هل يستطيع الذكاء الاصطناعي فهم لغة الحيوانات أم يكتشف أنماط أصواتها فقط؟

أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على تحليل تفاصيل دقيقة في أصوات الدلافين والفيلة والحيتان، واكتشاف أنماط وتكرارات قد يصعب على الإنسان ملاحظتها، لكنه لم يصل حتى الآن إلى مرحلة ترجمة ما تقوله الحيوانات أو الكشف بدقة عما تفكر فيه.
وتتمثل أبرز التحديات في وجود فجوة علمية بين التعرف على الأصوات وفهم معناها. فقد يكتشف نموذج للذكاء الاصطناعي أن نداءً معينًا يتكرر عند اقتراب حيوان آخر أو ظهور خطر، لكن ذلك لا يثبت بالضرورة أن النداء يعني «اقترب» أو «خطر» بالمعنى البشري.
ومن هنا يبرز سؤال أساسي: هل يقترب الذكاء الاصطناعي بالفعل من فهم الحيوانات، أم أنه يكتشف أنماطًا مقنعة يمكن أن يسيء البشر تفسيرها؟
«دولفين جيما».. تحليل الأصوات دون ترجمة
يعد مشروع «دولفين جيما» من أبرز المحاولات في هذا المجال، وقد طورته غوغل بالتعاون مع مشروع الدلافين البرية ومعهد جورجيا للتكنولوجيا.
وتدرب النموذج على قاعدة كبيرة من تسجيلات الدلافين، وأصبح قادرًا على تحليل أصواتها، واكتشاف التسلسلات المتكررة، والتنبؤ بالصوت الذي قد يأتي لاحقًا، إضافة إلى إنتاج أصوات تشبه نداءات الدلافين.
لكن هذه القدرات لا تعني أن النموذج يعرف معنى الأصوات التي يحللها.
فالتنبؤ بالصوت التالي يشبه قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية على توقع الكلمة التالية في جملة، وهو أمر لا يكفي وحده لإثبات فهم تجربة الحيوان أو الرسالة التي يحاول إيصالها.
وتأمل الفرق العلمية أن تساعد هذه التقنيات في ربط الأصوات بسلوك الحيوانات والظروف المحيطة بها، بما قد يمهد مستقبلًا للوصول إلى مفردات محدودة ومشتركة بين البشر والدلافين، لكن المشروع لا يدعي امتلاك مترجم فوري للغة الدلافين.
هل تستخدم الفيلة نداءات تشبه الأسماء؟
أظهرت دراسة منشورة في دورية «نيتشر إيكولوجي أند إيفولوشن» أن فيلة السافانا الإفريقية قد تستخدم نداءات فردية تشبه الأسماء عند التواصل مع أفراد محددين.
واعتمد الباحثون على تقنيات التعلم الآلي لتحليل نداءات الفيلة، ثم أجروا تجارب من خلال تشغيل تسجيلات لهذه الأصوات.
وأظهرت النتائج أن الفيل استجاب بدرجة أكبر للنداء الموجه إليه مقارنة بالنداءات الموجهة إلى أفراد آخرين.
وتشير هذه النتائج إلى وجود معلومات داخل بعض النداءات تساعد في تحديد هوية المتلقي، لكنها لا تعني أن العلماء أصبحوا قادرين على ترجمة الحوار الكامل بين الفيلة أو معرفة جميع الرسائل التي تحملها تلك الأصوات.
حيتان العنبر تكشف بنية تواصل أكثر تعقيدًا
وفي إطار مشروع «سيتي»، حلل الباحثون آلاف النقرات القصيرة التي تستخدمها حيتان العنبر في التواصل، وتمكنوا من رصد تغيرات منظمة في الإيقاع والسرعة وعدد النقرات والعناصر الصوتية الإضافية.
وأظهرت دراسة منشورة في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» أن هذه العناصر يمكن أن تتجمع بطرق مختلفة، ما يشير إلى أن نظام التواصل لدى حيتان العنبر أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا.
لكن اكتشاف هذه البنية لا يعني معرفة ما تقوله الحيتان بالفعل.
فوجود نمط يشبه الأبجدية أو وجود وحدات صوتية منظمة لا يكشف تلقائيًا عن الكلمات أو المعاني التي تنقلها هذه الوحدات.
خطر الوقوع في «الترجمة الوهمية»
قد يكتشف الذكاء الاصطناعي ارتباطًا بين صوت معين وسلوك محدد، لكن هذا الارتباط لا يمثل بالضرورة المعنى الحقيقي للنداء.
فالصوت الحيواني قد يتأثر بعوامل متعددة، من بينها هوية الحيوان وعمره وحالته الانفعالية والبيئة المحيطة به، وليس بالضرورة برسالة واحدة يمكن ترجمتها بصورة مباشرة.
كما أن التواصل بين الحيوانات لا يعتمد دائمًا على الأصوات وحدها، إذ يمكن أن يشمل الحركة واللمس والروائح ووضعية الجسم والإشارات البصرية.
ولهذا فإن تحليل التسجيلات الصوتية بمعزل عن السياق والسلوك والعوامل الأخرى قد يؤدي إلى تفسيرات ناقصة أو مضللة.
الذكاء الاصطناعي يفتح بابًا جديدًا للبحث
ورغم هذه القيود، لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي فشل في دراسة تواصل الحيوانات، بل أتاح للعلماء أدوات أكثر قدرة على فرز كميات ضخمة من التسجيلات واكتشاف أنماط يصعب على البشر رصدها بالطرق التقليدية.
فالآلة أصبحت قادرة على سماع وتحليل تفاصيل لم يكن من السهل اكتشافها سابقًا، لكن اكتشاف الأنماط يظل مختلفًا عن إثبات فهم معناها.
وبالتالي، لا يزال «مترجم الحيوانات» هدفًا علميًا طموحًا، بينما تركز الأبحاث الحالية على فهم العلاقة بين الأصوات والسلوك والسياق، قبل الوصول إلى مرحلة يمكن فيها الحديث عن ترجمة حقيقية للغات الحيوانات.



