الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل ويهدد الوظائف المبتدئة

يدفع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي الشركات إلى إعادة النظر في طريقة توظيف الموظفين الجدد، بعدما أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على تنفيذ العديد من المهام التي كانت تمثل نقطة البداية في المسار المهني، مثل البحث وإعداد المسودات وكتابة الأكواد وجمع البيانات والأعمال الإدارية.
وأصبحت بعض المؤسسات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنجاز الجزء الأكبر من المهام الروتينية، فيما يتركز دور الموظف المبتدئ بشكل متزايد على مراجعة النتائج التي تنتجها الأدوات الذكية وتحسينها والتأكد من جودتها.
وقال توبياس غرين، مؤسس وكالة «كاتاليست» الإعلانية، إن موظفًا مبتدئًا أصبح قادرًا على إدارة 5 حسابات لعملاء مختلفين، بعدما تولت أدوات الذكاء الاصطناعي مهام البحث وإعداد المسودات الأولية وجمع البيانات.
تغير معايير التوظيف
مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، بدأت الشركات تعطي أهمية أكبر لقدرة الموظفين على التعامل مع هذه الأدوات وتوجيهها، بدلًا من الاعتماد فقط على إتقان المهام التقليدية التي كانت تُستخدم سابقًا لتدريب الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية.
وأظهر تقرير مقياس الأعمال لعام 2026 الصادر عن الجامعة المفتوحة البريطانية أن 51% من قادة الأعمال يرون أن الذكاء الاصطناعي يغير أساليب التوظيف.
كما أشار 19% من المشاركين إلى أنهم خفضوا التوظيف في الوظائف المبتدئة، وقال 42% من هذه الشركات إن اعتماد الذكاء الاصطناعي كان أحد أسباب هذا القرار.
مخاوف بشأن اكتساب الخبرة
يثير تقليص الوظائف المبتدئة مخاوف بشأن قدرة الخريجين والموظفين الجدد على اكتساب الخبرة العملية التي يحتاجون إليها للتقدم في حياتهم المهنية.
وقالت لوسي بومونت، النائبة الأولى لرئيس المنتجات العالمية في شركة «SHL»، إن الوظائف المبتدئة كانت توفر بيئة يتعلم فيها الموظفون المهارات الأساسية، ويتعرفون إلى طبيعة العمل المؤسسي ويتعلمون من أخطائهم.
وترى بومونت أن اختفاء هذه المرحلة أو تقلصها بصورة كبيرة قد يؤثر لاحقًا في إعداد الكفاءات اللازمة للمستويات الإدارية والقيادية.
من الهرم إلى «الماسة»
تشهد بعض الشركات تحولًا في هياكلها التنظيمية، من النموذج الهرمي التقليدي إلى هيكل يشبه «الماسة»، بحيث يزداد عدد الموظفين في المستويات المتوسطة مقارنة بالمستويات المبتدئة.
وقد يساعد هذا النموذج في معالجة بعض احتياجات الشركات على المدى القصير، لكنه يطرح تساؤلات حول كيفية إعداد جيل جديد من الموظفين القادرين على الوصول مستقبلًا إلى المناصب الإدارية والقيادية.
الذكاء الاصطناعي قد يخلق وظائف جديدة
ورغم المخاوف بشأن تراجع بعض الوظائف، لا تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى اختفاء الوظائف المبتدئة بالكامل.
وأظهر استطلاع أجرته شركة «كلاروس» أن 45% من الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي لمساعدة الموظفين المبتدئين على إنجاز أعمالهم بصورة أسرع وأكثر كفاءة، فيما أفاد نحو ربع المشاركين بأن استخدام التقنية يؤدي أيضًا إلى ظهور وظائف وفرص عمل جديدة.
قطاع البرمجيات في مقدمة التحول
يعد قطاع تطوير البرمجيات من أكثر المجالات تأثرًا بهذا التحول، إذ أصبح المطورون يتولون بصورة متزايدة مهمة الإشراف على الأعمال التي تنفذها أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إدارة الفرق البشرية.
وقالت شيلا فلافل، المديرة التنفيذية للعمليات في مجموعة «FDM»، إن مهارات التعاون وإدارة العمل أصبحت أكثر أهمية مع تغير طبيعة مهام المطورين.
التركيز على القدرات بدلًا من التخصص
بدأت بعض الشركات أيضًا تغيير طريقة اختيار الخريجين، بحيث لا يكون التوظيف مرتبطًا دائمًا بتخصص جامعي محدد أو وظيفة محددة مسبقًا.
وبدلًا من ذلك، تركز المؤسسات على القدرات العامة للمتقدم، ومدى قابليته للتعلم والتكيف وإعادة اكتساب المهارات.
وأشارت بومونت إلى أن بعض البنوك العالمية أصبحت تبحث عن خريجين من تخصصات مثل علم النفس والقانون، على أساس أن المهارات التقنية يمكن اكتسابها لاحقًا، بينما قد يكون تطوير مهارات التفكير النقدي أكثر صعوبة إذا لم تكن موجودة لدى الموظف من البداية.
الخبرة البشرية تظل عنصرًا مهمًا
يحذر خبراء من أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد الموظف المبتدئ على إنتاج نتائج أفضل وأسرع، لكنه لا يمنحه تلقائيًا القدرة على تقييم جودة هذه النتائج أو اكتشاف الأخطاء فيها.
وأوضح تشيني هاميلتون، مدير الأبحاث في شركة «Bloor»، أن المهام الروتينية التي كان يؤديها الموظفون الجدد لم تكن مجرد أعمال بسيطة، بل كانت وسيلة لاكتساب الخبرة وفهم سياق العمل وتطوير القدرة على اتخاذ القرارات.
تدريب جديد يعتمد على مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي
وفي مواجهة هذا التحدي، بدأت بعض الشركات في تجربة أساليب تدريب مختلفة، تقوم على تكليف الموظفين الجدد بمراجعة الأعمال التي ينتجها الذكاء الاصطناعي وتصحيحها تحت إشراف موظفين أكثر خبرة.
وبذلك يتحول الهدف من مجرد الحفاظ على المهام الروتينية القديمة إلى إيجاد طرق جديدة تضمن انتقال المعرفة والخبرة المهنية إلى الجيل الجديد من العاملين، بالتزامن مع توسع اعتماد الشركات على الذكاء الاصطناعي.



