لماذا يتجنب ترامب فتح جبهة جديدة مع الحوثيين؟ حسابات أمريكية معقدة في اليمن

يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختبارًا جديدًا في اليمن، بالتزامن مع اتساع نطاق التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وتصاعد نفوذ جماعة الحوثيين في مناطق استراتيجية تطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ورغم التحركات العسكرية التي تقودها السعودية لاستعادة المناطق التي فقدتها لصالح الحوثيين، لا تزال واشنطن تتجنب الانخراط المباشر في العمليات القتالية، مكتفية في الوقت الراهن بتقديم الدعم الاستخباراتي والمعلومات المتعلقة بتحديد الأهداف.
وتشير التطورات الأخيرة، وفق تقرير نشرته مجلة «بوليتكو» الأمريكية في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى أن إدارة ترامب تحاول تحقيق توازن دقيق بين مساندة السعودية من جهة، وتجنب فتح جبهة عسكرية أمريكية جديدة في اليمن من جهة أخرى.
واشنطن تدعم السعودية دون المشاركة في الحرب
لا يعني الموقف الأمريكي التخلي عن السعودية، إذ تقدم واشنطن معلومات استخباراتية وتساعد في تحديد الأهداف، بالتزامن مع استعداد القوات اليمنية لخوض عملية عسكرية واسعة ضد الحوثيين.
وقد تتضمن العملية تحركًا عسكريًا على الساحل المطل على البحر الأحمر، بهدف استعادة السيطرة على المناطق المؤدية إلى مضيق باب المندب، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية والتجارية في العالم.
لكن الإدارة الأمريكية تبدو حريصة على عدم تحويل هذا الدعم إلى مشاركة مباشرة في القتال، خصوصًا في ظل تجارب سابقة لم تحقق الهدف المعلن منها.
تجربة عسكرية أمريكية لم تحسم المعركة
من أبرز أسباب الحذر الأمريكي تجربة واشنطن السابقة مع الحوثيين، بعدما شنت الولايات المتحدة حملة جوية ضد الجماعة خلال العام الماضي.
ورغم كثافة الضربات، لم تنجح الحملة في القضاء على القدرات العسكرية للحوثيين، رغم إعلان ترامب في ذلك الوقت أن الجماعة استسلمت.
ومنذ ذلك الحين، واصلت جماعة الحوثيين تطوير قدراتها العسكرية، وتحولت إلى قوة أكثر خبرة في تصنيع واستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، فضلًا عن حصولها على معدات وتقنيات مرتبطة بالدعم الإيراني.
وبالتالي، فإن أي حملة أمريكية جديدة قد تتمكن من تدمير بعض المنشآت والقدرات العسكرية للحوثيين، لكنها لن تضمن بالضرورة إنهاء قدرتهم على خوض حرب طويلة أو شن هجمات على الملاحة البحرية والمنشآت الحيوية في المنطقة.
إيران تدخل في الحسابات الأمريكية
لا يمكن فصل الموقف الأمريكي من الحوثيين عن المواجهة الأوسع مع إيران، التي تقدم دعمًا عسكريًا وسياسيًا للجماعة.
وفي الوقت نفسه، فإن الحوثيين لا يتحركون باعتبارهم مجرد أداة إيرانية مباشرة، إذ يمتلكون أجندة خاصة مرتبطة بالصراع داخل اليمن، وهو ما يجعل التعامل معهم أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى واشنطن.
وتزداد أهمية الملف بسبب الموقع الجغرافي لليمن، الذي يشرف على باب المندب والبحر الأحمر، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة توترات مرتبطة بمضيق هرمز.
وتمتلك جماعة الحوثيين القدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر باب المندب والبحر الأحمر، ما يعني أن دخول واشنطن في مواجهة واسعة معها قد يحول الصراع اليمني إلى جبهة إضافية في المواجهة الإقليمية مع إيران.
وهذا السيناريو قد يؤدي إلى تصعيد واسع يصعب على الولايات المتحدة احتواؤه، خصوصًا في ظل تعدد الجبهات التي تتعامل معها الإدارة الأمريكية.
تعهد حوثي أبقى المواجهة الأمريكية محدودة
ومن العوامل التي ساعدت ترامب على تجنب توجيه ضربات مباشرة للحوثيين، وجود تعهد من الجماعة بعدم استهداف السفن الأمريكية.
وشهدت الفترة الماضية اتصالات بين واشنطن والحوثيين، أكدت خلالها الجماعة استمرار وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، وتعهدت بعدم مهاجمة السفن الأمريكية.
لكن استمرار هذا الوضع يبقى مرهونًا بمدى التزام الحوثيين بهذه التعهدات، وكذلك بقدرة السعودية والقوات اليمنية المتحالفة معها على الحد من توسع الجماعة واستعادة المناطق التي سيطرت عليها.
الحوثيون.. قوة عسكرية يصعب احتواؤها
لم تعد جماعة الحوثيين قوة محلية محدودة كما كانت في المراحل الأولى من الحرب اليمنية، فقد راكمت خلال سنوات الصراع خبرة قتالية واسعة، وطورت منظوماتها الصاروخية وقدرات الطائرات المسيرة، واستفادت من الدعم الإيراني في تعزيز ترسانتها.
وخلال الأسابيع الأخيرة، عزز الحوثيون وجودهم في مناطق على ساحل البحر الأحمر، واقتربوا من مناطق استراتيجية بالقرب من مضيق باب المندب، ما منحهم نفوذًا إضافيًا على طريق بحري يعد من أهم طرق التجارة العالمية.
وتعني السيطرة على هذه المناطق أن الجماعة لا تملك فقط قدرات عسكرية داخلية، وإنما تستطيع أيضًا التأثير في حركة السفن والتجارة الدولية عبر أحد أهم الممرات البحرية.
ترامب أمام معادلة بين السعودية وتجنب الحرب
يجد ترامب نفسه أمام معادلة معقدة؛ فالسعودية تريد دعمًا أمريكيًا أكبر في مواجهة الحوثيين، بينما لا تبدو الإدارة الأمريكية مستعدة لتحمل تكلفة الدخول في حرب جديدة داخل اليمن.
وكان ترامب قد أبدى في وقت سابق استعدادًا لدعم التحركات السعودية ضد الحوثيين، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى تفضيله عدم الانخراط العسكري المباشر، والاكتفاء في الوقت الراهن بالمعلومات الاستخباراتية ومساعدة القوات السعودية واليمنية في تحديد الأهداف.
وفي المقابل، تتحرك الرياض بصورة مباشرة، بالتعاون مع القوات اليمنية، استعدادًا لعملية عسكرية واسعة تستهدف استعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين وتقليص نفوذهم على البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
لماذا يصعب القضاء على نفوذ الحوثيين؟
تكمن صعوبة حسم المعركة في أن الحوثيين لا يمثلون مجرد مجموعة من المواقع العسكرية التي يمكن تدميرها بضربات جوية، بل جماعة تمتلك هيكلًا تنظيميًا وعسكريًا متماسكًا، إلى جانب خبرة طويلة في القتال ضد خصوم يمتلكون تفوقًا كبيرًا في التسليح والقدرات العسكرية.
كما أن شن حملة أمريكية واسعة ضد الجماعة قد يدفع الحوثيين إلى توسيع نطاق عملياتهم، سواء من خلال استهداف السفن في البحر الأحمر، أو مهاجمة منشآت داخل السعودية، أو استهداف المصالح الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
ولهذا تحاول واشنطن الحفاظ على مسافة بين دعم حليفتها السعودية وبين الانخراط المباشر في الحرب، خصوصًا في ظل انشغال إدارة ترامب بملفات إقليمية ودولية أخرى، من بينها إيران وغزة وأوكرانيا.
وبذلك يبدو أن الحسابات الأمريكية الحالية تقوم على دعم السعودية دون فتح جبهة أمريكية جديدة، مع مراقبة قدرة القوات السعودية واليمنية على التعامل مع الحوثيين، والإبقاء على خيار التصعيد المباشر بعيدًا عن الطاولة في الوقت الراهن.



