اقتصاد وتكنولوجيا

لماذا بدأ الجيل زد يفقد شغفه بالذكاء الاصطناعي؟.. مخاوف تهدد الإبداع والوظائف والبيئة

رغم أن أبناء الجيل زد نشأوا في بيئة رقمية جعلت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من حياتهم اليومية، فإن علاقتهم بالذكاء الاصطناعي تبدو أكثر تعقيدًا مما قد توحي به هذه الصورة. فمع الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ عدد متزايد من الشباب يطرح تساؤلات جدية حول تأثير هذه التكنولوجيا على الإبداع والتفكير النقدي والوظائف والبيئة.

وتستخدم فريدة، وهي طالبة مصرية تبلغ 16 عامًا، روبوت الدردشة “تشات جي بي تي” للمساعدة في أداء واجباتها الدراسية، كما تستعين به أحيانًا للحصول على نصائح تخص العناية بالبشرة ومستحضرات التجميل أو التعامل مع مواقف الحياة اليومية. لكنها تقول إنها تحاول تقليل استخدامه، بسبب مخاوفها من تأثير الذكاء الاصطناعي على الابتكار والإبداع، إضافة إلى التكلفة البيئية المرتبطة بتشغيل هذه الأنظمة.

وترى فريدة أن المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي قد يفتقر إلى الروح والطابع الإنساني، كما تقلق من استهلاكه موارد طبيعية كبيرة، خصوصًا المياه والطاقة.

المخاوف نفسها تظهر لدى ليلى، وهي طالبة بريطانية تبلغ 17 عامًا، اختارت عدم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي التوليدي بسبب مخاوفها من استهلاكه كميات ضخمة من المياه والطاقة، فضلًا عن تأثيره المحتمل على الإبداع وفرص العمل.

وتقول ليلى إن الانتشار الواسع للمحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي يجعل من الصعب أحيانًا معرفة ما إذا كان المحتوى حقيقيًا أم مصطنعًا، وهو ما قد يؤدي إلى انتشار معلومات زائفة أو الإضرار بسمعة أشخاص من خلال نسب تصريحات أو أفعال إليهم لم يقوموا بها.

هل يتغير موقف الجيل زد؟

يثير موقف فريدة وليلى تساؤلًا أوسع بشأن علاقة الجيل زد، الذي يضم الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و29 عامًا، بالذكاء الاصطناعي.

فهذا الجيل ينظر إليه باعتباره الأكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا والمنصات الرقمية، إلا أن استخدامه للذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة ثقة كاملة بهذه الأدوات.

وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة غالوب ونشر في أبريل الماضي أن 51% من أبناء الجيل زد في الولايات المتحدة يستخدمون الذكاء الاصطناعي مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا، لكن المشاعر السلبية تجاه هذه التكنولوجيا ازدادت خلال العام السابق.

كما أظهر الاستطلاع أن نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الحياة اليومية بين أفراد الجيل ظلت مستقرة منذ مارس 2025، ولم تسجل ارتفاعًا واضحًا، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن تأثير التكنولوجيا على الابتكار والتفكير النقدي والوظائف.

ووصلت حالة التوتر بشأن الذكاء الاصطناعي إلى بعض حفلات التخرج الجامعية في الولايات المتحدة هذا العام، بعدما تعرض إريك شميت، المدير التنفيذي السابق لغوغل، لصيحات استهجان خلال حديثه إلى خريجي جامعة أريزونا، حين تحدث عن مستقبل الذكاء الاصطناعي ودوره في تشكيل العالم ودعا الطلاب إلى التكيف معه.

الخوف من تراجع التفكير والإبداع

لا تتعلق المخاوف فقط بصحة المعلومات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، بل تمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا يحدث لقدرات الإنسان عندما يبدأ في الاعتماد على الآلة للتفكير نيابة عنه؟

وتستخدم فريدة الذكاء الاصطناعي أحيانًا لساعات طويلة، لكنها لا تثق به بشكل كامل بسبب ما يعرف بـ”هلوسة الذكاء الاصطناعي”، أي تقديم معلومات خاطئة أو مختلقة أو مضللة بطريقة تبدو واثقة وكأنها حقائق مؤكدة.

وتحذر البروفيسورة كلير واردل، أستاذة الاتصالات بجامعة كورنيل، من أن المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي يتحسن باستمرار، الأمر الذي يجعل اكتشافه أكثر صعوبة، خصوصًا مع وجود جهات تستغل هذه التقنيات لاستهداف الأشخاص عبر نقاط ضعفهم.

وتبرز كذلك ظاهرة تعرف باسم “التفويض المعرفي”، وهي اعتماد الإنسان على أدوات خارجية للقيام بعمليات التفكير والتحليل بدلًا منه.

وترى ليلى أن بعض زملائها أصبحوا يعتمدون على الذكاء الاصطناعي بصورة شبه كاملة لإنجاز واجباتهم، ما قد يؤدي إلى ضعف مستواهم الدراسي وعدم امتلاكهم المهارات اللازمة لخوض الامتحانات بمفردهم.

ويخشى خبراء من أن يؤدي الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي، خصوصًا بين الطلاب، إلى نوع من الكسل الذهني وتراجع مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات.

الوظائف.. هاجس آخر لدى الشباب

يمثل مستقبل الوظائف أحد أكبر مصادر القلق لدى الجيل زد.

وترى ليلى، التي تهتم بالرسم وتصف نفسها بأنها فنانة ناشئة، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يجعل حياة الفنانين أكثر صعوبة، خصوصًا مع قدرة الأدوات الجديدة على إنتاج صور وأعمال فنية خلال وقت قصير.

وتعتبر أن حصول أشخاص على عائد مالي من أعمال مولدة بالذكاء الاصطناعي قد يضر بالفنانين التقليديين الذين يقضون ساعات طويلة في الرسم ويعتمدون على مهاراتهم وخبراتهم.

لكن تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل لا يزال معقدًا، وفق البروفيسور كارل بنديكت فراي، أستاذ الذكاء الاصطناعي والعمل بمعهد الإنترنت في جامعة أكسفورد.

ويشير فراي إلى أن سوق العمل لم يشهد حتى الآن تأثيرًا دراماتيكيًا واسع النطاق بسبب الذكاء الاصطناعي، باستثناء بعض القطاعات، ومنها خدمات الترجمة.

ومع ذلك، يرى أن مخاوف الشباب ليست بلا أساس، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلغي بعض الوظائف وفي الوقت نفسه يخلق وظائف وقطاعات جديدة.

المشكلة، بحسب فراي، أن الوظائف الجديدة قد تحتاج سنوات حتى تظهر وتتوسع، بينما يمكن للوظائف المتأثرة بالتكنولوجيا أن تختفي بوتيرة أسرع.

ويختلف التطور الحالي عن موجات الأتمتة السابقة، بحسب فراي، لأن النصائح التقليدية التي كانت تقدم للشباب، مثل الحصول على تعليم أعلى أو الالتحاق بالجامعة، لم تعد تضمن بالضرورة مستقبلًا مهنيًا واضحًا.

ويشير إلى ارتفاع تكاليف التعليم العالي وتراجع العائد المادي منه، في وقت قد يزيد فيه الذكاء الاصطناعي من حالة عدم اليقين التي يعيشها الخريجون بشأن مستقبلهم المهني.

تكلفة بيئية متزايدة

تأتي البيئة في مقدمة المخاوف التي يطرحها بعض الشباب بشأن الذكاء الاصطناعي.

فالأنظمة التوليدية تحتاج إلى قدرات حوسبة ضخمة، الأمر الذي يتطلب مراكز بيانات تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء، إلى جانب المياه المستخدمة في عمليات التبريد.

وتخشى فريدة من أن يؤدي هذا الاستخدام المتزايد إلى استنزاف موارد المياه النظيفة.

وحذر تحقيق أجراه مركز المياه والبيئة والصحة التابع لجامعة الأمم المتحدة ونشرت نتائجه في يونيو الماضي من الحجم المحتمل لاستهلاك الذكاء الاصطناعي للمياه والطاقة بحلول عام 2030.

وبحسب التقديرات الواردة في التحقيق، يمكن أن يصل استهلاك الذكاء الاصطناعي للمياه إلى مستوى يعادل احتياجات 1.3 مليار شخص، بينما قد يبلغ استهلاكه من الطاقة ثلاثة أمثال استهلاك نحو 650 مليون شخص.

ويقول البروفيسور نيل سلوين، الأستاذ بكلية الإعلام في جامعة موناش الأسترالية والباحث في التعليم الرقمي وتأثير التكنولوجيا على المجتمع، إن المخاوف البيئية أصبحت واضحة بين قطاعات واسعة من الشباب.

ويزداد هذا القلق في ظل أزمات الطاقة التي تشهدها مناطق مختلفة من العالم.

لكن سلوين يرى أن المشكلة لا تقع على عاتق الشباب وحدهم، لأنهم يجدون أنفسهم في عالم أصبحت فيه الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي جزءًا من متطلبات الحياة اليومية.

ولهذا، يرى أن مواجهة المشكلة تحتاج إلى مزيد من الضغط على شركات التكنولوجيا والحكومات، وليس الاكتفاء بتوعية المستخدمين.

الذكاء الاصطناعي ليس مرفوضًا.. لكن ليس بديلًا عن الإنسان

ورغم كل المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، لا يدعو الخبراء إلى التخلي عنه بالكامل.

ويرى فراي أن الأفضل هو استخدامه باعتباره أداة تساعد الإنسان على اختبار معلوماته والحصول على المشورة، وليس وسيلة لاختصار الطريق أو القيام بالمهام التي يفترض أن يؤديها الإنسان بنفسه.

وبالنسبة إلى التعليم، يرى سلوين أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مفيدًا، لكن استخدامه يحتاج إلى ضوابط ودراسة دقيقة لما يخدم الطلاب والمعلمين والمدارس.

ويؤكد أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون مكملًا للتعليم وليس بديلًا عنه.

كما يجب أن يتعلم الطلاب كيفية التفكير النقدي في التكنولوجيا، وطرح أسئلة حول تأثيرها على حياتهم وحقوقهم والبيئة، إلى جانب معرفة البدائل المتاحة وعدم التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها الحل الوحيد لكل مشكلة.

أما كلير واردل، فترى أن التعامل مع عصر الذكاء الاصطناعي يتطلب قدرًا أكبر من الشفافية من شركات التكنولوجيا، إضافة إلى تشريعات أكثر صرامة وقواعد واضحة تنظم استخدام هذه التقنيات.

لكنها تؤكد أن القوانين وحدها لن تكون كافية، مشددة على ضرورة رفع مستوى الثقافة الرقمية لدى جميع الفئات العمرية، بحيث يفهم الناس ما يمكن أن يخسروه عندما يتركون للذكاء الاصطناعي مهمة التفكير نيابة عنهم.

وتشمل هذه القضايا الإبداع وحقوق النشر والخصوصية والقدرة على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصطنع.

وفي النهاية، قد لا يكون التحدي الأكبر أمام الجيل زد هو تعلم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، بل تعلم متى يجب عدم استخدامه، وكيف يحافظ الإنسان على قدرته على التفكير والإبداع واتخاذ القرار في عالم تتوسع فيه هذه التكنولوجيا بسرعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى