«حين أصبحت المدرسة مسؤوليتها الشخصية».. قصة صالحة أبو الفضل التي أثارت تعاطف المصريين

لم تكن الأستاذة صالحة أبو الفضل تنظر إلى مدرسة الشهيد أحمد سمير بقرية كفر الجزار في بنها باعتبارها مجرد مكان تذهب إليه كل صباح لأداء عملها، بالنسبة إليها، كانت المدرسة مسؤولية.
مسؤولية عن فصول ينتظر فيها الطلاب بداية عام دراسي جديد، وعن مبنى يجب أن يكون جاهزًا لاستقبالهم، وعن تفاصيل صغيرة قد لا يلتفت إليها أحد، لكنها بالنسبة لمديرة المدرسة تعني الكثير.
ومع اقتراب العام الدراسي، كانت المدرسة لا تزال تواجه مشكلات في بعض المرافق والتجهيزات.
طرقت صالحة أبو الفضل أبواب الجهات المختصة، وقدمت مخاطبات بشأن احتياجات المدرسة، لكن بعض المشكلات ظلت قائمة.
وهنا، بحسب روايتها، قررت أن تفعل ما تستطيع.
أن تمد يدها إلى جيبها، بدلًا من أن تنتظر أن تحل الإجراءات كل شيء.
قالت إنها تحملت من مالها الخاص نفقات مرتبطة بتجهيز وإصلاح بعض مرافق المدرسة، وتحدثت عن تكلفة وصلت إلى 7100 جنيه لتوصيل الكهرباء، كما أشارت إلى أعمال أخرى متعلقة بالصرف الصحي والتجهيزات.
لم تكن تتحدث عن رفاهية.
كانت تتحدث عن مدرسة يريد طلابها أن يدخلوا إليها في بداية العام وهم يجدون مكانًا صالحًا للتعلم.
لكن اللحظة التي غيرت كل شيء جاءت أثناء جولة تفقدية لمحافظ القليوبية داخل المدرسة.
وقف المحافظ أمام المديرة يسأل عن حالة المدرسة واستعداداتها، ودار نقاش حول النظافة والمرافق والاحتياجات.
وحين شرحت صالحة أنها أنفقت من مالها الخاص على بعض الأعمال، جاء الرد الذي جعل الحوار يتحول إلى حديث واسع على مواقع التواصل:
«متفهمنيش إنك بتصرفي على الدولة يا أستاذة».
لم تتراجع المديرة.
أخرجت مستنداتها، وقالت إنها تمتلك ما يثبت ما تتحدث عنه.
لم تكن تلك اللحظة مجرد نقاش بين مسؤولة ومحافظ.
كانت لحظة ظهر فيها وجه آخر من حياة مديرة مدرسة قضت وقتها في محاولة سد فجوات رأت أنها تعطل مدرستها.
وفي تصريحات لاحقة، تحدثت صالحة عن ظروفها الشخصية، وقالت إنها أرملة وتعاني من مشكلات صحية، وإنها تقضي ساعات طويلة داخل المدرسة لمتابعة العمل والتجهيزات.
ومع ذلك، استمرت.
لأنها، كما تقول، تحب المدرسة.
وبعد مغادرة المحافظ، لم تتوقف القصة.
فبعد نحو عشر دقائق، وصلت إلى المدرسة تسع سيارات محملة بالرمال، وبدأت إجراءات للتعامل مع مشكلة الصرف الصحي، في مشهد أعاد الأمل إلى مكان كان قبل دقائق فقط محورًا للجدل.
انتشر مقطع المواجهة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفجأة أصبحت «الأستاذة صالحة» حديث الناس.
فريق رأى فيها نموذجًا للمدير الذي يتحمل مسؤوليته حتى النهاية، وفريق آخر طالب بالتحقق من حقيقة كل ما أنفقته قبل إصدار الأحكام.
أما نقابة المهن التعليمية، فأعلنت تكريمها، تقديرًا لموقفها وجهودها في المدرسة، ولما اعتبرته تحملًا لأعباء إصلاح بعض مشكلاتها.
لكن القصة لم تتوقف عند التكريم.
فالمحافظ أوضح لاحقًا أن المستندات التي قدمتها المديرة، بحسب ما تم فحصه، لم تثبت سدادها مبالغ من مالها الخاص، وإن كانت تثبت أنها خاطبت الإدارة التعليمية أكثر من مرة بشأن مشكلات المدرسة. كما أكد عدم اتخاذ أي إجراء عقابي ضدها.
وهنا تصبح قصة صالحة أبو الفضل أكبر من مجرد فيديو انتشر على مواقع التواصل.
إنها قصة سؤال يتكرر داخل مدارس كثيرة:
ماذا يفعل مدير مدرسة عندما يرى مشكلة أمام عينيه، بينما تنتظر الحل إجراءات ومكاتبات وجهات متعددة؟
هل ينتظر؟
أم يحاول أن يفعل شيئًا بإمكانياته؟
صالحة اختارت أن تحاول.
وربما لهذا السبب لم يتوقف الناس عند الكلمات التي قيلت في الفيديو، بل توقفوا عند المرأة التي وقفت أمام الكاميرات وهي تتحدث عن مدرستها كما لو كانت تتحدث عن بيتها.
فالمدرسة بالنسبة إليها لم تكن مجرد وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات العمل.
كانت مكانًا تريد أن تراه جاهزًا لأطفال سيجلسون في فصوله، ويكتبون أول سطور عام دراسي جديد.
وفي النهاية، قد يختلف الناس حول قيمة ما دُفع فعلًا، وحول ما تثبته المستندات من عدمه.
لكن شيئًا واحدًا ظل حاضرًا في المشهد:
أن وراء كل مدرسة أشخاصًا يحملون مسؤوليتها، وأحيانًا يحملون معها همومها أيضًا.



