إيران تطرح تحالفًا أمنيًا إسلاميًا جديدًا.. هل يغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط؟

طرحت إيران مبادرة لإنشاء آلية أمنية إسلامية مشتركة تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان إلى جانب عدد من الدول الإسلامية، في خطوة تعكس تحولًا في رؤيتها للأمن الإقليمي بعد التطورات العسكرية الأخيرة في المنطقة.
وتستهدف المبادرة، وفق التصور الإيراني، بناء منظومة أمنية تعتمد على تعاون دول المنطقة بعيدًا عن النفوذ العسكري للقوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
وجاءت الدعوة على لسان القائم بأعمال وزير الدفاع الإيراني، اللواء سيد مجيد ابن الرضا، الذي دعا إلى تأسيس إطار أمني مشترك تتولى من خلاله الدول الإسلامية مسؤولية حماية أمنها واستقرارها، معتبرًا أن المرحلة الحالية تتطلب تعاونًا إقليميًا واسعًا لمواجهة التحديات المشتركة.
وتسعى طهران من خلال هذه المبادرة إلى الانتقال من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة بناء شراكات سياسية وأمنية تمنحها مساحة أوسع للتحرك، خاصة بعد المواجهة المباشرة مع إسرائيل وما تبعها من وقف لإطلاق النار، في ظل قناعة إيرانية بأن أي صراع جديد ستكون له تداعيات واسعة على المنطقة بأكملها.
واختارت إيران مصر والسعودية وتركيا لكونها تمثل أبرز القوى السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط. فمصر تمتلك واحدة من أكبر القوات المسلحة العربية، وتتمتع بموقع استراتيجي يضم قناة السويس، إلى جانب دورها المحوري في ملفات غزة وشرق المتوسط والبحر الأحمر.
أما السعودية، فتُعد أكبر قوة اقتصادية عربية، ولها دور متنامٍ في قضايا الأمن الإقليمي والطاقة، فضلاً عن شراكاتها الدفاعية الواسعة وتحركاتها الدبلوماسية خلال السنوات الأخيرة.
وفي المقابل، تتمتع تركيا بثاني أكبر جيش داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما تمتلك صناعة دفاعية متطورة تشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ والمدرعات والسفن الحربية، إضافة إلى حضورها العسكري في عدد من مناطق النزاع مثل سوريا والعراق والبحر الأسود وشرق المتوسط.
وترى طهران أن اجتماع هذه القوى في إطار أمني واحد سيمنح أي تحالف محتمل ثقلاً إقليميًا ودوليًا، ويؤسس لنظام أمني جديد تتولى فيه دول المنطقة مسؤولية أمنها دون الاعتماد على القوى الخارجية.
وتحمل المبادرة أيضًا رسالة سياسية واضحة تتمثل في تقليص الدور العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، إذ تؤكد إيران أن أمن المنطقة يجب أن يُدار من قبل دولها، بعيدًا عن القواعد الأجنبية والتحالفات العسكرية الغربية التي ترى أنها لم تحقق الاستقرار المنشود.
وجاء طرح هذه الرؤية بعد الحرب الأخيرة التي أظهرت، بحسب القراءة الإيرانية، أن أي مواجهة بين إيران وإسرائيل تمتد سريعًا إلى عدة ساحات تشمل لبنان وسوريا والعراق والبحر الأحمر وربما الخليج، بما يهدد الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية، وهو ما دفع طهران إلى الدعوة لإنشاء آلية جماعية تمنع اتساع رقعة الصراعات.
ورغم التحسن النسبي في العلاقات بين إيران وكل من مصر والسعودية خلال الفترة الأخيرة، فإن انضمام القاهرة والرياض إلى مثل هذا التحالف لا يبدو مطروحًا في المدى القريب، نظرًا لارتباط البلدين بشراكات دفاعية واسعة مع الولايات المتحدة ودول غربية، إلى جانب استمرار وجود تباينات في عدد من الملفات الإقليمية، مثل النفوذ الإيراني وأمن الملاحة والجماعات المسلحة.
أما تركيا، فتواجه معادلة أكثر تعقيدًا، إذ تجمعها بإيران ملفات تعاون تتعلق بأمن الحدود ومكافحة الإرهاب، لكنها في الوقت نفسه عضو رئيسي في حلف الناتو وتحتفظ بعلاقات دفاعية وثيقة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما انعكس في موقفها الحذر، حيث ركزت على أهمية تثبيت وقف إطلاق النار وتعزيز التعاون الثنائي دون إعلان تأييد صريح لفكرة التحالف الأمني.
وفي حال تطورت المبادرة إلى إطار عملي، فإنها قد تسهم في إنشاء قنوات اتصال عسكرية مباشرة بين القوى الإقليمية، وتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود والممرات البحرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ووضع آليات مشتركة لاحتواء الأزمات ومنع التصعيد العسكري.
لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب مستوى مرتفعًا من الثقة السياسية والتوافق بين الأطراف، وهو ما لا يزال يواجه تحديات كبيرة في ظل استمرار الخلافات والتنافس على عدد من الملفات الإقليمية.
ويرى مراقبون أن المبادرة الإيرانية تمثل في الوقت الراهن رسالة سياسية واستراتيجية أكثر من كونها مشروعًا جاهزًا للتنفيذ، إذ تسعى طهران من خلالها إلى تأكيد حضورها الإقليمي، وإظهار استعدادها للحوار مع دول المنطقة، وطرح رؤية بديلة للنظام الأمني في الشرق الأوسط تقوم على تعزيز التعاون بين الدول الإسلامية وتقليل الاعتماد على القوى الخارجية.
ورغم أن فرص إنشاء تحالف عسكري بهذا الشكل لا تبدو قريبة، فإن المبادرة تعكس بداية مرحلة جديدة من التنافس على رسم ملامح النظام الأمني في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، في ظل تعدد الرؤى بين القوى الإقليمية والدولية حول مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة.



