صفقة نووية بين واشنطن والرياض تعيد رسم موازين الشرق الأوسط وتفتح باب المخاطر

وقعت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، الأربعاء 22 يوليو 2026، اتفاقًا للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية بموجب “المادة 123” من قانون الطاقة الذرية الأمريكي لعام 1954، يمتد العمل به لمدة 30 عامًا تقدر قيمته الاستثمارية بمليارات الدولارات.
ويجمع محللون عرب وأجانب على أن الاتفاق يجسّد فلسفة الرئيس دونالد ترامب في الحكم القائمة على “الصفقة” كأداة مركزية للسياسة الخارجية، في وقت يحذّر فيه منتقدون من أنه يفتح الباب أمام سباق تسلح نووي إقليمي.
كيف تصف واشنطن الاتفاق
وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت قال لقناة “فوكس بيزنس” إن أجندة ترامب في الشرق الأوسط باتت تدور حول التجارة لا الصراع.
وتتحدث الإدارة الأمريكية عن ثلاثة مكاسب رئيسية: اتفاق يفي -بحسب وصفها- بأعلى معايير منع الانتشار النووي، ودفعة كبرى لصناعة الطاقة النووية الأمريكية (ويذكر أن شركة “وستنغهاوس” من أبرز المستفيدين المحتملين وفق صحيفة نيويورك تايمز)، وتعزيز للعلاقة مع حليف خليجي محوري بدل تركه لمنافسين مثل الصين أو روسيا.
من جهته، دافع وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث عن الاتفاق أمام مجلس الشيوخ، معتبرًا أن الرئيس يستحق الإشادة لحرصه على منع “المتطرفين” -في إشارة إلى إيران- من امتلاك سلاح نووي يمكن استخدامه للابتزاز.
أبرز البنود المثيرة للجدل: تخصيب دون “المعيار الذهبي”
تتقاطع تقارير صحف ووكالات أمريكية عدة -من بينها وول ستريت جورنال ورويترز ونيويورك تايمز وسي إن إن- حول نقطة جوهرية: الاتفاق لا يتضمن ما يُعرف بـ”المعيار الذهبي” (Gold Standard) الذي كان سيمنع السعودية من تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي المستهلك، وهما مساران محتملان نحو صنع سلاح نووي.
كما لا يتضمن الاتفاق التزامًا سعوديًا بالبروتوكول الإضافي التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يمنح مفتشي الوكالة صلاحيات موسّعة للوصول إلى المنشآت والبيانات والمواقع غير المُعلنة.
في المقابل، تشير تقارير إلى صيغة بديلة تُعرف بترتيب “الصندوق الأسود” (Black Box)، تقضي بإنشاء منشأة تخصيب على الأراضي السعودية يديرها موظفون وشركات أمريكية حصرًا، بحيث لا تنقل التقنية الفعلية إلى الجانب السعودي، وذلك في محاولة لتحقيق الطموح السعودي بتخصيب محلي مع الحد من مخاطر الانتشار.
وبحسب وكالة رويترز، اشترط الجانب السعودي تاريخيًا عدم توقيع أي اتفاق يستبعد نهائيًا إمكانية التخصيب أو إعادة المعالجة، وهو ما أبقى المفاوضات متعثرة لسنوات قبل أن تتسارع الخطى مؤخرًا.
وبحسب صحيفة “جيروزاليم بوست”، فإن الاتفاق سيحال إلى الكونغرس ليدخل في مهلة مراجعة تمتد نحو 90 يوم عمل تشريعي متواصل، ولا يمكن إيقافه إلا بتمرير قرار مشترك من الكونغرس يحظى بأغلبية الثلثين لتجاوز أي فيتو رئاسي محتمل -وهي عتبة عالية تجعل تمرير الاتفاق شبه مؤكد ما لم يحدث اعتراض واسع النطاق.
كما تحدثت تقارير عن وجود “خطابات جانبية” سرية ضمن الاتفاق تحتوي معلومات أمنية وتقنية حساسة، يطالب بعض المشرعين بالكشف عنها قبل التصويت.
مقارنة مع اتفاقية الإمارات
يعود الجدل بشكل متكرر إلى مقارنة الاتفاق السعودي باتفاقية 123 الموقعة بين واشنطن وأبوظبي عام 2009، والتي بموجبها التزمت الإمارات بالتخلي الكامل عن التخصيب وإعادة المعالجة ووقعت على البروتوكول الإضافي، لتصبح لاحقًا الدولة الخليجية الوحيدة التي تحوز على شراكة نووية رسمية مكتملة الشروط مع واشنطن.
ويرى خبراء أن غياب التزام مماثل في الحالة السعودية يمثل تراجعًا عن “المعيار الذهبي” الذي أرسته تجربة الإمارات
أقرأ أيضا: الإسرائيليون يخشون من أن يشعل اتفاق نووي سعودي-أمريكي سباق تسلح بالمنطقة
من واشنطن إلى تل أبيب
نقلت شبكة “سي إن إن” عن كيلسي دافنبورت، مديرة سياسات منع الانتشار في “رابطة الحد من التسلح”، وصفها الاتفاق بأنه خطوة متهورة، محذرة من أن تداعياته الأوسع قد تمتد لسنوات.
كما نقلت عن جون إيراث، مدير السياسات الأول في “مركز الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي”، تحذيره من أن غياب معايير الوكالة الدولية القياسية -المعتمدة في الاتفاق الإماراتي- يمثل “مشكلة كبيرة للغاية”، إذ إن هذه المعايير ضرورية لضمان عدم انزلاق أي نشاط تخصيب سعودي نحو قدرات تصنيع سلاح نووي.
في السياق ذاته، استضاف “المجلس الأطلسي” (Atlantic Council) عدة خبراء قدّموا قراءات متباينة: فبينما اعتبرت الباحثة جينيفر غوردون الاتفاق مكسبًا لواشنطن في مواجهة النفوذ الروسي والصيني، رأى الباحث ماثيو كرونيغ أنه سيكون خطأً استراتيجيًا منح الرياض قدرة تخصيب من الأساس.
أما أليسون مينور فربطت تسارع الاتفاق بالضغط السياسي الناجم عن الحرب مع إيران، فيما أشار دانيال شابيرو إلى أن المسار النووي جرى فصله عمليًا عن ملف تطبيع العلاقات السعودية-الإسرائيلية، بعدما كان مرتبطًا سابقًا بصفقة دفاعية أوسع، في وقت عرقلت فيه الحرب على غزة أي تقدم نحو التطبيع.
توقيت محفوف بالتناقض: الحرب على إيران
يبرز الاتفاق في توقيت لافت يتزامن مع تصعيد عسكري أمريكي غير مسبوق ضد إيران، تبرره واشنطن بضرورة منع طهران من امتلاك قنبلة نووية.
ويرى الزميل ستيفن كولينسون في تحليل نشرته “سي إن إن” أن السماح لحليف مثل السعودية بالتوسع في تخصيب اليورانيوم بينما تُخاض حرب ضد إيران لمنعها من الأمر ذاته، يُرسل رسالة مفادها أن حلفاء واشنطن يملكون حق التخصيب بينما يُحرم منه خصومها، وهو ما قد يضع ضغطًا هائلًا على منظومة منع الانتشار الدولية ويدفع إيران للبحث عن شركاء بديلين، ويُعقّد أي مفاوضات نووية مستقبلية معها، إذ ستجد طهران في الاتفاق السعودي سابقة تطالب بموجبها بامتيازات مماثلة.
أقرأ أيضا:جبل الفأس.. أسرار الموقع النووي الإيراني الذي وضعه ترامب في مرمى التهديد
نهج ترامب: كسر الأعراف كسياسة ثابتة
يضع كولينسون الاتفاق ضمن نمط متكرر في سياسة ترامب بالمنطقة، شمل الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، واغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وقصف منشآت نووية إيرانية العام الماضي، ثم شن حرب شاملة ضد إيران في فبراير الماضي.
كما يشير إلى تعهد ترامب هذا العام برفع تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب -وهو تصنيف قائم منذ 1979- استنادًا إلى علاقته الشخصية بالرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، رغم أن منتقدين رأوا أنه كان ينبغي استغلال هذه الورقة للضغط من أجل إصلاحات سياسية وحقوقية.
ويلاحظ التحليل أن ترامب كسر أيضًا القالب الدبلوماسي الحذر الذي التزمت به الإدارات الأمريكية تاريخيًا تجاه الخليج، إذ اختار إبداء إعجاب علني بالحكام العرب الأقوياء والتعامل مع دولهم كفرصة استثمارية مباشرة، بدل الموازنة التقليدية بين الشراكة الاستراتيجية والضغط على ملفات حقوق الإنسان.
حجة المؤيدين
يرى مؤيدو ترامب أن عقودًا من النهج الأمريكي التقليدي فشلت في تحقيق استقرار حقيقي بالمنطقة، وأن الإدارة الحالية تتخذ قرارات جريئة تجنّبها الرؤساء السابقون.
ويستشهدون بأن عدم إبرام واشنطن للاتفاق كان سيفتح الباب أمام الصين أو روسيا للحلول محلها، بما يمنحهما موطئ قدم استراتيجيًا في قلب الخليج.
المخاطر بعيدة المدى
يحذر منتقدون، بينهم دافنبورت، من أن الشريك الحالي لواشنطن ليس بالضرورة شريكها في المستقبل، وأن التكنولوجيا النووية بمجرد نقلها لا يمكن لواشنطن ضمان البقاء متحكمة في مسارها لاحقًا، خصوصًا في منطقة عُرضة تاريخيًا لتقلبات سياسية وصعود جماعات متشددة.
كما يخشى مراقبون إسرائيليون تحديدًا من أن يفضي الاتفاق في نهاية المطاف إلى قدرة سعودية على تخصيب اليورانيوم بدرجة نقاء عسكرية، بينما تصرّ الرياض على أنها لن تسعى لسلاح نووي إلا إذا سبقتها إيران إلى ذلك -وهو تهديد كرره ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أكثر من مرة- مع تحذيرات من أن أي خطوة سعودية في هذا الاتجاه قد تدفع مصر أو تركيا لحذو حذوها.
خلفية التفاوض: مسار بدأ قبل سنوات
تعود جذور المفاوضات إلى ما قبل عام 2019، حين كشفت تقارير عن سعي مسؤولين في الإدارة الأمريكية آنذاك لتسريع نقل تقنيات نووية للرياض، ثم تواصلت المباحثات عبر إدارتي بايدن وترامب. وفي إبريل الماضي، أعلن وزير الطاقة كريس رايت خلال زيارته الرياض أن البلدين “على مسار” نحو اتفاق مدني، فيما أكد مسؤولون سعوديون تكرارًا رغبتهم في الاحتفاظ بحق التخصيب كشرط لأي اتفاق.
ووفق رويترز، جرى في مرحلة لاحقة فصل الملف النووي عن ملف التطبيع مع إسرائيل الذي كان جزءًا من صفقة دفاعية أوسع، بعدما عرقلته حرب غزة.
يمثل الاتفاق النووي الأمريكي-السعودي، مكسبًا اقتصاديًا واستراتيجيًا قصير المدى لواشنطن ومطلبًا سعوديًا طال انتظاره لبناء صناعة نووية مدنية متكاملة ضمن أهداف “رؤية 2030”.
لكنه يفتح في المقابل نافذة على مخاطر بعيدة المدى تتعلق بمستقبل نظام منع الانتشار النووي العالمي، في ظل توقيت متزامن مع حرب أمريكية-إيرانية مستمرة، وغياب ضمانات رقابية بمستوى “المعيار الذهبي” الذي اعتمدته الإمارات، وسط ترقب لمآلات مراجعة الكونغرس ولما قد يحمله المستقبل السياسي للمنطقة على مدى العقود الثلاثة المقبلة التي يمتد إليها الاتفاق.



