تقارير

«المسدس المعقود» في الأمم المتحدة.. كيف تحوّل سلاح إلى رمز عالمي للسلام ونبذ العنف؟

في مدخل مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، يقف تمثال يحمل رسالة مختلفة عن طبيعة المكان الذي يوجد فيه؛ فهو على هيئة مسدس برونزي كبير معقود السبطانة، ما يجعله غير قادر على إطلاق النار.

ويعرف العمل باسم «اللاعنف» أو «المسدس المعقود»، وأصبح واحدًا من أشهر الرموز الفنية المرتبطة بالسلام ومناهضة العنف.

ومع انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، يستعيد التمثال حضوره الرمزي، إذ يقف في المكان الذي يناقش فيه قادة الدول الحروب والنزاعات والأزمات الدولية، ليقدم رسالة بصرية تختصر فكرة نبذ العنف دون الحاجة إلى كلمات.

من اغتيال جون لينون إلى فكرة «لا للعنف»

بدأت قصة التمثال عام 1980، عقب اغتيال الموسيقي البريطاني جون لينون، أحد أعضاء فرقة «بيتلز»، والذي عُرف بمواقفه الداعية إلى السلام ونبذ العنف.

وكان الفنان السويدي الراحل كارل فريدريك رويترسفارد صديقًا للينون، وقد شعر بحزن وغضب شديدين عقب مقتله، إلى جانب تأثره بتكرار أعمال العنف غير المبرر.

ودفعه ذلك إلى التوجه إلى مرسمه والبدء في تصميم عمل فني حمل فكرة «لا للعنف»، فاختار مسدسًا حقيقي الشكل لكنه أعاد تصميمه بطريقة تجعله عاجزًا عن أداء وظيفته الأساسية.

وهكذا أصبحت السبطانة المعقودة هي العنصر الأساسي في العمل، إذ تحول السلاح من أداة للقتل إلى رمز بصري يدعو إلى رفض استخدام العنف.

لماذا اختار الفنان شكل المسدس؟

لم يكن اختيار السلاح مجرد صدفة، إذ أراد رويترسفارد إعادة تعريف وظيفة المسدس من خلال مفارقة بصرية واضحة: سلاح موجود لكنه غير قادر على إطلاق النار.

وأوضح الفنان في بيان له عام 1988 أن إدخال عنصر من الفكاهة كان مقصودًا، بحيث يصبح السلاح نفسه رمزًا ساخرًا وغير صالح للاستخدام.

وتقول الأمم المتحدة إن العمل يجسد رؤية جون لينون لعالم يسوده السلام، مشيرة إلى أن لينون كان من أبرز المدافعين عن السلام ونبذ العنف من خلال أعماله ومواقفه.

من نيويورك إلى مقر الأمم المتحدة

النسخة الموجودة حاليًا أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك كانت من بين أول ثلاث نسخ أُنتجت من التمثال.

وكانت قد وُضعت في البداية بالقرب من نصب «ستروبري فيلدز» التذكاري في سنترال بارك بمدينة نيويورك، بالقرب من الموقع الذي كان يعيش فيه جون لينون وزوجته يوكو أونو.

وفي عام 1988 اشترت حكومة لوكسمبورغ التمثال، ثم تبرعت به للأمم المتحدة.

وفي يونيو 1988، أُزيح الستار عن العمل في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، خلال مراسم حضرها الفنان كارل فريدريك رويترسفارد، ويوكو أونو، والأمين العام للأمم المتحدة آنذاك خافيير بيريز دي كوييار.

ومنذ ذلك الحين أصبح التمثال جزءًا من المشهد البصري لمقر المنظمة الدولية، وأحد الأعمال الفنية الأكثر ارتباطًا برسالة السلام.

«أعظم صلاة للإنسان»

بعد مرور نحو عقد على وصول التمثال إلى مقر الأمم المتحدة، وصف الأمين العام السابق كوفي أنان العمل عام 1999 بأنه رمز قوي يختصر ما وصفه بـ«أعظم صلاة للإنسان»، وهي الصلاة التي لا تطلب الانتصار، وإنما السلام.

وأصبح التمثال بمرور الوقت أكثر من مجرد عمل فني، إذ ارتبط بصورة الأمم المتحدة ورسالتها المتعلقة بمنع النزاعات والدعوة إلى التسوية السلمية.

نسخ حول العالم

لم تتوقف قصة «المسدس المعقود» عند نيويورك، إذ ظهرت نسخ من العمل في عدد من الدول والمدن حول العالم، من بينها السويد وألمانيا والصين وجنوب أفريقيا وبريطانيا وسويسرا وغيرها.

وتحول العمل إلى أحد أشهر الرموز الفنية العالمية المناهضة للعنف، بفضل فكرته البصرية البسيطة التي تقوم على تحويل أداة مصممة لإطلاق النار إلى سلاح يستحيل استخدامه بسبب عقدة واحدة في سبطانته.

لكن النسخة الموجودة في مقر الأمم المتحدة تظل الأكثر ارتباطًا برسالة المنظمة الدولية.

وفي المكان الذي تجتمع فيه دول العالم لمناقشة الحروب والأزمات وقضايا الأمن والسلام، يقف التمثال برسالته الصامتة: مسدس موجود، لكنه لا يستطيع إطلاق النار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى