الهند تراهن على استمرار صادرات الأرز إلى إيران رغم تشديد العقوبات الأمربكية

تراهن الهند على استمرار صادرات الأرز إلى إيران رغم تصاعد الضغوط الأمريكية وتشديد العقوبات المفروضة على طهران، في ظل تمسك السوق الإيرانية بشراء الغذاء الأساسي ووجود قنوات مالية بديلة تساعد التجار على إتمام المدفوعات.
وتعد الهند أكبر مُصدر للأرز في العالم، بينما يمثل الأرز الجزء الأكبر من تجارتها مع إيران. فقد استحوذ على نحو ثلثي صادرات الهند إلى طهران، التي بلغت قيمتها الإجمالية 1.25 مليار دولار خلال السنة المالية المنتهية في مارس الماضي.
وفي المقابل، اشترت إيران نحو 7% من إجمالي صادرات الأرز الهندية عالمياً، والتي بلغت قيمتها 11.5 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
أكثر من مليون طن خلال عام
أظهرت البيانات الحكومية أن إيران اشترت أكثر من مليون طن من الأرز الهندي خلال السنة المالية الماضية، مقارنة بنحو 855 ألف طن في العام السابق، بزيادة بلغت 17%. وتعكس هذه الزيادة استمرار الطلب الإيراني على الأرز رغم ارتفاع الأسعار والاضطرابات التي أثرت على التجارة بسبب الحرب.
ويعزو المصدرون الهنود استمرار المشتريات الإيرانية إلى حاجة طهران إلى تأمين إمداداتها الغذائية، باعتبار الأرز سلعة أساسية في السوق الإيرانية، وهو ما يجعل الطلب عليه أكثر قدرة على الصمود أمام الاضطرابات التجارية والعقوبات.
كما يمثل السوق الإيراني أهمية خاصة لصناعة الأرز البسمتي الهندية؛ إذ كانت إيران من أكبر الأسواق الخارجية للأرز الهندي الفاخر، فيما أشارت بيانات حديثة إلى أن صادرات الأرز الهندية إلى إيران بلغت نحو 383.11 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026.
لماذا يتمسك الإيرانيون بالأرز الهندي؟
يحتل الأرز موقعاً رئيسياً في المائدة الإيرانية، ويدخل في أطباق تقليدية عديدة، من بينها “تشيلو”، وهو أرز مطهو على البخار يقدم عادةً مع الكباب واليخنات، و”تهديغ”، وهي القشرة المقرمشة التي تتكون في قاع إناء الطهي.
ويرى المصدرون أن طبيعة السلعة الغذائية الأساسية تمنح تجارة الأرز فرصة للاستمرار، خاصة مع وجود استثناءات إنسانية تسمح بتجارة الغذاء والدواء والسلع الزراعية في ظل العقوبات الأمريكية.
لكن وجود الاستثناءات لا يعني أن التجارة محصنة تماماً؛ إذ قد تتردد البنوك وشركات التأمين والشحن في التعامل مع المعاملات المرتبطة بإيران خشية التعرض للعقوبات الأمريكية.
قنوات مالية بديلة لتجاوز العقوبات
لم يعتمد التجار الهنود على التعامل المباشر مع البنوك الإيرانية، بل طوروا قنوات بديلة لتسوية المدفوعات التجارية.
وقال مسؤولون في قطاع تصدير الأرز إن التجار استخدموا قنوات مالية في الإمارات وألمانيا والصين، ومؤخراً تركيا، لتسوية المدفوعات الخاصة بالتجارة مع إيران. ووفق المصدرين، ظلت هذه القنوات تعمل دون اضطرابات كبيرة حتى الآن.
غير أن هذا المسار يواجه تحديات متزايدة بعد قرار الإمارات تعليق الأنشطة التجارية والتبادلات والمعاملات المالية مع إيران، وهو ما يهدد أحد أهم الطرق التي اعتمد عليها المصدرون الهنود في السنوات الأخيرة.
وكانت دبي والإمارات تشكلان حلقة مهمة في عمليات الدفع والشحن، إذ كانت شركات تجارية إماراتية تتولى التعامل مع المشترين الإيرانيين، بينما يحصل المصدرون الهنود على مستحقاتهم عبر حسابات تلك الشركات وبنوك هندية معتمدة.
تركيا تظهر كبديل
مع تراجع قدرة المسار الإماراتي على العمل، بدأ التجار في البحث عن طرق بديلة لإجراء المدفوعات وتنظيم التجارة مع إيران.
وتبرز تركيا كأحد الخيارات المطروحة، في محاولة للحفاظ على تدفق السلع الهندية إلى السوق الإيرانية، لكن المصدرين يحذرون من أن تغيير مسار المدفوعات قد لا يحل جميع المشكلات، خصوصاً مع تشدد البنوك وشركات التأمين في التعامل مع إيران.
وقد يؤدي اللجوء إلى طرق أطول وأكثر تعقيداً إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والتحويلات المالية، حتى بالنسبة إلى السلع التي لا تستهدفها العقوبات بشكل مباشر.
العقوبات الأمريكية تضغط على التجارة
تأتي هذه التطورات بعد إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عقوبات جديدة شملت أكثر من 60 كياناً وفرداً وسفينة، مع تحذير الدول والشركات التي تواصل التعامل التجاري مع إيران من احتمال تعرضها لإجراءات اقتصادية.
وتسعى واشنطن من خلال العقوبات الثانوية إلى تضييق قدرة إيران على الوصول إلى النظام المالي الدولي وتجفيف مصادر الإيرادات المرتبطة بها.
ومع ذلك، لا تستهدف الإجراءات الجديدة الأرز والشاي والأدوية بصورة مباشرة، كما أن التجارة الإنسانية والغذائية لا تزال تستفيد من استثناءات قانونية أمريكية. إلا أن المصدرين يرون أن المخاطر العملية تبقى قائمة بسبب إحجام البنوك وشركات الشحن والتأمين عن تحمل أي مخاطر مرتبطة بالسوق الإيرانية.
صادرات أخرى مهددة
لا تقتصر صادرات الهند إلى إيران على الأرز، إذ تشمل أيضاً الأدوية والشاي والموز والحبوب ولحوم الأبقار وبعض المنتجات والمواد الكيميائية.
ويعتقد المصدرون أن هذه السلع يمكن أن تستمر في الوصول إلى إيران، مستفيدين من الاستثناءات الإنسانية ومحدودية البدائل المتاحة أمام السوق الإيرانية.
لكن قطاع الشاي يواجه هو الآخر ضغوطاً بسبب اعتماده على المسار الإماراتي؛ فقد بلغت قيمة صادرات الشاي الهندي إلى إيران نحو 14.34 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026.
النفط.. الجانب الآخر من العلاقة
في الاتجاه المقابل، كانت الهند تاريخياً تعتمد على إيران كمصدر مهم للنفط الخام، لكن نيودلهي أوقفت وارداتها النفطية من طهران منذ عام 2019، باستثناء فترة قصيرة سمحت خلالها إعفاءات أمريكية باستئناف بعض الواردات هذا العام.
وخلال النصف الأول من 2026، بلغت قيمة واردات الهند من النفط الخام الإيراني نحو 707 ملايين دولار، إلى جانب كميات أقل من غاز البترول المسال والتفاح والتمور واللوز والكيوي.
وتبدو استمرارية هذا المسار أكثر غموضاً من تجارة السلع الغذائية، خصوصاً مع انتهاء الإعفاءات الأمريكية وتشديد واشنطن حملتها على طهران.
تراجع كبير في التجارة الثنائية
ورغم استمرار تجارة الأرز والسلع الإنسانية، تراجعت التجارة بين الهند وإيران بشكل كبير خلال السنوات الماضية.
فقد انخفض حجم التجارة الثنائية بأكثر من 90% مقارنة بذروة بلغت نحو 17 مليار دولار خلال السنة المالية 2018-2019، وأصبحت الصادرات الهندية الحالية تتركز بدرجة كبيرة في السلع الغذائية والدوائية التي تستفيد من الاستثناءات الإنسانية.
الهند تطالب بحماية التجارة الإنسانية
ويرى مسؤولون في قطاع التصدير الهندي أن العقوبات الجديدة لا ينبغي أن تؤدي إلى تعطيل صادرات الغذاء والدواء إلى إيران.
ودعا رئيس اتحاد منظمات التصدير الهندية إس. سي. رالهان الحكومة إلى التدخل سريعاً على أساس إنساني، ووضع ترتيبات تساعد المصدرين على مواصلة التعامل مع السوق الإيرانية.
وبالنسبة إلى الهند، لا تمثل التجارة مع إيران حجماً ضخماً مقارنة بإجمالي تجارتها الخارجية، لكن السوق الإيرانية تظل مهمة بشكل خاص لمصدري الأرز البسمتي وبعض المنتجات الزراعية والدوائية.
وفي الوقت نفسه، تواجه الشركات الهندية معادلة صعبة: الحفاظ على سوق إيرانية ذات طلب قوي على الغذاء، من دون الوقوع في دائرة العقوبات الأمريكية أو فقدان إمكانية الوصول إلى البنوك وشركات الشحن والتأمين الدولية.
وبالتالي، تبدو صادرات الأرز الهندية إلى إيران أمام اختبار جديد؛ فاستمرار الطلب الإيراني والإعفاءات الإنسانية يمنحان التجارة فرصة للبقاء، بينما يمثل توقف المسارات المالية التقليدية وتشدد العقوبات الأمريكية العقبة الأكبر أمام استمرارها بنفس الوتيرة.



