الهروب من اليمن بالقوارب.. باب المندب يتحول إلى طريق للنجاة

لم يكن أحمد حسن، البالغ من العمر 70 عامًا، يتوقع أن تقوده محاولته للهروب من منزله بسبب هجمات الحوثيين إلى قارب مكتظ يشق مياه البحر المضطربة باتجاه جيبوتي.
جلس أحمد بين عائلات يمنية حملت معها ما استطاعت من أمتعة، بينما واجه الركاب أمواجًا متقلبة ورحلة بحرية لم يعتادوا عليها. وبعد وصوله إلى جيبوتي، قال في شهادة نقلتها المنظمة الدولية للهجرة: «كان البحر هائجًا، وأصيب الأطفال بدوار البحر. لم يكن أحد معتادًا على ذلك».
باب المندب من ممر تجاري إلى طريق للفرار
يرتبط باب المندب عادة بحركة السفن والتجارة العالمية وأسواق الطاقة، لكن بالنسبة إلى أحمد وعائلات يمنية أخرى، تحول الممر البحري إلى طريق للابتعاد عن مناطق القتال.
ولم يغادر أحمد منزله فور وصول المواجهات إلى قريته، إذ حاول البقاء إلى جانب أسرته، مثل كثير من السكان الذين يترددون في ترك منازلهم والتوجه إلى مكان مجهول.
لكن استمرار القتال وإغلاق المتاجر ونقص المواد الغذائية جعل البقاء أكثر صعوبة، حتى أصبح الرحيل الخيار الوحيد أمام بعض العائلات.
وبالنسبة إلى هؤلاء، لم يعد القرار يتعلق بالانتقال من منطقة إلى أخرى داخل اليمن، بل بالمجازفة بعبور البحر بحثًا عن مكان أكثر أمانًا.
أكثر من ألفي يمني يصلون إلى جيبوتي بحرًا
خلال الأيام الماضية، لجأ يمنيون إلى القوارب لعبور البحر الأحمر وخليج عدن، في محاولة للوصول إلى جيبوتي والابتعاد عن مناطق المواجهات.
وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، تجاوز عدد النازحين جراء التصعيد 100 ألف شخص، توجه معظمهم إلى مناطق أخرى داخل اليمن، فيما وصل أكثر من ألفي شخص إلى جيبوتي عبر البحر.
وتُظهر الصور التي نشرتها المنظمة الدولية للهجرة عائلات تصل إلى شاطئ مدينة أوبوك شمالي جيبوتي، حاملة حقائب وأغراضًا قليلة جرى جمعها على عجل.
ومن بين الواصلين أطفال ونساء ومراهقون ومسنون، بعضهم لم يسبق له خوض رحلة بحرية، بينما يواجه الركاب مخاطر مرتبطة بحالة القوارب وتقلبات البحر، فضلًا عن عدم وضوح ما ينتظرهم بعد الوصول.
نقص الوقود يحد من رحلات القوارب
ورغم المخاطر، لا تتمكن جميع العائلات الراغبة في مغادرة اليمن من خوض الرحلة البحرية.
وأدى نقص الوقود وارتفاع تكلفته إلى تراجع حركة القوارب، في وقت أفادت فيه المنظمة الدولية للهجرة بأن أعدادًا إضافية من الأشخاص تستعد للعبور، لكنها لا تملك الوسائل اللازمة للوصول إلى جيبوتي.
وبذلك، أصبح البحر بالنسبة إلى بعض الأسر وسيلة للنجاة، لكنه في الوقت نفسه طريق محفوف بالمخاطر لا يضمن الوصول إلى الأمان.
الوصول إلى جيبوتي لا ينهي معاناة النازحين
وعلى شاطئ أوبوك، تستقبل فرق المنظمة الدولية للهجرة والسلطات المحلية العائلات القادمة من اليمن، وتوفر لها المياه والطعام والمأوى المؤقت، قبل نقل بعض الوافدين إلى مراكز الاستقبال.
لكن الوصول إلى الشاطئ لا يعني انتهاء رحلة النزوح، إذ تصل كثير من العائلات من دون دخل أو خطة واضحة للمستقبل، وتحتاج إلى السكن والرعاية الصحية والمياه والخدمات الأساسية، إلى جانب احتياجات الأطفال التعليمية.
وبحسب وكالة «أسوشيتد برس»، تستعد مراكز الاستقبال في جيبوتي لاحتمال وصول أعداد أكبر من النازحين، في ظل الضغوط المتزايدة على أماكن الإيواء والمدارس والخدمات الأساسية.
مستقبل مجهول للعائلات الفارة من اليمن
ولا تزال أسئلة كثيرة تشغل النازحين بعد وصولهم، من بينها مصير أقاربهم الذين تركوهم خلفهم، وما إذا كانت منازلهم لا تزال قائمة، وما إذا كان الرحيل المؤقت سيتحول إلى غياب طويل.
ولا يعرف أحمد متى سيتمكن من العودة إلى قريته، أو ما الذي سيجده عند الرجوع. لكنه، مثل عائلات يمنية أخرى، غادر عندما أصبحت الحياة في منزله غير ممكنة، واضطر إلى تسليم مصيره لقارب صغير وبحر شديد التقلب.
وفي الخرائط، يبدو باب المندب ممرًا استراتيجيًا تعبره السفن، لكن بالنسبة إلى العائلات اليمنية الفارة من القتال، أصبح البحر الفاصل بين خطر تعرفه وأمان لا يزال هشًا؛ طريقًا لم يكن خيارًا أول، لكنه تحول إلى آخر باب مفتوح للنجاة.



