
في خطوة وصفتها تايوان بـ”العمل الاستفزازي”، نفّذت الصين عملية بحرية واسعة النطاق شرق جزيرة تايوان امتدت لأيام متواصلة، فتّشت خلالها سفن خفر السواحل الصيني نحو مئتي سفينة تجارية، وأجرت مسوحات بحريةفي المنطقة، وحلّقت فوق ممرات تمر عبرها كابلات اتصالات بحرية دولية.
وقد انتهت العملية في الحادي عشر من يونيو الجاري، لتُخلّف وراءها توترات متصاعدة تنذر بإعادة رسم ملامح التنافس البحري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
الشرارة: اليابان والفلبين يرسمان حدودهما
الفتيل الذي أشعل الأزمة لم يكن تايوانياً هذه المرة. في الثامن والعشرين من مايو الماضي، أعلنت رئيسية الوزراء الياباني ساناي تاكاياتشي والرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن، على هامش اجتماعهما في طوكيو، عزمهما الشروع في مفاوضات رسمية لترسيم حدودهما البحرية في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.
ردّت بكين في اليوم التالي مباشرةً على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماو نينغ، مؤكدةً أن المنطقة المعنية “تقع شرق جزيرة تايوان الصينية”، وأن الصين تمتلك فيها منطقة اقتصادية خالصة وجرفاً قارياً بموجب القانون الدولي. وخلصت إلى أن أي مفاوضات ثنائية دون مشاركة بكين هي “انتهاك صريح للقانون الدولي”.
في السادس من يونيو، تحوّل الكلام إلى فعل؛ إذ أطلقت وزارة النقل الصينية بالتنسيق مع إدارات السلامة البحرية في فوجيان وغوانغدونغ ما وصفته بـ”عملية خاصة لإنفاذ قانون الملاحة البحرية”، نشرت بموجبها سفن خفر السواحل في المياه الواقعة شرق تايوان.
أقرأ أيضا:مواجهة بين خفر السواحل التايواني والصيني قرب جزر براتاس
أقرأ أيضا:رئيس تايوان يتحدى ضغوط بكين وترامب: لا أحد يقرر مصير الجزيرة
تايوان: لن نتنازل عن شبر من مياهنا
لم تتأخر تايبيه في الرد، نشر خفر السواحل التايواني أكثر من خمس سفن لمراقبة التحركات الصينية وإبعادها، فيما أكد وزير الدفاع ويلينغتون كو أن بلاده تعتبر هذه الدوريات “عملاً استفزازياً”، وأن الجيش سيتنسق تاماً مع خفر السواحل في التصدي لها.
وفي بيان رسمي صدر عقب انتهاء العملية الصينية، أعلن خفر السواحل التايواني أن “سيادة تايوان البحرية لا يمكن انتهاكها”، مضيفاً بصرامة: “أي دولة تدّعي ممارسة الولاية في هذه المياه ستُطرد دون استثناء”.
وذهب الأمين العام لمجلس الوزراء أبعد من ذلك، إذ قال إن “أفعال الصين لا تنتهك سيادتنا فحسب، بل تتعارض مع القانون الدولي والاتفاقيات الدولية”، مؤكداً: “لن نتنازل عن شبر واحد من مياهنا الزرقاء”.
وكشفت رئيسة مجلس الشؤون البحرية كوان بي-لينغ أن الصين شنّت منذ مطلع مايو حملة “استفزازات متصاعدة” شملت أيضاً عمليات قرب جزر براتاس الاستراتيجية التي تسيطر عليها تايوان في أعلى بحر الصين الجنوبي.
أقرأ أيضا:تايوان تحت المجهر.. تساؤلات حول مستقبل الدعم العسكري الأمريكي
ما الذي تفعله سفن الصين؟
ما يجعل هذه العملية مثيرة للقلق ليس حجمها فحسب، بل طبيعتها. لم تكتفِ سفن خفر السواحل الصيني بالمرور؛ بل استوقفت سفناً تجارية عابرة وطالبتها بتقديم معلومات عن منشئها ووجهتها، مدّعيةً صلاحية قانونية في مياه تعتبرها تايبيه مياهاً دولية.
وأجرت مسوحات بحرية دقيقة للمنطقة، ودارت قرب مسارات كابلات الاتصالات البحرية التي تمر عبرها جزء كبير من حركة الإنترنت العالمية الرابطة بين آسيا والولايات المتحدة.
يرى المحللون أن هذا السلوك يُجسّد ما بات يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ”تكتيكات المنطقة الرمادية”؛ وهي مقاربة تسعى إلى تحقيق مكاسب سيادية دون عبور عتبة المواجهة العسكرية المباشرة. الهدف ليس الانتصار في معركة، بل تطبيع الحضور وبناء حقائق ميدانية تراكمية تُعيد تشكيل الواقع القانوني والسياسي ببطء.
أقرأ أيضا:قلق في واشنطن من تحرك صيني ضد تايوان بعد قمة ترامب وشي جين بينغ
الرسالة إلى طوكيو ومانيلا
أصدر المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية تشانغ شياوغانغ في التاسع من يونيو تحذيراً صريحاً: “إذا أصرّت اليابان والفلبين على المضيّ في طريقهما، فسيحصلان على ما يستحقانه”، مطالباً إياهما بـ”الوقف الفوري لكل الأفعال غير القانونية التي تمس السيادة والحقوق الصينية”.
وتصف بكين محادثات الترسيم الثنائية بـ”منطق قطع الكعكة خلف الأبواب المغلقة”، وترى أنها تُفرغ اتفاقية UNCLOS من مضمونها بإقصاء الطرف الأكثر مصلحة عن الطاولة.
في المقابل، أوضح مسؤول الحكومة اليابانية مينورو كيهارا أن أي اتفاق بين طوكيو ومانيلا “لن يكون ملزماً قانونياً لأي طرف ثالث”، وبالتالي “لا إشكال في القانون الدولي”. وطالبت تايوان بدورها باستشارتها في هذه المفاوضات، مؤكدةً أن المياه المعنية تتداخل مع مناطق تتمتع فيها بحقوق ومصالح مشروعة.
من جانبه أوضح، محمد صلاح الدين الباحث في الشؤون الآسيوية في تصريحات خاصة لـ “داي نيوز” أن التدريبات التي كانت تجريها الصين في السنوات الأخيرة حول تايوان كان هدفها الرئيسي، إلى جانب التدريب على حصار الجزيرة، هو تغيير الوضع الراهن من خلال عبور الخط الوهمي الفاصل بين البر الرئيسي والجزيرة في مضيق تايوان وحول الجزيرة بشكل عام بزيادة القطع البحرية والطائرات المحيطة بالجزيرة تدريجيا.
نعود أيضًا للأساسيات التي تقوم عليها سياسة الصين في المنطقة باعتبارها الجزيرة جزءً لا يتجزأ من أراضيها، وبالتالي أي اتفاق لترسيم الحدود لأي دولة قريبة يؤثر على سيادة بكين، فضلًا عن الخلاف المتنامي بين بكين ومانيلا فيما يخص بحر الصين الجنوبي
ويضيف صلاح الدين في تعليقه لـ موقع “داي نيوز” بالعودة أيضًا إلى الأساسيات التي تقوم عليها سياسة الصين في المنطقة باعتبارها الجزيرة جزءً لا يتجزأ من أراضيها، وبالتالي أي اتفاق لترسيم الحدود لأي دولة قريبة يؤثر على سيادة بكين، فضلًا عن الخلاف المتنامي بين بكين ومانيلا فيما يخص بحر الصين الجنوبي
أقرأ أيضا:وزير الدفاع الياباني: الصين تثير القلق بتوسعها العسكري المتسارع
مياه ليست كأي مياه
ما يمنح هذا النزاع ثقلاً يتجاوز الجغرافيا هو الأهمية الاستثنائية للمياه الواقعة شرق تايوان. فهي تحتضن ممرات ملاحية دولية رئيسية يعبرها قسط كبير من التجارة العالمية، وتمر في أعماقها كابلات الإنترنت الواصلة بين آسيا وأمريكا.
كما أن المسوحات البحرية التي أجرتها السفن الصينية تمنح بكين بيانات استراتيجية دقيقة عن تضاريس قاع البحر، مما يرفع تكاليف أبسط محتملة لأي تدخل خارجي في أزمة مستقبلية. والتحكم في هذه المياه، حتى رمزياً، يُقيّد حرية حركة القوات البحرية الأمريكية واليابانية في سيناريوهات الأزمات.
إلى أين؟
يُحذّر الخبراء من أن تكرار هذه الدوريات قد يُفضي تدريجياً إلى إعادة تشكيل التصورات حول السلطة البحرية في المنطقة، حتى دون أن يُطلق أحد رصاصة واحدة. فالصين أثبتت قدرتها على التصرف في هذه المياه، ووضعت اليابان والفلبين أمام ثمن مرئي لمساعيهما، وأجبرت تايوان على الانتشار الميداني رداً على كل تحرك.
وتبقى تايوان في قلب العاصفة، تحمل ثقل تاريخ لم يُحسم منذ عام 1949، حين انتهت الحرب الأهلية الصينية بانسحاب الحكومة الوطنية إلى الجزيرة وإعلانها “جمهورية الصين”، فيما أسّست بكين “جمهورية الصين الشعبية” على البر الرئيسي.
منذ ذلك اليوم، لم يُوقَّع سلام، ولم تُعقد وحدة، وظلّ المضيق الفاصل بين الطرفين أحد أخطر الفتائل المشتعلة في العالم.
تنظر بكين إلى تايوان باعتبارها جزيرة تابعة لها، وتبذل جهودًا سياسية ودبلوماسية لإنهاء أي اعتراف دولي بها، فيما ترى سلطات الجزيرة كيانًا سياسيًا مستقلًا عن بكين.
المصادر: رويترز، CGTN، بيبلز ديلي، غلوبال تايمز، وكالة الأنباء المركزية التايوانية (CNA)، مجلة مودرن ديبلوماسي، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)



