تقارير

المعادلة المعكوسة: لماذا يصبح استقرار كوبا مصلحة أمريكية؟

كتبت: هدير البحيري

يتزايد القلق في أمريكا اللاتينية مع تصاعد الضغوط التي تمارسها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على كوبا، في وقت يرى فيه البعض أن واشنطن قد تحاول تكرار السيناريو الذي نفذته في فنزويلا مطلع العام الجاري.

فبعد العملية العسكرية الأمريكية السريعة في يناير، والتي انتهت بإبعاد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عن السلطة، يطرح سؤال جوهري: هل يمكن للولايات المتحدة أن تعيد التجربة ذاتها في هافانا؟ لكن الواقع في كوبا يكشف عن تعقيدات داخلية وتاريخية تجعل هذا السيناريو أقل قابلية للتطبيق.

معضلة البديل: من سيتولى السلطة؟

تتمثل العقبة الأولى في طبيعة النظام السياسي الكوبي ومدى تماسكه. ففي فنزويلا، كان مسار انتقال السلطة واضحًا ومنظمًا؛ إذ تولت نائبة الرئيس، ديلسي رودريغيز، إدارة شؤون البلاد فور غياب مادورو، وتدير الدفة منذ ذلك الحين.

أما في كوبا، فتبدو المعادلة أكثر تعقيدًا؛ إذ تفتقر الساحة السياسية إلى شخصية تمتلك الثقل أو الشرعية الكافية لملء أي فراغ محتمل في السلطة، كما أن منصب نائب الرئيس لا يتمتع بنفوذ يوازي صلاحيات الرئيس الحالي ميغيل دياز كانيل.

ولا تتوقف هذه المعضلة عند القيادة الحالية، بل تمتد إلى الدائرة المحيطة بالرئيس السابق راؤول كاسترو (94 عامًا)، حيث لا يبرز أي وريث سياسي أو خليفة محتمل يمكنه ضمان انتقال سلس للسلطة.

ويأتي ذلك في وقت كثفت فيه واشنطن ضغوطها على كاسترو عبر توجيه اتهامات رسمية إليه الأسبوع الماضي، في مؤشر يعكس اتساع نطاق الاستهداف السياسي للقيادة الكوبية.

وفي هذا السياق، عملت الأجهزة الأمنية الكوبية على مدى عقود على تفكيك أي مركز قوة بديل يمكن أن يشكل تحديًا للقيادة الحالية، في وقت تفتقر فيه البلاد إلى معارضة موحدة تمتلك الحضور الشعبي والتنظيمي الذي تتمتع به شخصيات معارضة بارزة في فنزويلا.

ورغم الجدل الذي أثاره لقاء راؤول رودريغيز كاسترو، حفيد الرئيس السابق، مع مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف في هافانا، فإن احتمالات تعاونه مع واشنطن تبدو محدودة، إذ لا يشغل أي منصب رسمي داخل الدولة أو الحزب الحاكم، كما ظهر مؤخرًا في فعاليات داعمة لجده.

وإلى جانب تعقيدات المشهد السياسي الداخلي، تواجه أي محاولة أمريكية لتكرار السيناريو الفنزويلي في كوبا جملة من الحسابات الأمنية والاقتصادية التي تجعل كلفتها المحتملة أعلى بكثير من عوائدها المتوقعة.

حسابات المكاسب والمخاطر

منذ انتصار الثورة الكوبية عام 1959، شكلت العلاقة المتوترة مع الولايات المتحدة أحد ثوابت السياسة الخارجية لهافانا. لكن حسابات الربح والخسارة تختلف جذريًا بين كوبا وفنزويلا. فبينما تمتلك فنزويلا احتياطيات نفطية ضخمة جذبت اهتمام الشركات الأمريكية عقب تغيير السلطة، لا تملك كوبا موارد استراتيجية مماثلة يمكن أن توفر مكاسب اقتصادية مباشرة لواشنطن.

وحتى قطاع السياحة، الذي كان يعد أحد أبرز مصادر الدخل في البلاد، يعاني من تراجع ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، تفاقم مع تشديد العقوبات الأمريكية والضغوط المفروضة على إمدادات الوقود والتحويلات المالية.

وفي المقابل، يحذر مراقبون من أن أي اضطراب واسع داخل كوبا قد يؤدي إلى موجة هجرة جماعية باتجاه السواحل الأمريكية، في ظل استمرار الأزمات المعيشية وانقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات الأساسية. كما يتمتع الجيش الكوبي بدرجة عالية من التماسك التنظيمي والعقائدي مقارنة بنظيره الفنزويلي، فضلًا عن امتلاك الدولة أجهزة أمنية واستخباراتية راسخة استفادت لعقود من التعاون مع روسيا والصين.

القيود القانونية والاقتصادية

ولا تتوقف التعقيدات عند الجوانب السياسية والأمنية، بل تمتد أيضًا إلى الإطار القانوني والاقتصادي الذي يحكم العلاقة بين البلدين.

فالقانون الأمريكي المعروف باسم “هيلمز–بيرتون”، الصادر عام 1996، يربط أي رفع للحظر الاقتصادي المفروض على كوبا بحدوث تحول سياسي واضح وتشكيل حكومة منتخبة ديمقراطيًا، ما يجعل أي تغيير جذري في السياسة الأمريكية تجاه الجزيرة رهينًا بشروط معقدة يصعب تحقيقها في المدى المنظور.

كما يخضع جزء كبير من الاقتصاد الكوبي لسيطرة مجموعة “جايسا” التابعة للقوات المسلحة، والتي تدير قطاعات حيوية تشمل الفنادق والموانئ والخدمات المالية وشبكات التوزيع.

وتزيد هذه الهيمنة من صعوبة إعادة هيكلة الاقتصاد في حال حدوث تغيير سياسي، مقارنة بالحالة الفنزويلية التي احتفظ فيها القطاع الخاص بمساحة أكبر من النشاط الاقتصادي.

وإضافة إلى ذلك، لا تمتلك واشنطن المبررات القانونية والسياسية نفسها التي استندت إليها في الحالة الفنزويلية. فبينما واجهت حكومة نيكولاس مادورو اتهامات أمريكية تتعلق بتهريب المخدرات ودعم أنشطة إرهابية، لا تواجه القيادة الكوبية اتهامات مماثلة، بل تؤكد هافانا استمرار تعاونها مع الأجهزة الأمريكية في ملفات مكافحة تهريب المخدرات، وهو ما يجعل أي تحرك ضدها أكثر تعقيدًا من الناحية القانونية والدبلوماسية.

دوافع التصعيد: لماذا تضغط واشنطن الآن؟

وفي هذا السياق، قال الخبير في العلاقات الدولية مراد الحاج لـ”داي نيوز” إن التصعيد الأمريكي الأخير تجاه كوبا لا يمكن فصله عن التحولات التي شهدتها أمريكا اللاتينية خلال الأشهر الماضية، مشيرًا إلى أن إدارة ترامب تنظر إلى هافانا باعتبارها إحدى أبرز القضايا العالقة في المنطقة بعد التغيرات التي شهدتها فنزويلا مطلع العام الجاري.

وأوضح الحاج أن توقيت الضغوط الحالية يرتبط إلى حد كبير بحالة الضعف الاقتصادي التي تمر بها كوبا، خاصة بعد تراجع الدعم الخارجي الذي كانت تعتمد عليه لسنوات، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى الاعتقاد بأن العقوبات والضغوط الاقتصادية قد تكون أكثر فاعلية الآن مما كانت عليه في مراحل سابقة.

وأضاف أن صعود التيار المتشدد داخل الإدارة الأمريكية يمثل عاملًا رئيسيًا في هذا التوجه، وعلى رأسه وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو، الذي يعد من أبرز الداعين إلى تشديد السياسة الأمريكية تجاه هافانا.

كما تتداخل هذه الرؤية مع اعتبارات داخلية تتعلق بولاية فلوريدا، حيث تتمتع الجالية الكوبية الأمريكية بنفوذ سياسي وانتخابي مؤثر، وتدعم منذ عقود تبني موقف أكثر صرامة تجاه الحكومة الكوبية.

وأشار الحاج إلى أن البعد الجيوسياسي لا يقل أهمية عن الاعتبارات الداخلية، موضحًا أن واشنطن تنظر بقلق إلى تنامي العلاقات بين كوبا من جهة وكل من روسيا والصين من جهة أخرى، لا سيما في المجالات الأمنية والتكنولوجية والاستخباراتية.

ويرى أن الإدارة الأمريكية تعتبر تقليص نفوذ موسكو وبكين في منطقة الكاريبي جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تثبيت نفوذها التقليدي في محيطها الجغرافي المباشر.

وعن مستقبل الأزمة، رجح الحاج استمرار سياسة “أقصى الضغوط” خلال الفترة المقبلة عبر العقوبات الاقتصادية والتضييق على مصادر الطاقة والتحويلات المالية، مع استبعاد أي مواجهة عسكرية مباشرة أو تحركات دراماتيكية على المدى القريب.

وأوضح أن واشنطن تدرك أن أي اضطراب واسع داخل كوبا قد يؤدي إلى موجات هجرة كبيرة باتجاه السواحل الأمريكية، وهو سيناريو لا ترغب الإدارة الأمريكية في تحمله سياسيًا وأمنيًا.

وختم الحاج بالقول إن المرحلة المقبلة ستشهد على الأرجح استمرار حالة الشد والجذب بين الطرفين، حيث ستواصل واشنطن ممارسة الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، فيما ستسعى هافانا إلى احتواء تداعيات الأزمة عبر تعزيز شراكاتها الخارجية والاعتماد على أدواتها الأمنية والسياسية للحفاظ على الاستقرار الداخلي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى