رسوم كندا الجمركية تستهدف ولايات أمريكية محددة.. تعرف على الأكثر تضررًا

أعلنت كندا فرض رسوم جمركية انتقامية جديدة على سلع أمريكية بقيمة نحو 20 مليار دولار، بنسب تصل إلى 50%، في خطوة قالت الحكومة الكندية صراحة إنها تستهدف الضغط على الإدارة الأمريكية من خلال التركيز على منتجات تصدرها ولايات أمريكية رئيسية.
وتأتي الخطوة في أحدث تصعيد للحرب التجارية بين البلدين، بعدما فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسومًا جمركية مرتفعة على واردات كندية، وسط تعثر المفاوضات التجارية بين واشنطن وأوتاوا.
كندا تختار الولايات المستهدفة
قالت وزيرة الصناعة الكندية ميلاني جولي إن بلادها اختارت المنتجات المستهدفة بالرسوم بطريقة استراتيجية، مشيرة إلى أن الهدف هو ممارسة ضغط سياسي على الولايات المتحدة.
وتشمل الإجراءات الكندية أكثر من 800 نوع من السلع الأمريكية، ما يفتح نطاق التأثير أمام قطاعات صناعية وزراعية مختلفة.
وتتراوح الرسوم الجديدة بين 15% و25% و50%، ومن المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في 8 سبتمبر/أيلول 2026.
ويرى خبراء اقتصاديون أن اختيار السلع لم يكن عشوائيًا، إذ يستهدف قطاعات ترتبط بولايات أمريكية مهمة سياسيًا واقتصاديًا، خصوصًا ولايات الغرب الأوسط والشمال الشرقي.
ولايات صناعية وزراعية أمام الخطر
من أبرز الولايات المرشحة للتأثر بالرسوم الكندية:
ميشيغان: بسبب صناعة السيارات وقطع الغيار والتجارة المكثفة مع كندا.
إنديانا: بسبب قطاع التصنيع والسلع الصناعية المصدرة إلى السوق الكندية.
ويسكونسن: بسبب صادرات منتجات الألبان، إلى جانب السيارات وقطع الغيار.
فيرمونت: حيث تعتمد نسبة كبيرة من صادرات الألبان على السوق الكندية.
مين: بسبب صادرات جراد البحر، التي ستخضع لرسوم جديدة.
أوهايو: بسبب صادرات السيارات وقطع الغيار.
ألاسكا وفلوريدا وماساتشوستس: بسبب صادرات المأكولات البحرية.
وتعد كندا أكبر سوق لصادرات 27 ولاية أمريكية، وفق بيانات الحكومة الكندية، ما يمنح أوتاوا قدرة على توجيه تأثير الرسوم إلى مناطق محددة داخل الولايات المتحدة.
الرسوم تضرب قطاعات أمريكية متعددة
ستفرض كندا رسومًا بنسبة 50% على بعض منتجات الصلب والألومنيوم، إضافة إلى الأثاث والملابس وبعض المنتجات الأخرى.
كما ستخضع منتجات مثل:
الأجهزة المنزلية
منتجات الألبان والجبن
الأسماك والمأكولات البحرية
بعض مشتقات الصلب والألومنيوم
لرسوم تبلغ 25%.
وتستمر أيضًا الرسوم الكندية القائمة على السيارات الأمريكية.
وفي قطاع السيارات، تشمل الإجراءات الجديدة الدراجات النارية وشاحنات النقل والمقطورات وعربات السكك الحديدية وبعض قطع السيارات.
ميشيغان في قلب المواجهة
يعد قطاع السيارات أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالتجارة بين الولايات المتحدة وكندا، وتحديدًا بين ميشيغان ومقاطعة أونتاريو الكندية.
ويقول خبراء إن تدفق قطع السيارات عبر الحدود مستمر بشكل كبير، ما يجعل فرض رسوم إضافية على هذه المنتجات مصدر ضغط مباشر على الشركات والمصنعين في الولايتين.
كما قد يمتد التأثير إلى ولايات مثل ويسكونسن وأوهايو التي تصدر كميات كبيرة من السيارات وقطع الغيار إلى كندا.
مين تواجه ضربة في قطاع جراد البحر
من أكثر الإجراءات حساسية سياسيًا فرض كندا رسومًا بنسبة 25% على جراد البحر الأمريكي.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بالنسبة إلى ولاية مين، التي يعتمد جزء مهم من اقتصادها على صناعة صيد جراد البحر.
ويرى خبراء أن استهداف هذا المنتج يحمل دلالة سياسية، خصوصًا مع وجود منافسة انتخابية قوية في الولاية.
الألبان في ويسكونسن وفيرمونت
تستهدف الرسوم أيضًا قطاع الألبان، ما يضع منتجي الجبن والحليب في ولايات مثل ويسكونسن وفيرمونت أمام ضغوط جديدة.
وتكتسب السوق الكندية أهمية خاصة بالنسبة إلى فيرمونت، إذ تشتري كندا نحو 80% من صادرات الولاية من الجبن والحليب.
وبالتالي، فإن زيادة تكلفة المنتجات الأمريكية في السوق الكندية قد تدفع المستهلكين إلى شراء بدائل محلية.
لماذا اختارت كندا هذا التوقيت؟
التوقيت يحمل أهمية سياسية واضحة.
فالرسوم الجديدة ستدخل حيز التنفيذ في 8 سبتمبر/أيلول، أي قبل أقل من شهرين من الانتخابات العامة الأمريكية.
ويرى محللون أن أوتاوا تدرك جيدًا العلاقة بين التجارة والسياسة داخل الولايات المتحدة، وأن استهداف قطاعات معينة في ولايات ذات منافسة انتخابية قد يزيد الضغط على الإدارة الأمريكية.
وقال خبراء إن الرسوم الكندية ستطال ولايات ذات توجهات سياسية مختلفة، سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية أو متأرجحة.
كندا تراهن على الضغط السياسي
تقول الخبيرة التجارية الأمريكية ماري لوفلي إن طبيعة المنتجات التي تصدرها الولايات المتحدة إلى كندا تعني أن تأثير الرسوم سيكون متفاوتًا بين الولايات.
وبالتالي، فإن كندا لا تضرب الاقتصاد الأمريكي بشكل موحد، وإنما تستهدف قطاعات بعينها يمكن أن يكون للضغط عليها انعكاس اقتصادي وسياسي داخل الولايات المتحدة.
وتشتري كندا نحو عُشر إجمالي الصادرات الأمريكية، كما تمتلك قنصليات في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة، ما يمنحها معرفة واسعة بالاقتصاد والسياسة المحلية الأمريكية.
واشنطن ترد: كندا رفضت أفضل صفقة
دافعت إدارة ترامب عن سياستها التجارية، وقال المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي إن ولايات قلب أمريكا، مثل ميشيغان وإنديانا، كانت من أكثر المناطق تضررًا مما وصفه بالممارسات التجارية الأجنبية غير العادلة.
وأضاف أن كندا عُرضت عليها أفضل صفقة تجارية بين شركاء الولايات المتحدة، لكنها رفضت الاتفاق وطالبت باستمرار وصول منتجاتها إلى السوق الأمريكية دون معاملة بالمثل.
وتؤكد تصريحات واشنطن أن إدارة ترامب لا تنظر إلى الإجراءات الكندية باعتبارها مجرد خلاف تجاري، وإنما باعتبارها جزءًا من معركة أوسع حول شروط التجارة الثنائية.
ترامب يصعد الرسوم على كندا
جاء التصعيد الكندي بعد قرار إدارة ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على المنتجات الكندية.
كما أعلن ترامب فرض رسوم بنسبة 50% على واردات السيارات والصلب الكندية، على أن تدخل هذه الرسوم حيز التنفيذ في 1 يناير/كانون الثاني 2027 إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق تجاري بين البلدين.
وبذلك أصبحت الرسوم المتبادلة أداة الضغط الرئيسية في المفاوضات بين واشنطن وأوتاوا.
كندا تحاول دفع مواطنيها لشراء المنتجات المحلية
لا تقتصر استراتيجية الحكومة الكندية على فرض الرسوم.
فقد دعت وزيرة الصناعة الكندية المواطنين إلى شراء المنتجات المصنوعة في كندا، مطالبة المتاجر بتمييز المنتجات المحلية بوضوح.
وتأمل الحكومة أن تؤدي زيادة أسعار السلع الأمريكية نتيجة الرسوم إلى دفع المستهلكين نحو البدائل الكندية.
لكن هذا الخيار قد يحمل تكلفة على المستهلك الكندي أيضًا، إذ إن المنتجات المحلية ليست بالضرورة أرخص من المنتجات الأمريكية.
الرسوم قد تضر الاقتصاد الكندي أيضًا
رغم أن الهدف الأساسي من الإجراءات هو الضغط على الولايات المتحدة، فإن كندا نفسها قد تدفع ثمن التصعيد.
ووفق تحليل صادر عن أوكسفورد إيكونوميكس في 24 أغسطس/آب، فإن الرسوم الجديدة قد ترفع التضخم الكندي بنحو 0.3 نقطة مئوية خلال عام 2027، مع تأثير سلبي مماثل على النمو الاقتصادي.
ويرجع ذلك إلى أن الرسوم الجمركية تعمل عمليًا كضريبة على المبيعات، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة السلع المستوردة.
وأكد محللون أن الإجراءات لا يُتوقع أن تدفع كندا بالضرورة إلى الركود، لكنها ستزيد حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسة التجارية بين البلدين.
الحكومة الكندية تستعد لمساعدة المتضررين
أقرت الحكومة الكندية بأن بعض الشركات والعمال المحليين قد يتعرضون لضغوط نتيجة الحرب التجارية.
ولهذا أعلنت خططًا لتوسيع القروض المقدمة للشركات ومساعدات البطالة لمواجهة التداعيات المحتملة.
وتحاول أوتاوا بذلك تحقيق توازن بين استخدام الرسوم كسلاح تفاوضي ضد واشنطن وحماية الاقتصاد الكندي من الآثار الجانبية للتصعيد.
تدخل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا مرحلة أكثر حساسية، بعدما اختارت أوتاوا استهداف سلع ترتبط بشكل مباشر بقطاعات صناعية وزراعية في ولايات أمريكية مؤثرة.
ولا تكمن أهمية الخطوة في قيمة الرسوم فقط، بل في طريقة اختيار المنتجات وتوقيت تنفيذها؛ فالمعادلة الكندية تقوم على رفع تكلفة الصادرات الأمريكية، والضغط على الشركات والعمال، وربما دفع الناخبين والقيادات المحلية إلى مطالبة واشنطن بالتوصل إلى اتفاق.
وفي المقابل، تواجه كندا معضلة مزدوجة: الضغط على الولايات المتحدة دون الإضرار باقتصادها والمستهلكين الكنديين.
وبذلك تتحول الرسوم من مجرد أداة تجارية إلى سلاح اقتصادي وسياسي متبادل بين حليفين تاريخيين، في وقت تقترب فيه الولايات المتحدة من انتخابات التجديد النصفي.



