الصين والولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي.. من يملك مفاتيح القوة؟

دخلت الولايات المتحدة والصين مرحلة متقدمة من المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، مع تزايد أهمية هذه التكنولوجيا في الاقتصاد والأمن والتجارة.
وبينما تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا واضحًا في القدرة الحاسوبية والاستثمارات والبنية التحتية، تحقق الصين تقدمًا سريعًا في الأبحاث وتطوير النماذج واستقطاب المواهب التقنية.
وتأتي هذه المنافسة بالتزامن مع القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن، الخميس، والتي يتوقع أن تتناول ملفات التجارة والذكاء الاصطناعي وتايوان والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وقبل القمة، أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن واشنطن اقترحت إنشاء «آلية إخطار» مع بكين بشأن الذكاء الاصطناعي، وهي آلية تهدف إلى التنبيه المتبادل في حال وقوع حوادث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تهدد الأمن القومي.
الولايات المتحدة تتفوق في القوة الحاسوبية
تمثل القدرة الحاسوبية أحد أهم عناصر المنافسة في الذكاء الاصطناعي، إذ تحتاج النماذج المتقدمة إلى كميات هائلة من المعالجة لتدريبها وتشغيلها.
ووفق بيانات معهد Epoch AI، تستحوذ الولايات المتحدة على نحو ثلاثة أرباع القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي في العالم، بينما تبلغ حصة الصين حوالي 14%.
ويرتبط جانب كبير من هذا التفوق بامتلاك الولايات المتحدة أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي. ووفق مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026 الصادر عن جامعة ستانفورد، تستحوذ شركة إنفيديا الأمريكية على أكثر من 60% من القدرة الحاسوبية العالمية للذكاء الاصطناعي بين شركات تصميم الرقائق الكبرى، في حين تمتلك شركة هواوي الصينية حصة أصغر لكنها آخذة في النمو.
ولا تقتصر الميزة الأمريكية على الرقائق، بل تمتد إلى البنية التحتية اللازمة لتشغيلها. فالولايات المتحدة تضم أكثر من 5400 مركز بيانات، وهو عدد يقارب عشرة أضعاف عدد مراكز البيانات في أي دولة أخرى.
كما تمتلك الولايات المتحدة 84 مركز بيانات متخصصًا في الذكاء الاصطناعي، وهو عدد يتجاوز إجمالي المراكز الموجودة في الدول الثماني التالية لها مجتمعة.
النماذج الصينية تقترب من الأمريكية
رغم التفوق الأمريكي في البنية التحتية، تشهد نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية تقدمًا سريعًا.
وتضم فئة النماذج الأكثر تطورًا عالميًا أنظمة أمريكية مثل GPT من OpenAI وClaude من Anthropic، إلى جانب نماذج صينية أبرزها DeepSeek.
وحتى مارس 2026، كانت النماذج الأمريكية والصينية متقاربة في مستويات الأداء على منصة Arena، التي تتيح للمستخدمين مقارنة إجابات نموذجين والتصويت للأفضل.
وتصدرت شركات أمريكية مثل Anthropic وxAI وGoogle وOpenAI قائمة النماذج المتقدمة، إلى جانب شركات صينية مثل Alibaba وDeepSeek.
لكن الصورة تختلف على منصة OpenRouter، التي تقيس نماذج الذكاء الاصطناعي وفق الاستخدام الفعلي. إذ تصدرت نماذج شركات صينية مثل DeepSeek وZ.ai وTencent المراكز الثلاثة الأولى من حيث حجم النصوص التي تمت معالجتها.
ويرتبط انتشار النماذج الصينية جزئيًا بانخفاض تكلفة استخدامها، فضلًا عن اعتماد العديد منها على نماذج مفتوحة المصدر يمكن للمطورين تنزيلها وتعديلها وتشغيلها بأنفسهم.
وبحسب تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS في يوليو، أصبحت النماذج الصينية قادرة على منافسة الأمريكية في العديد من المهام العملية، مع تقدير المركز أن الفجوة بين الطرفين باتت تُقاس بالأشهر أكثر من السنوات.
وفي مايو، قدر مركز معايير الذكاء الاصطناعي والابتكار الحكومي الأمريكي CAISI أن نموذج DeepSeek V4 Pro، الذي أُطلق في أبريل، كان متأخرًا بنحو ثمانية أشهر عن النماذج الأمريكية الرائدة.
فجوة ضخمة في الإنفاق
تتفوق الولايات المتحدة بفارق كبير أيضًا في حجم الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتتوقع غولدمان ساكس أن تنفق شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى، ومنها Amazon وMicrosoft وGoogle وMeta وOracle، نحو 764 مليار دولار خلال عام 2026 على البنية التحتية والحوسبة ومراكز البيانات.
في المقابل، يُتوقع أن يبلغ إنفاق شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى، ومنها Alibaba وTencent وBaidu وByteDance، نحو 102 مليار دولار.
ورغم اتساع الفجوة، ينمو الإنفاق الصيني بسرعة. وتتوقع شركة TrendForce ارتفاع الإنفاق الرأسمالي لشركات الحوسبة السحابية الصينية الكبرى الأربع بأكثر من 80% خلال 2026، مقابل نمو متوقع بنحو 76% لدى نظيراتها الأمريكية.
وتعكس الفجوة في الإنفاق، جزئيًا، الحجم الأكبر لقطاع التكنولوجيا الأمريكي، إذ تمتلك شركاته إيرادات ضخمة تمكنها من إعادة استثمار مبالغ كبيرة في الرقائق ومراكز البيانات وتوظيف الكفاءات.
الصين تتقدم في أبحاث الذكاء الاصطناعي
في مجال الأبحاث، تبدو الصورة مختلفة عن مجال البنية التحتية.
فقد استحوذت الصين على أكثر من 27% من منشورات الذكاء الاصطناعي العالمية في عام 2024، بما يشمل المقالات العلمية وأوراق المؤتمرات وأوراق العمل والنسخ الأولية، مقابل نحو 12% للولايات المتحدة، وفق مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة.
كما تُخرج الصين أعدادًا كبيرة من المتخصصين في المجال.
ووفق دراسة أجرتها مؤسسة MacroPolo، أكمل 47% من أفضل 20% من باحثي الذكاء الاصطناعي في العالم دراساتهم الجامعية في الصين عام 2022، مقابل 29% في عام 2019.
لكن كثيرًا من هذه الكفاءات يتجه للعمل في الولايات المتحدة؛ إذ وجدت الدراسة أن نحو 72% من كبار باحثي الذكاء الاصطناعي الذين تلقوا تعليمهم في الصين يعملون في الولايات المتحدة.
سباق متعدد الجبهات
تكشف المقارنة أن المنافسة الأمريكية الصينية في الذكاء الاصطناعي لا تعتمد على مؤشر واحد.
فالولايات المتحدة تمتلك حصة أكبر بكثير من القدرة الحاسوبية ومراكز البيانات والإنفاق على البنية التحتية، بينما تحقق الصين حضورًا قويًا في الأبحاث وإنتاج المواهب وتطوير نماذج منخفضة التكلفة ومفتوحة المصدر.
ومع استمرار الاستثمار في الرقائق ومراكز البيانات والنماذج المتقدمة، تتجه المنافسة بين البلدين إلى أن تصبح أكثر ارتباطًا بالاقتصاد والأمن القومي والتكنولوجيا العالمية، وهو ما يجعل الذكاء الاصطناعي أحد الملفات الرئيسية في العلاقات الأمريكية الصينية.



