تقارير

محللون: أوروبا تبتعد عن واشنطن وتبني استراتيجية دفاعية مستقلة

 

تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا تحولًا غير مسبوق منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، إذ يرى محللون أن القارة الأوروبية بدأت تتخلى تدريجيًا عن سياسة الانحياز التلقائي لأولويات واشنطن، في ظل تنامي الشكوك بشأن موثوقية الولايات المتحدة وتصاعد التهديدات الأمنية التي تواجهها القارة.

وبحسب تحليل مشترك نشرته مجلة “فورين أفيرز”، أعدته مارينا هنكه، أستاذة العلاقات الدولية ومديرة مركز هارته للأمن الدولي، وإيرين مارينوفا وتيل كونبلوش، الباحثان في مركز هنري كيسنجر للشؤون العالمية بجامعة جون هوبكنز، فإن أوروبا دخلت مرحلة إعادة صياغة شاملة لاستراتيجيتها الجيوسياسية والدفاعية استجابة للتحولات التي فرضتها سياسات ترامب منذ ولايته الأولى بين عامي 2017 و2021، وصولًا إلى ولايته الثانية.

إدارة ترامب تعمق الفجوة مع أوروبا

ويرى الباحثون أن إدارة ترامب تعاملت مع أوروبا باعتبارها شريكًا يتجه نحو التراجع، في ظل ما تعتبره واشنطن ضعفًا عسكريًا وتباطؤًا اقتصاديًا وتراجعًا سياسيًا وثقافيًا داخل القارة.

وأشار التحليل إلى أن محاولة ترامب الضغط على الدنمارك للتنازل عن جزيرة جرينلاند خلال عام 2025 مثلت أحد أبرز المؤشرات على تراجع احترام الإدارة الأمريكية لحلفائها الأوروبيين، وهو ما عزز القناعة داخل أوروبا بضرورة إعادة تقييم العلاقة مع واشنطن.

أوروبا تعيد بناء قوتها العسكرية

ووفقًا للتحليل، أدركت الدول الأوروبية أن النموذج الذي اعتمد لعقود على تحقيق الازدهار الاقتصادي في ظل المظلة الأمنية الأمريكية لم يعد قابلًا للاستمرار، ما دفع الحكومات الأوروبية إلى زيادة الإنفاق العسكري والاستثمار في الصناعات الدفاعية، ضمن استراتيجية تهدف إلى بناء استقلالية أمنية أكبر.

ويؤكد الباحثون أن أوروبا لم تعد مستعدة للمشاركة تلقائيًا في الحروب التي تقودها الولايات المتحدة كما حدث خلال العقود الماضية، خاصة أن العديد من تلك التدخلات اعتبرتها شعوب أوروبية وحكومات متعاقبة غير ضرورية أو مكلفة استراتيجيًا.

استطلاعات الرأي تكشف تحولًا في المزاج الأوروبي

وتعكس استطلاعات الرأي هذا التحول بوضوح، إذ أظهر استطلاع أجرته المفوضية الأوروبية أن 77% من الأوروبيين يعتبرون الحرب الروسية الأوكرانية تهديدًا مباشرًا لبقاء القارة.

كما يرى 59% من الألمان و50% من الفرنسيين و49% من البريطانيين أن روسيا تمثل أكبر تهديد لأمنهم القومي، ما يشير إلى انتقال المخاوف الأمنية من شرق أوروبا إلى قلب القارة

وفي المقابل، تتراجع الثقة في الولايات المتحدة بصورة متسارعة، إذ كشف استطلاع أجرته مؤسسة “يوجوف” لصالح المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في مايو الماضي أن 11% فقط من مواطني 15 دولة أوروبية ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها حليفًا، مقارنة بـ16% قبل ستة أشهر و22% في نوفمبر 2024.

وشملت الدراسة النمسا وبلغاريا والدنمارك وإستونيا وفرنسا وألمانيا والمجر وإيطاليا وهولندا وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد وسويسرا وبريطانيا.

دعم متزايد للتسلح الأوروبي وتقليص الاعتماد على السلاح الأمريكي

وفي ظل هذه المتغيرات، تؤيد أغلبية في الدنمارك وإستونيا وفرنسا وألمانيا وبولندا والبرتغال وبريطانيا زيادة الإنفاق الدفاعي، بينما بقيت إيطاليا الدولة الوحيدة التي تعارض فيها الأغلبية رفع الإنفاق العسكري.

كما تؤيد أغلبية الأوروبيين تقليل الاعتماد على المعدات العسكرية الأمريكية، مع تزايد الدعم لشراء الأسلحة الأوروبية، خاصة في الدنمارك وهولندا والسويد.

وفي السياق ذاته، تتزايد الدعوات لإعادة العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية، حيث تؤيد الأغلبية في فرنسا وألمانيا وبولندا إعادة التجنيد الإجباري، بينما تطبقه بالفعل كل من الدنمارك وإستونيا وسويسرا.

أوروبا توسع صناعاتها العسكرية

وبالتوازي مع ذلك، تعمل أوروبا على تعزيز قاعدتها الصناعية الدفاعية لتقليل اعتمادها على الصناعات العسكرية الأمريكية.

وفي ألمانيا، تتنافس شركات ناشئة مثل “هيلسينغ” و”ستارك ديفنس” على عقود بمليارات اليوروهات لتصنيع الطائرات المسيرة، بينما بدأت شركة “كوانتوم فرونت لاين إندستريز” الألمانية الأوكرانية إنتاج الطائرات المسيرة على نطاق صناعي بالقرب من ميونيخ.

كما تتعاون شركة “راينميتال” الألمانية مع شركة “ليوناردو” الإيطالية لإنتاج أكثر من ألف مركبة قتال مشاة وما يصل إلى 350 دبابة قتال رئيسية من طراز “بانثر KF51” لصالح الجيش الإيطالي.

عودة التجنيد الإجباري في أوروبا

ولم يقتصر التحول الأوروبي على الصناعات العسكرية، إذ أعادت كرواتيا وليتوانيا ولاتفيا والسويد العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية استجابة للتحديات الأمنية.

أما ألمانيا، التي علقت التجنيد الإجباري عام 2011، فقد بدأت إعادة تفعيل الخدمة العسكرية، وسجلت حتى نهاية مارس 2026 نحو 12.700 متطوع في الخدمة العسكرية بزيادة بلغت 13.5% مقارنة بالعام السابق، بينما ارتفع عدد طلبات الالتحاق بالقوات المسلحة إلى نحو 22.700 طلب، بزيادة قدرها 20%.

ويدعم هذا التوجه خطة المستشار الألماني فريدريش ميرتس لرفع قوام الجيش إلى 260 ألف جندي عامل و200 ألف جندي احتياطي بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، بهدف استعادة مكانة الجيش الألماني باعتباره “أقوى جيش نظامي في أوروبا”.

وفي السويد، تجاوز الإقبال على الخدمة العسكرية القدرة الاستيعابية للقوات المسلحة، إذ لا يتم قبول سوى أقل من 10% من المتقدمين المؤهلين.

تحديات تهدد المشروع الأوروبي

ورغم هذا التحول، يحذر الباحثون من أن المشروع الدفاعي الأوروبي لا يزال يواجه تحديات داخلية، أبرزها اختلاف أولويات الدول الأعضاء، وصعود الأحزاب اليمينية المشككة في الاتحاد الأوروبي.

وتشير استطلاعات الرأي إلى إمكانية فوز حزب “التجمع الوطني” الفرنسي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو ما قد يحد من اندفاع باريس نحو تعميق التكامل الأوروبي، رغم تخفيف الحزب مواقفه السابقة بشأن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

وفي ألمانيا، يواصل حزب “البديل من أجل ألمانيا” تعزيز حضوره السياسي، مع وصول شعبيته إلى نحو 28%، وهو ما قد ينعكس على مستوى الدعم الألماني لمشروعات إعادة التسلح الأوروبية.

الناتو باقٍ… لكن بقيادة أوروبية أكبر

ويرى معدو الدراسة أن الاتحاد الأوروبي، بصيغته الحالية التي تضم 27 دولة، قد يجد صعوبة في تبني استراتيجية أمنية موحدة، ما يرجح ظهور هياكل أمنية أوروبية متداخلة، مع استمرار حلف شمال الأطلسي “الناتو” كإطار رئيسي، لكن مع انتقال تدريجي لمسؤوليات القيادة والتخطيط والجاهزية العسكرية إلى الأوروبيين.

أوروبا لا تراهن على ما بعد ترامب

ويخلص الباحثون إلى أن أوروبا ترتكب خطأ إذا انتظرت انتهاء ولاية ترامب أملاً في عودة العلاقات التقليدية مع واشنطن، مؤكدين أن أي إدارة أمريكية مقبلة، حتى لو كانت ديمقراطية، ستواصل على الأرجح إعطاء الأولوية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة الصين، على حساب التحالف التاريخي مع أوروبا.

كما يرون أن الضغوط التي تواجه المؤسسات الديمقراطية الأمريكية وتراجع كفاءة مؤسسات الحكم في واشنطن يثيران شكوكًا متزايدة داخل أوروبا بشأن قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها الأمنية خلال الأزمات.

ويشير التقرير إلى أن مواقف أوروبية حديثة، من بينها رفض إسبانيا السماح للطائرات الأمريكية المشاركة في الحرب مع إيران باستخدام مجالها الجوي، ورفض بريطانيا استخدام قاعدة دييجو جارسيا في العمليات العسكرية ذاتها، إضافة إلى انتقاد المستشار الألماني فريدريش ميرتس للحرب، تعكس بوضوح تشكل واقع سياسي جديد قد يجعل العلاقات عبر الأطلسي مختلفة جذريًا عما كانت عليه قبل عودة ترامب إلى السلطة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى