التضخم العالمي يدخل مرحلة أكثر تعقيدًا.. هل تكفي أسعار الفائدة؟

تواجه البنوك المركزية حول العالم واحدة من أكثر مراحل مكافحة التضخم تعقيدًا منذ عقود، بعدما بدأت العوامل المؤثرة في ارتفاع الأسعار تتجاوز ضعف الطلب أو قوته لتشمل صدمات مرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية والتجارة العالمية.
وبعد أكثر من 4 سنوات على موجة التضخم العالمية التي بدأت في أعقاب جائحة كورونا، تبدو مهمة البنوك المركزية أكثر صعوبة، إذ نجحت زيادات أسعار الفائدة في تهدئة جزء كبير من التضخم المرتبط بالطلب، لكن عوامل أخرى على جانب العرض ما زالت تضغط على الأسعار.
ما الفرق بين تضخم الطلب وتضخم العرض؟
ينقسم التضخم، بصورة مبسطة، إلى نوعين رئيسيين، لكل منهما أسباب مختلفة وتأثيرات متباينة على الاقتصاد.
التضخم الناتج عن زيادة الطلب
يحدث التضخم الناجم عن الطلب عندما يتجاوز الطلب الكلي قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات، فتتنافس الأسر والشركات على المنتجات وترتفع الأسعار.
ويظهر هذا النوع عادة مع النمو الاقتصادي السريع، وزيادة الإنفاق الحكومي، والتوسع في الإقراض والسيولة، أو ارتفاع ثقة المستهلكين.
وتملك البنوك المركزية أدوات فعالة نسبيًا للتعامل معه، إذ يؤدي رفع أسعار الفائدة إلى زيادة تكلفة الاقتراض وتشجيع الادخار وتقليل الإنفاق والاستثمار، ما يساعد على تهدئة الطلب.
التضخم الناتج عن ارتفاع تكاليف الإنتاج
أما تضخم العرض، فيحدث عندما ترتفع تكاليف الإنتاج أو تتراجع القدرة الإنتاجية نتيجة عوامل خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام، واضطرابات سلاسل الإمداد، والحروب والتوترات الجيوسياسية والكوارث الطبيعية.
وفي هذه الحالة يمكن أن ترتفع الأسعار حتى مع ضعف الطلب، ما يجعل مهمة البنوك المركزية أكثر تعقيدًا.
ولا تستطيع أسعار الفائدة وحدها زيادة إنتاج النفط أو إصلاح خطوط الشحن أو معالجة نقص المواد الخام، كما أن ارتفاع تكاليف التمويل قد يضيف أعباء جديدة على الشركات.
جائحة كورونا كشفت تداخل عوامل التضخم
كانت موجة التضخم العالمية التي أعقبت جائحة كورونا مثالًا واضحًا على تداخل تضخم الطلب والعرض.
فقد ساهمت برامج الدعم المالي والنقدي في تعزيز الطلب، بينما أدت اضطرابات سلاسل الإمداد ونقص العمالة وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب تداعيات الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط، إلى تقييد المعروض من السلع والخدمات.
وبالتالي، لم تعد معالجة التضخم مرتبطة بعامل واحد يمكن السيطرة عليه من خلال أسعار الفائدة فقط.
ماذا تقول المؤسسات الاقتصادية عن التضخم؟
وفق أحدث التحديثات الواردة في النص عن صندوق النقد الدولي، تباطأ مسار انخفاض التضخم العالمي خلال عام 2026، مع توقع وصول معدل التضخم العالمي إلى 4.7% خلال العام قبل أن يتراجع مجددًا في 2027.
ويربط الصندوق استمرار الضغوط بارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية والمخاطر المتزايدة المرتبطة بسلاسل التوريد.
كما حذر البنك الدولي من أن صدمات الطاقة أعادت الضغوط التضخمية إلى الواجهة، مشيرًا إلى التحديات التي يفرضها اجتماع ارتفاع الأسعار مع تباطؤ النمو الاقتصادي.
وفي السياق نفسه، ترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن استمرار اضطرابات أسواق الطاقة والسلع الأساسية قد يحد من قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة بوتيرة سريعة، ما قد يعني استمرار السياسة النقدية المقيدة لفترة أطول من المتوقع.
هل أخطأت البنوك المركزية في مواجهة التضخم؟
لا يمكن اختزال الإجابة في كون البنوك المركزية اتخذت المسار الصحيح أو الخاطئ، إذ واجهت خلال السنوات الماضية مزيجًا من صدمات الطلب والعرض.
وقد ساعد رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وأوروبا وبريطانيا على تهدئة الطلب والحد من مخاطر تحول التضخم إلى دوامة مستمرة من ارتفاع الأجور والأسعار.
لكن السياسة النقدية تظل محدودة أمام صدمات العرض، إذ لا تستطيع أسعار الفائدة وحدها حل أزمات الطاقة أو إصلاح سلاسل التوريد أو إنهاء النزاعات الجيوسياسية.
وتتمثل إحدى المعضلات الرئيسية أمام البنوك المركزية في تحديد كيفية التعامل مع صدمات العرض المؤقتة، بين تجاهل تأثيرها قصير الأجل وتشديد السياسة النقدية لمنع تحولها إلى ارتفاع مستمر في توقعات التضخم.
لماذا قد تصبح مكافحة التضخم أصعب؟
يرى خبراء في بنك التسويات الدولية أن الاقتصاد العالمي قد يواجه ضغوطًا أكبر من جانب العرض مقارنة بما كان عليه في العقود السابقة، نتيجة مجموعة من التحولات طويلة الأجل.
ومن أبرز هذه العوامل تراجع العولمة وزيادة القيود التجارية، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد بسبب التوترات الجيوسياسية، إلى جانب التحول نحو الطاقة النظيفة وما يتطلبه من استثمارات ضخمة.
كما تمثل الشيخوخة السكانية ونقص العمالة في بعض الاقتصادات، فضلًا عن تأثيرات التغير المناخي على الغذاء والطاقة، عوامل يمكن أن تزيد من تقلب التضخم وتجعل السيطرة عليه أكثر صعوبة.
هل تكفي أسعار الفائدة لمواجهة التضخم؟
تشير الصورة الحالية إلى أن أسعار الفائدة تظل أداة أساسية للسياسة النقدية، لكنها قد لا تكون كافية وحدها للتعامل مع موجة تضخم تتداخل فيها عوامل الطلب مع صدمات العرض.
وبينما حققت البنوك المركزية تقدمًا في تهدئة التضخم المرتبط بالطلب، فإن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية أصبحت عناصر مؤثرة في مسار الأسعار.
لذلك، فإن السيطرة المستدامة على التضخم قد تتطلب، إلى جانب السياسة النقدية، سياسات مالية أكثر انضباطًا واستثمارات تعزز مرونة الاقتصاد وسلاسل الإمداد، بدلًا من الاعتماد على أسعار الفائدة وحدها.
وفي ظل تكرار صدمات العرض وتغير طبيعة الاقتصاد العالمي، أصبحت معركة التضخم أكثر تعقيدًا، وأصبح التحدي أمام صناع السياسة يتمثل في تحقيق استقرار الأسعار دون التسبب في تباطؤ اقتصادي حاد.



