أخبار دولية

فرنسا تحشد 70 ألف شرطي لمواجهة احتجاجات جديدة.. أزمة المعيشة والديون تهدد بتوسيع الاضطرابات

تستعد السلطات الفرنسية لنشر نحو 70 ألف شرطي في مختلف أنحاء البلاد، السبت، تحسبًا لموجة جديدة من الاحتجاجات والاضطرابات الجماهيرية، التي تتصاعد بفعل الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة والسياسات الحكومية في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون.

وتدخل الاحتجاجات أسبوعها الثالث، بمشاركة طلاب المدارس والجامعات والنقابات العمالية وحركة «السترات الصفراء» التي عادت إلى الشارع، بعد أسبوعين من أعمال شغب ونهب تسببت في أضرار واسعة بالمحال التجارية والمباني العامة والشركات في عدد من المدن الفرنسية.

وتزامن موعد المظاهرات الجديدة مع احتفالات عيد الهالوين، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى رفع مستوى الاستعداد خشية تكرار مشاهد العنف التي فاجأت قوات الأمن خلال التحركات السابقة. وتعهد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز باتخاذ إجراءات حازمة لمنع تجدد أعمال التخريب.

70 ألف شرطي واستعدادات أمنية مشددة

أعلنت الحكومة الفرنسية نشر قوة أمنية تضم 70 ألف فرد لمواجهة الاضطرابات المتوقعة وتأمين التجمعات والمظاهرات في أنحاء البلاد.

وقال وزير الداخلية لوران نونيز، خلال مؤتمر صحفي استعرض فيه الترتيبات الأمنية، إن يوم السبت ينطوي على «خطر كبير جدًا» لوقوع اضطرابات، مؤكدًا أن جميع الأجهزة المعنية مستعدة للتعامل بحزم شديد مع أي تجاوزات.

وتراقب السلطات احتمال لجوء بعض مثيري الشغب إلى استخدام أقنعة الهالوين لإخفاء هوياتهم أثناء الاحتجاجات. وأوضح نونيز أن القوانين الفرنسية تتيح للشرطة منع تغطية الوجه عندما يكون النظام العام معرضًا للخطر.

وفي إجراء احترازي، نصحت السفارة الأمريكية المسافرين بتجنب المناطق التي يُتوقع أن تشهد مظاهرات أو تجمعات جماهيرية كبيرة.

أزمة الموازنة والدين العام تضيق خيارات الحكومة

تصاعدت حدة الاحتجاجات منذ أواخر سبتمبر/أيلول، بالتزامن مع بدء حكومة ماكرون الأقلية مناقشات موازنة عام 2027، وسط ضغوط مالية متزايدة تواجهها الدولة الفرنسية.

ويقترب الدين العام من 120% من الناتج الاقتصادي، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، ما يضع الحكومة أمام ضغوط لخفض الإنفاق العام، ويحد من قدرتها على توفير تمويل جديد للاستجابة للمطالب الاجتماعية.

وتتوزع أسباب الاحتجاجات بين ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، وتراجع جودة الخدمات العامة، إلى جانب الأوضاع المتدهورة في المؤسسات التعليمية.

وشارك طلاب غاضبون من تهالك عدد كبير من المدارس وازدحام الفصول الدراسية، فضلًا عن نظام القبول بالجامعات الذي يرونه غير منصف، إلى جانب النقابات العمالية وحركة «السترات الصفراء» المطالبة بإجراءات تخفف الأعباء المعيشية عن المواطنين.

وعود إصلاح التعليم وخفض أسعار الوقود لم تهدئ الغضب

لم تنجح تعهدات الحكومة بإصلاح منظومة التعليم وتخفيف تكاليف الوقود في احتواء الاستياء الشعبي، مع استمرار شعور قطاعات واسعة بأن الإجراءات المعلنة لا تتناسب مع حجم المشكلات التي تواجهها.

وقال آرون بيرتييه دي جراندري، البالغ من العمر 15 عامًا، وهو طالب بالمرحلة الثانوية في ضاحية نوجان سور مارن القريبة من باريس، إنه يعتزم المشاركة في الاحتجاجات للمرة الثالثة على التوالي خلال عطلات نهاية الأسبوع.

وأشار إلى أن الشباب اعتادوا سماع أنهم يمثلون مستقبل فرنسا، لكنه تساءل عن هذا المستقبل في ظل نقص الموارد المتاحة لهم، محذرًا من أن استمرار حرمان الأجيال الجديدة من الإمكانات اللازمة قد يقود البلاد إلى الانهيار.

الاحتجاجات الفرنسية تلهم تحركات شبابية في أوروبا

امتدت أصداء الاحتجاجات الفرنسية إلى دول أوروبية أخرى، حيث ألهمت التحركات موجة من الاحتجاجات التي يقودها الشباب، مع التخطيط لتنظيم مظاهرات في أكثر من 30 مدينة ألمانية يوم السبت.

ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية في عدد من الدول الأوروبية، وسط مطالب بتحسين الخدمات العامة ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.

وعلى الصعيد السياسي الفرنسي، منحت الاضطرابات دفعة لزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، التي تتصدر استطلاعات الرأي قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل/نيسان المقبل، في حين لا تزال الشخصيات المنتمية إلى التيار الوسطي والمرشحة لخلافة ماكرون منقسمة.

خسائر المتاجر تتجاوز مليار يورو

تأتي موجة الاحتجاجات الجديدة في وقت يواجه فيه الاقتصاد الفرنسي ضغوطًا إضافية، بعدما أظهرت بيانات صدرت يوم الجمعة أنه كان يسجل انكماشًا خلال الربع الثالث من العام.

وقدرت غرفة التجارة خسائر قطاع التجزئة الناجمة عن الاضطرابات بأكثر من مليار يورو، أي ما يعادل نحو 1.1 مليار دولار، بينما تشير تقديرات أخرى إلى إمكانية وصول إجمالي الخسائر إلى ضعف هذا المبلغ عند احتساب الأضرار غير المشمولة بالتأمين والإيرادات التي فقدتها الشركات.

وفي شوارع التسوق الرئيسية بالعاصمة باريس، تتجاور أضواء زينة عيد الميلاد المبكرة مع واجهات متاجر أُغلقت بألواح خشبية وشبكات معدنية، بعدما تعرضت محال عديدة للتخريب خلال موجات العنف السابقة.

وضمت قائمة المتاجر المستهدفة منافذ تابعة لعلامات تجارية عالمية فاخرة، من بينها هيرميس ولويس فويتون وبربري، ما يعكس حجم الأضرار التي طالت الأنشطة التجارية في المناطق الحيوية.

قانون يحمّل مثيري الشغب تعويضات تصل إلى 10 آلاف يورو

تواصل الحكومة الفرنسية العمل على تمرير قانون مثير للجدل يهدف إلى تحميل المشاركين في أعمال الشغب تكاليف الأضرار التي يتسببون فيها، سواء ارتكبوها بأنفسهم أو كانوا ضمن مجموعات تُنسب إليها تلك الأفعال.

ويتيح المقترح فرض تعويضات تصل إلى 10 آلاف يورو، بما يعادل نحو 11 ألف دولار، على المتورطين في التخريب.

لكن منظمات حقوقية وعددًا من المحامين أعربوا عن مخاوفهم من أن يؤدي هذا الإجراء إلى تقويض الحق في التظاهر السلمي، خصوصًا فيما يتعلق بتحميل الأفراد مسؤولية أضرار ارتكبتها مجموعات، وما قد يترتب على ذلك من إشكالات بشأن إثبات المسؤولية وتحديد نطاقها.

وتواجه الحكومة الفرنسية بذلك اختبارًا صعبًا يتمثل في احتواء العنف وحماية الممتلكات العامة والخاصة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحق في الاحتجاج السلمي.

ضغوط متزامنة على الحكومة والاقتصاد الفرنسي

تعكس الاحتجاجات المتواصلة أزمة متعددة الأبعاد تواجهها حكومة ماكرون، تجمع بين المطالب الاجتماعية المتزايدة والقيود المالية وارتفاع تكاليف الاقتراض، إلى جانب الخسائر التي يتكبدها قطاع الأعمال نتيجة أعمال الشغب.

وفي ظل تراجع النشاط الاقتصادي خلال الربع الثالث، وتزايد الأضرار التي لحقت بالمتاجر والشركات، تجد الحكومة نفسها مطالبة بالموازنة بين ضبط الإنفاق والاستجابة لمطالب المواطنين المتعلقة بالمعيشة والتعليم والخدمات العامة.

ومع استعداد 70 ألف شرطي للانتشار في مختلف المناطق، تترقب فرنسا حجم المشاركة في المظاهرات الجديدة، ومدى قدرة الأجهزة الأمنية على منع تكرار أعمال العنف والنهب، بينما لا تزال أسباب الغضب الاجتماعي قائمة رغم الوعود الحكومية بالإصلاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى