بعد محادثات واشنطن.. ماذا يريد الرئيس الإيراني من باكستان؟

كتبت: سارة محمود
يصل الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان إلى إسلام آباد في زيارة دولة تُعدّ بمثابة بادرة امتنان وتأكيد على النوايا.
وتأتي هذه الزيارة، التي تُعدّ أول زيارة خارجية له منذ شنّ الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما على إيران في 28 فبراير، بعد يوم واحد من إعلان باكستان وقطر أن الجولة الأولى من المحادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران في بورغنستوك بسويسرا قد أسفرت عن وضع خارطة طريق مدتها 60 يومًا نحو التوصل إلى اتفاق نهائي.
يصل بيزشكيان إلى إسلام آباد بعد توقيعه مباشرةً على أهم اتفاقية دبلوماسية خلال فترة رئاسته. وتواجه هذه الاتفاقية نفس الانقسامات الداخلية التي طغت على مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015.
وكانت خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 اتفاقًا نوويًا تاريخيًا بين إيران وست قوى عالمية هي: الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين.
بموجب الاتفاق، وافقت طهران على الحد من برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات الدولية المفروضة عليها. انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق عام ٢٠١٨، خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى.
ويعد توجه بيزشكيان إلى إسلام آباد فور توقيع مذكرة التفاهم يدل على حاجته إلى تحويل هذا الاتفاق الهش إلى رصيد سياسي، محلياً ودولياً وإقليمياً ودولياً. إنه في أمس الحاجة لهذه الزيارة أكثر من باكستان.
وخلال الزيارة، سيلتقي بيزشكيان رئيس الوزراء شهباز شريف، الذي توسط في محادثات سويسرا، والرئيس آصف علي زرداري.
كما سيلتقي الرئيس الإيراني، وفقاً لوزارة الخارجية الباكستانية، رئيس مجلس الشيوخ الباكستاني يوسف رضا جيلاني، ورئيس الجمعية الوطنية سردار أياز صادق، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار.
من المتوقع أن يناقش الجانبان محادثات سويسرا وسبل تعزيز التعاون الثنائي في مجالات التجارة والطاقة وأمن الحدود والترابط الإقليمي.
إقرأ أيضاً: عراقجي: وساطة باكستان وقطر حققت تقدما كبيرا لإنهاء حرب لبنان
علاقات ممتدة
بعد حرب إيران وإسرائيل، اختار بيزشكيان باكستان كأول وجهة خارجية له، حيث سافر إلى مدينة لاهور الشرقية قبل التوجه إلى العاصمة إسلام آباد.
وأن باكستان هي أول دولة يختارها الرئيس بيزشكيان لزيارتها شخصيًا، ليعرب عن امتنانه وتقديره للسياسيين والعسكريين والشعب الباكستاني لالتزامهم ومساعدتهم وجهودهم في سبيل تحقيق الوساطة، و تُشير إيران إلى أن إسلام آباد باتت تُولي اهتمامًا سياسيًا لنتائج هذه العملية.
ومنذ بدء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، تحدث شريف وبيزشكيان هاتفيًا سبع مرات على الأقل، وغالبًا ما كانت المحادثات تستمر لساعة كاملة، كما زار قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، طهران مرتين على الأقل، كما قام وزير الداخلية محسن نقوي بزيارات عديدة في إطار جهود الوساطة الباكستانية.
سبب الزيارة
وفي حوار خاص مع موقع “داي نيوز” الإخباري أفادت د ريم أبو الخير، أكاديمية وإعلامية متخصصة في الشأن الإيراني، أن هذه الزيارة تأتي في أعقاب المحادثات الإيرانية-الأمريكية الأخيرة في سويسرا، لتقديم الشكر لإسلام آباد وتثمين دورها المحوري كـ”وسيط رئيسي” — إلى جانب قطر — أسهم في تسهيل مسار المفاوضات وصياغة “مذكرة تفاهم إسلام آباد” لإنهاء النزاع.
وتستهدف الزيارة إطلاع القيادة الباكستانية على نتائج المباحثات، والتنسيق المباشر بشأن آليات تنفيذ الاتفاق ومجموعات العمل المنبثقة عنه (لا سيما الترتيبات الميدانية في مضيق هرمز)، بالإضافة إلى توطيد الشراكات الإقليمية وبحث الملفات الثنائية كأمن الحدود والتعاون في مجالات الطاقة والتجارة، بما يضمن دعم جهود التهدئة واستقرار المرحلة الانتقالية القادمة في المنطقة.
خلال الزيارة
وأوضحت الإعلامية أنه بعد انتهاء محادثات سويسرا، تنتقل باكستان من دور “الميسّر الدبلوماسي” إلى دور “الضامن والمتابع الميداني” لخارطة الطريق الممتدة لـ 60 يوما؛ حيث ستتحول إسلام آباد إلى محطة التنسيق السياسي والتنفيذي التالية لاستضافة جولات المفاوضات الفنية والتقنية المقبلة لحسم ملفات البرنامج النووي، الصواريخ الباليستية، والآليات الإنسانية للأموال المجمدة.
كما سيبحث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مع القيادة الباكستانية مراجعة نتائج المفاوضات، وبحث آليات تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، والتنسيق الميداني بشأن ترتيبات أمن الملاحة في مضيق هرمز وخلية خفض التصعيد في لبنان، بالتوازي مع استغلال تعليق العقوبات الأمريكية لتنشيط مشاريع الطاقة والتجارة وتأمين الحدود المشتركة، بما يضمن دعم جهود التهدئة والحفاظ على زخم المسار الدبلوماسي المشترك.
ترابط إقليمي بعد الأزمات
وأضافت أبو الخير أن زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى باكستان تُعزز الترابط الإقليمي بين البلدين بشكل قاطع، وتُرسخ علاقة استراتيجية صُهرت وتوطدت عبر الأزمات؛ فبعد أن بلغت العلاقات حافة الصدام العسكري المباشر إثر ضربات “بلوشستان” الحدودية المتبادلة في أوائل 2024، تحولت تلك الأزمة إلى نقطة انطلاق لبناء قنوات أمنية واستخباراتية مكثفة نالت ثقة القوى الدولية، لتقود باكستان وساطة تاريخية أسفرت عن “مذكرة تفاهم إسلام آباد” عقب محادثات سويسرا.
واليوم، تعكس هذه الزيارة الرغبة المشتركة في ترسيخ الثقة السياسية وتحويل الانفراجة الدبلوماسية إلى شراكة إقليمية وتكامل بنيوي مستدام؛ حيث يسعى البلدان لاستغلال تعليق العقوبات الأمريكية لإحياء مشاريع الطاقة الكبرى كـ”خط أنابيب الغاز”، وتوسيع التعاون التجاري، بالإضافة إلى تقاسم الأعباء الأمنية في ضبط الحدود ومراقبة الملاحة في مضيق هرمز، مما ينقل البلدين من مرحلة “إدارة الهواجس الأمنية” إلى مرحلة “التحالف الجيوسياسي والاقتصادي” الأكثر تماسكاً في هندسة أمن المنطقة.
إقرأ أيضاً: بزشكيان: لا نثق بالوعود.. التنفيذ هو الفيصل لنجاح المفاوضات مع واشنطن
باكستان وسيط إقليمي معترف به
وعند سؤالها عن دور باكستان حالياً أجابت الإعلامية بأن هذه الزيارة تُعد إقرارا رسميا وتتويجا حاسما لتنامي الثقة بدور باكستان كـ”وسيط إقليمي” وموثوق من قبل أطراف الصراع، حيث يبرهن نقل ثقل التنسيق إلى إسلام آباد عقب محادثات سويسرا على نجاح دبلوماسيتها في حيازة قبول طهران وإدارة الشروط الأمريكية؛ غير أن ترسيخ هذا الدور واكتسابه صفة “الاعتراف الدائم” سيظل مرهونا بقدرة الدبلوماسية الباكستانية على الحفاظ على قنوات التواصل وتحقيق تقدم ملموس في المراحل اللاحقة.
واليوم، تمنح استضافة الرئيس مسعود بزشكيان إسلام آباد فرصة استراتيجية لإثبات جدارتها التنفيذية، بالانتقال من مرحلة “تسهيل الحوار” إلى مرحلة “الضامن والمتابع الميداني” لإدارة الاختلافات الفنية المعقدة وحماية الترتيبات الأمنية في مضيق هرمز، مما يضع مكانتها الدولية المحورية تحت المحك الفعلي لقيادة المرحلة الانتقالية نحو اتفاق نهائي ومستدام في توازنات المنطقة.
ما وراء الزيارة
وخلف الكواليس الدبلوماسية المعلنة لزيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى إسلام آباد، تكمن خبايا وملفات بالغة الحساسية حيث أوضحت د ريم أن “مذكرة تفاهم إسلام آباد” وضعت تحت المحك الفعلي فور انتهاء محادثات سويسرا؛ حيث تتجاوز هذه الزيارة إطار المجاملات البروتوكولية لتتحول إلى تحرك استراتيجي يهدف إلى تفكيك الألغام التفسيرية والأمنية، وتثبيت دور باكستان كـ”ضامن سياسي ومتابع ميداني” لشراكة تضمن تنفيذ التفاهمات، لا سيما مع بروز التناقضات المبكرة حول صلاحيات تفتيش المواقع النووية وآليات التهدئة في جنوب لبنان.
كما تسعى طهران من خلال هذا التنسيق العالي مع اللجان الفنية إلى اختبار جدية المرحلة التالية من المفاوضات، وتوجيه رسالة للقوى الدولية بأنها تمتلك شبكة دعم إقليمي تمنحها أوراق قوة إضافية، بالتوازي مع تطلع البلدين لتعزيز الشراكة الاقتصادية واستغلال تعليق العقوبات الأمريكية لإحياء مشاريع الطاقة (كخط الغاز المشترك) وحسم حدود الصلاحيات السيادية في مضيق هرمز، مما يعكس تحول العلاقة بين طهران وإسلام آباد من تنسيق ظرفي لإدارة الأزمات الحدودية إلى مظلة جيوسياسية واقتصادية متماسكة لحماية مسار الاتفاق النهائي في المنطقة.



