مقالات

أحداث تاريخية غيرت وجه الأردية.. الجزء الأول “فتح دهلي”

بقلم: أ.د. إبراهيم محمد إبراهيم السيد

هناك بعض الأحداث التاريخية التي كان لها أكبر الأثـر على اللغة الأردية ونشأتها وكذا أدبه ، ومن هذه الأحداث “فتح دهلى” على يد “قطب الدين أيبك”، ونقل العاصمة من “دهلى” إلى “دولت آباد” في عهد “محمد تغلق”.

الحدث:

تذكر كتب التاريخ أن “الدولة الغورية” فى شبه القارة الهندية قامت عام 1175م على أنقاض “الدولة الغزنوية” التى حكمت من عام 984م وحتى عام 1185م على اختلاف في التاريخ، واستمر حكم “الدولة الغورية” حتى عام 1206 م، أي ما يزيد قليلا على ثلاثين عاما حكم خلالها “غياث الدين الغورى” وأخوه “شهاب الدين الغورى” هذه البلاد معاً بشكل لا نكاد نجد له مثيـلاً، فقد حكـم الأخوان سوياً بأسلوب جسد معانى الأخوة والمـحبة، فكان الأخ الأكبر “غياث الدين الغورى” يهتم بأمور البلاد الداخلية، واستقرار الأمن فيها، والقضاء على تمردات وثورات الأتراك الغز وأمـراء سنجـر والخوارزميين، بينمـا كان الأخ الأصغـر “شهاب الدين الغورى” يعمل على توسيع رقعة الدولة بالفتوحات التى قام بها في شبه القارة الهندية، ونجح فيها إلى حد بعيد.

واستمر الحال على هذا المنوال حتى وفاة “غياث الدين” عام 599هـ/ 1203م عن عمر يناهز ثلاثة وستين عاماً بعد أن حكـم ثلاثاً وأربعين سنة، عندئذ صار “شهاب الدين الغورى” السلطان الأوحد للدولة الغورية، فتم له فتح “الملتان” عام 571هـ/ 1175م، و”بيشاور” عام 575هـ/ 1178م، وتم له القضـاء نهائياً على خلفاء الدولة الغزنوية فى الهند، ومع ذلك فقد ظلت “غزنة” عاصمة الدولة الغورية بعد أن كانت “لاهور” عاصمة للدولة الغزنوية فى الهند، وخاصة فى عهد المتأخرين من سلاطينها.

عَهِـَد السلطـان “شهاب الدين الغـورى” بالمناطق المفتوحة فى الهند إلى مملوكـه الوفى “قطب الدين أيبك” عام 588هـ/ 1191م وعاد هو إلى “غزنى”، وفى عام 589هـ/ 1192م أعلن “نوربن جى” حاكم دهلى تمرده على الدولة، فهاجمـه “قطب الدين أيبك”، واستولى على “دهلى” واتخـذها عاصمـة للدولــة الإسلاميـة في الهند. وفى عام 591هـ/ 1194م عَيَّنَ السلطان “شهاب الدين الغورى” “قطب الدين أيبك” نائباً له على المنـاطق المفتوحة فى الهند، واستقر هو فى “غزنى”. وواصل “قطب الدين أيبك” فتوحاته فى الهند، ففتـح “الگُجـرات” عـام 592هـ/ 1195م، وكانت تسـمى فى ذلك الوقـت باسـم “نيروالـه”، وفى العام نفسه استولى على “أجمير”، وفى عام 602هـ/ 1206م قُتِلَ “شهاب الدين الغورى” على يد القرامطة، ودُفن فى غزنى.

ولما لم يكن لـ “شهاب الدين الغورى” أولاد ذكور من صلبه، فلم يكن هناك من يتولى عرش الدولة من بعده سوى “محمود” ابن أخيه الذى كان يحكم “الغور وهرات وسيستان وخراسان الشرقيـة وفيروز كوه”، ولكن بمجرد أن تولى “محمود” هذا العرش أعلن “قطب الدين أيبك” سلطانا على الهند، وفوَّض إليـه حكمـها، فصـار “قطب الدين أيبك” سلطانا على الهند عام 603هـ/ 1206م، وتكونت بذلك دولـة المماليك “خاندان غلامان” فى شبـه القـارة الهنديـة التى حكمت من عام 603هـ/ 1206م وحتى عام 688هـ/ 1290م.

وتوفى فاتح دهلى “قطب الدين أيبك” عام 607هـ/ 1210م إثر سقوطـه من على حصانه بعد أن حكم الهند سلطـاناً لأربع سنوات، استطـاع خلالها أن يخلـق لنفسه مكاناً فى قلوب الناس بكرمه وسخائه حتى أُ‎طْلِقَ عليه حاتم الهند، وترك من الآثار ما خلَّد به التاريخ ذكره.

الأثر:

يذكر مؤرخـو الأدب الأردي أن الفتح الإسـلامي لدهلى على يد “قطـب الدين أيبـك” عام 1192م يعد فى الحقيقة بمثابة تاريخ ميلاد اللغة الأردية الحالية، وبداية ظهورها بوضوح على السطح، فقد استقرت بها العاصمة، وبالتالى رجال الدولة والجيش، واختلط المسلمون الفاتحون بأهل البلاد فى هذه المنطقة وضواحيها اختلاطا مباشرا استمر قرونا من الزمان كان له من الآثار والنتائج اللغوية ما أدى في نهاية الأمر إلى ظهور لغة كبيرة فرضت وجودها على ساحة اللغات فى شبه القارة الباكستانية الهندية من أقصاها إلى أقصاها.

لقد بدأ الاتصال الوثيق بين المسلمين والهندوس فى عهد الدولة الغزنوية فى الهند، وعلى وجه الخصوص فى العاصمة “لاهور” حيث مقـر الحكومة الغزنوية هناك، واستمر هذا الاتصال من عـام 984م وحتى عـام 1185م هى فترة حكم الدولـة الغزنويـة، ثم من عام 1175م وحتى عام 1206م هي فترة حكم الدولة الغورية، والتي حملت فيها لغات الفاتحين الكثير من الآثار اللغوية البنجابية.

ومع انتقال العاصمة إلى “دهلى”، واستقرار الحكومة هناك في عهد دولة المماليك وما تلاها من الحكومات الإسلامية المتتابعة حتى نهاية الحكم الإسلامي في شبـه القـارة الهنديـة كلها عام 1875م إلا في فترات قليلة متقطعة، زاد هذا الاتصال بين أهل البلاد، وأصبح أكثر عمقاً في منطقة العاصمة “دهلى” وضواحيها، والتى كان يُتَحَدَّثُ فيها بأربع لغات هى: “كهڑى بولى، برج بهاشا، ہريانى، ميواتى”، وكانت لغة “كهرى بولى” كما يقول كثير من المؤرخين هي أكثر اللغات تطورا ورقياً ورواجاً، ولكنها في ذلك الوقت عام 1193م الذي فتح فيه “قطب الدين أيبك” “دهلى” كانت لا تزال لغة تحادث وتخاطب، ولم تكن قد وصلت بعد إلى مرحلة اللغة الأدبية، وكانت هذه اللغة بمثابة الوعاء الذي استوعب الآثار اللغوية للغات الفاتحين “عربى، فارسى، تركى”، إضافة إلى الآثار اللغوية من مفردات وتراكيب وغيرها، والتي حملوها معهم من “البنجاب” التي استقر بها المسلمون ما يزيد على مائتي عام بقليل.

وفى “دهلى” وضواحيها بدأت الألفاظ والتراكيب من لغات الفاتحين تتسرب شيئاً فشيئاً إلى هذه اللغة الموجودة بالفعل، وبدأ شكلها الخارجى يتغير تدريجياً، فتبنت اللغة الأردية الألفاظ العربية والفارسية والتركية بتأثير الفاتحين، إضافة إلى ما دخلها من اللغات المحلية وخاصـة البنجابية، وتخلت فى المقابل عن بعض الألفاظ والتراكيب من اللغات المحلية الأخرى، وظلت ترتقى مدارج التطور حتى اتخذت من الخط العربى الفارسى خطا لها، ثم صار لها أدب يكتب بعد ما يقرب من مائتين وخمسين عاماً على الفتح الإسلامي لدهلي؛ حين تم العثور على أقـدم عمـل شـعرى متكامـل وهو مثنـوى “كدم راؤ پدم راؤ” لمؤلفـه “فخر دين نظـامى دكـنى” في جنوب الهنـد، وقد كتبـه على أرجح الآراء عام 1432م.

وبالتالي فان فتح “قطب الدين أيبك” لمدينة “دهلى” يعد حدثاً تاريخياً له أثره البعيد فى نشأة اللغة الأردية وتطورها، ولولاه لما ظهرت إلى الوجود لغة بهذا المسمى فى تلك المنطقة أو فى سواها.

يُتْبَعُ …..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى