تقارير

الحوثيون وباب المندب.. كيف تحولت السيطرة على الممر الاستراتيجي إلى اختبار أمني واقتصادي معقد أمام واشنطن؟

تجد الولايات المتحدة نفسها أمام اختبار أمني واقتصادي متزايد التعقيد، مع تصاعد نفوذ جماعة الحوثيين في المناطق الساحلية اليمنية القريبة من باب المندب، بالتزامن مع اتساع نطاق الهجمات التي تستهدف السعودية وظهور مؤشرات على قدرة الجماعة على التأثير في حركة الملاحة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وتأتي هذه التطورات في توقيت شديد الحساسية بالنسبة لأسواق الطاقة والتجارة العالمية، خصوصًا مع اضطراب حركة الملاحة في المنطقة وإغلاق إيران مضيق هرمز، الأمر الذي زاد من أهمية الطرق البديلة لنقل النفط والسلع، وجعل باب المندب نقطة أكثر حساسية في الحسابات الأمنية والاقتصادية الدولية.

باب المندب في قلب أزمة الطاقة والتجارة

يمثل باب المندب حلقة رئيسية في طرق التجارة البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وبالتالي فإن أي تهديد لحركة السفن عبره يمكن أن ينعكس على حركة الطاقة والبضائع وسلاسل الإمداد الدولية.

وتزداد حساسية الممر بالنسبة للسعودية التي تعتمد عليه في نقل كميات كبيرة من النفط، خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز، ما يجعل استمرار الملاحة عبر باب المندب عنصرًا مهمًا في الحفاظ على تدفق صادرات الطاقة.

ومن هذا المنطلق، فإن انتقال الحوثيين من مجرد شن هجمات متفرقة إلى امتلاك مواقع ساحلية تمنحهم قدرة أكبر على مراقبة أو تهديد الممر البحري يرفع مستوى المخاطر أمام واشنطن والرياض، كما يضع شركات الشحن أمام حسابات جديدة تتعلق بالأمن والتأمين وتكاليف النقل.

تصعيد متواصل بين الحوثيين والسعودية

يرى ستيفن كوك، الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط لدى مجلس العلاقات الخارجية، أن التصعيد الحالي يمثل امتدادًا لصراع طويل بين الحوثيين والسعودية.

ويشير كوك إلى أن الهجوم السعودي على مطار صنعاء في 13 يوليو، والذي استهدف منع طائرة إيرانية من الهبوط، شكل نقطة جديدة في مسار التصعيد، بعدما اعتبره الحوثيون مبررًا لتكثيف هجماتهم.

وبعد ذلك، استهدفت الجماعة الرياض ومنشآت مرتبطة بقطاع الطاقة السعودي، في تطورات كشفت استمرار التحديات التي تواجه منظومة الدفاع السعودية، وأظهرت أن المواجهة لا تزال قابلة للتوسع.

ولا تقتصر المخاوف على الهجمات المباشرة، إذ إن مجرد وجود الحوثيين في مواقع قريبة من باب المندب قد يكون كافيًا لزيادة المخاطر التي تواجه السفن التجارية.

شركات الشحن أمام حسابات جديدة

حتى في حال التزام الحوثيين بعدم استهداف السفن الأمريكية، فإن شركات النقل البحري قد تتعامل مع المنطقة باعتبارها عالية المخاطر، وهو ما يمكن أن يدفع بعضها إلى تغيير مسارات السفن أو اتخاذ طرق أطول وأكثر تكلفة.

كما أن ارتفاع المخاطر الأمنية يؤدي عادة إلى زيادة تكاليف التأمين على السفن والبضائع، وهو ما يرفع تكلفة التجارة ويزيد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.

وبالتالي، فإن التأثير الاقتصادي للأزمة لا يتوقف عند الدول المتورطة مباشرة في الصراع، وإنما يمكن أن يمتد إلى أسواق الطاقة والنقل والتجارة الدولية، إذا أدى استمرار التوتر إلى تقليص حركة السفن عبر الممر.

واشنطن أمام اختبار بشأن دعم السعودية

التطورات المتسارعة تضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة تتعلق بكيفية التعامل مع طلبات السعودية للحصول على دعم مباشر في مواجهة الحوثيين.

وبحسب كوك، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مساعدة أمريكية مباشرة، فيما أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وجود اتفاق دفاعي مع السعودية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تعتزم الوفاء بالتزاماتها.

لكن التصريحات الأمريكية لم تحدد بصورة واضحة طبيعة التدخل الذي يمكن أن تقوم به واشنطن، أو مدى الاستعداد للانخراط عسكريًا في مواجهة مفتوحة مع الحوثيين.

وهنا تواجه الإدارة الأمريكية معادلة معقدة؛ فمن جهة، يمثل أمن الملاحة وحماية تدفقات الطاقة مصالح أمريكية ودولية مهمة، ومن جهة أخرى، فإن توسيع التدخل العسكري قد يفرض تكلفة أكبر على القوات والذخائر الأمريكية، في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى الحفاظ على قدراتها لمواجهة أزمات وتهديدات أخرى.

لماذا قد لا تكون الضربات الجوية كافية؟

يحذر كوك من أن الاعتماد على القوة الجوية وحدها قد لا يؤدي إلى حسم المواجهة، خصوصًا إذا كان الهدف هو إبعاد الحوثيين عن المواقع الساحلية القريبة من باب المندب.

فإخراج الجماعة من تلك المناطق قد يتطلب عملية برية واسعة ومنسقة، وهو خيار أكثر تعقيدًا في ظل محدودية قدرات القوات اليمنية، إضافة إلى التردد السعودي بشأن الانخراط في عملية عسكرية واسعة وطويلة الأمد.

وبذلك، فإن أي قرار أمريكي بالتصعيد العسكري قد يفتح أمام واشنطن خيارات صعبة، إذ إن حملة جوية محدودة قد لا تحقق الهدف المطلوب، بينما قد يؤدي التدخل البري إلى توسيع نطاق الصراع ورفع تكلفته.

إيران.. المستفيد من اضطراب باب المندب؟

يمثل الدور الإيراني أحد أبرز جوانب الأزمة، إلا أن كوك يفرق بين التعاون الوثيق بين طهران والحوثيين وبين وجود سيطرة إيرانية مباشرة على قرارات الجماعة.

فالولايات المتحدة وحلفاؤها يواجهون جماعة تمتلك هامشًا من الاستقلال في اتخاذ قراراتها، حتى مع استمرار استفادتها من الدعم والتنسيق مع إيران.

ومع ذلك، فإن اضطراب الملاحة في باب المندب يمكن أن يوفر لطهران مكاسب استراتيجية، إذ يؤدي ارتفاع المخاطر في أحد الممرات البحرية المهمة إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

كما يمكن أن تستخدم إيران حالة عدم الاستقرار باعتبارها ورقة إضافية في أي مفاوضات مستقبلية مع واشنطن حول الملفات الإقليمية، خاصة إذا أصبحت حرية الملاحة وأمن الطاقة جزءًا من الحسابات السياسية الأوسع.

أزمة تتجاوز حدود اليمن والسعودية

لم يعد ملف باب المندب مرتبطًا بالوضع العسكري داخل اليمن وحده، إذ أصبحت تداعياته تمتد إلى العلاقات الأمريكية السعودية، وأمن الملاحة الدولية، وتدفقات النفط، وتكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى الحسابات الإيرانية في المنطقة.

وفي المقابل، فإن أي تحرك أمريكي ضد الحوثيين سيحتاج إلى تحديد هدف واضح: هل يقتصر على حماية السفن والممر الملاحي، أم يتوسع إلى محاولة تغيير ميزان القوى على الأرض وإبعاد الحوثيين عن المناطق الساحلية؟

ويعني ذلك أن واشنطن تواجه اختبارًا يتجاوز مسألة تنفيذ ضربات عسكرية، ليشمل تحديد حدود التزاماتها الأمنية تجاه السعودية، وكيفية حماية المصالح التجارية والطاقة، وفي الوقت نفسه تجنب الانجرار إلى مواجهة أوسع.

باب المندب أمام مفترق طرق

تكشف التطورات أن السيطرة أو التمركز الحوثي قرب باب المندب يمكن أن يمنح الجماعة نفوذًا يتجاوز حجمها العسكري المباشر، لأن أهمية الموقع الجغرافي تجعل مجرد التهديد بإعاقة الملاحة عاملًا قادرًا على التأثير في قرارات شركات الشحن وأسواق الطاقة.

وبينما تطالب السعودية بدعم أمريكي أكبر، تواجه واشنطن خيارًا معقدًا بين تعزيز التزاماتها الأمنية تجاه حليفها، وبين تجنب استنزاف عسكري جديد.

وفي حال اختارت الولايات المتحدة المسار العسكري، فإن التحليل يشير إلى أن تحقيق هدف إبعاد الحوثيين عن مواقعهم القريبة من باب المندب قد يتطلب ما هو أبعد من حملة جوية قصيرة ومحدودة، بينما يظل استمرار التوتر قادرًا على إبقاء باب المندب نقطة ضغط على حركة التجارة والطاقة العالمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى