سافر بيرنز إلى روسيا في محاولة لتحذير القيادة الروسية من عواقب غزو أوكرانيا، في وقت كانت فيه القوات الروسية تحشد على الحدود.

وبعد أشهر، شنت روسيا بالفعل غزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022.

ماذا تقول موسكو؟

أكد الكرملين إجراء محادثات بين راتكليف ومسؤولين في أجهزة الاستخبارات الروسية، لكنه لم يكشف تفاصيل ما دار خلالها.

وقال دميتري بيسكوف إن الاتصالات بين أجهزة الاستخبارات الأمريكية والروسية يمكن أن تكون مفيدة، لكنها لا تعني بالضرورة حدوث انفراجة فورية في العلاقات بين البلدين، التي لا تزال تشهد أزمة عميقة بسبب الحرب في أوكرانيا والملفات الأمنية الأخرى.

زيارة راتكليف إلى موسكو تحمل 3 رسائل رئيسية:

تحذير روسيا من اختبار الناتو أو مهاجمة إحدى دوله، في ظل مخاوف أمريكية من تصعيد روسي محدود أو هجين.

بحث الملف الإيراني والضغط على موسكو بشأن دعمها لطهران، بالتزامن مع التهديد بعقوبات أمريكية إضافية إذا لم يعد الملاحة في مضيق هرمز إلى طبيعتها.

استكشاف مسار لإنهاء الحرب في أوكرانيا، في وقت تسعى فيه إدارة ترامب إلى تحريك المفاوضات المتعثرة بين موسكو وكييف.

وبالتالي، فإن الزيارة، رغم وصف ترامب لها بأنها «شبه روتينية»، جاءت في توقيت بالغ الحساسية، وجمعت في محادثات استخباراتية واحدة أزمة روسيا والناتو، وحرب أوكرانيا، والصراع الأمريكي الإيراني ومضيق هرمز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى