وفاة أيقونة موسيقى الريف الأمريكية دوللي بارتون عن 80 عاماً

توفيت المغنية وكاتبة الأغاني الأمريكية دوللي بارتون عن عمر ناهز 80 عاماً، بعد مسيرة فنية امتدت قرابة سبعة عقود، انتقلت خلالها من طفولة فقيرة في جبال تينيسي إلى أن أصبحت واحدة من أبرز رموز موسيقى الريف والثقافة الشعبية في الولايات المتحدة.
وأعلنت عائلة بارتون وفاتها في مدينة ناشفيل بولاية تينيسي، فيما أفاد فريقها بأنها فارقت الحياة في مركز فاندربيلت-إنغرام للسرطان، محاطة بأفراد عائلتها وأحبائها، عقب معاناة قصيرة مع مرض السرطان.
ولم تقتصر مسيرة بارتون على الغناء، إذ عُرفت أيضاً ككاتبة أغانٍ وممثلة وسيدة أعمال وشخصية تلفزيونية وناشطة في العمل الخيري.
وخلال مسيرتها، كتبت أكثر من 3 آلاف أغنية، وباعت أكثر من 100 مليون تسجيل حول العالم، كما حصلت على 11 جائزة غرامي، إضافة إلى عشرات الجوائز والترشيحات الأخرى.
ومن أشهر أعمالها أغاني «جولين»، و«معطف من ألوان كثيرة»، و«سأظل أحبك دائماً»، التي اكتسبت شهرة عالمية واسعة بعدما أعادت المغنية الأمريكية ويتني هيوستن تسجيلها في تسعينيات القرن الماضي.
طفولة متواضعة وبداية مبكرة مع الموسيقى
وُلدت دوللي ريبيكا بارتون عام 1946، وكانت الرابعة بين 12 طفلاً في أسرة ريفية فقيرة عاشت في منزل صغير مكوّن من غرفة واحدة بالقرب من نهر ليتل بيجون في جبال تينيسي.
كان والدها روبرت لي بارتون يعمل مزارعاً للتبغ، بينما كانت والدتها آفي لي تغني الأغاني الشعبية في المنزل، وهو ما ساعد على تشكيل علاقة دوللي المبكرة بالموسيقى.
كما تأثرت بأحد أقاربها الذي كان يعزف الغيتار ويكتب الأغاني، بينما رافقها عمها بيل أوينز بالغيتار خلال بعض عروضها الأولى.
بدأت الغناء في الكنيسة المحلية وهي في السادسة من عمرها، وكان جدها قسيساً فيها. وقبل بلوغها مرحلة المراهقة، ظهرت على إحدى محطات التلفزيون المحلية، لتبدأ خطواتها الأولى نحو عالم الفن.
وفي عام 1959، عندما كانت في الثالثة عشرة، وصلت إلى مسرح «غراند أولي أوبري» الشهير في ناشفيل، حيث قدمها المغني المعروف جوني كاش للجمهور.
وحظيت إطلالتها بتفاعل كبير، إذ طالبها الجمهور بإعادة الغناء ثلاث مرات متتالية، لتصبح تلك اللحظة إحدى المحطات المبكرة التي دفعتها نحو مسيرتها الفنية الطويلة.
مظهر أصبح جزءاً من هويتها
خلال سنوات المراهقة، استوحت بارتون جزءاً من مظهرها من امرأة محلية كانت تلفت الأنظار بطلاء أظافرها الأحمر وملابسها الجريئة وأحذيتها ذات الكعب العالي.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه الصورة إلى علامة مميزة لها، من الشعر الأشقر المستعار والأظافر الطويلة إلى الملابس اللامعة والأحذية ذات الكعب المرتفع.
وكانت بارتون تدرك جيداً أهمية مظهرها في جذب انتباه الجمهور، كما لم تكن تتردد في السخرية من نفسها وشكلها قبل أن يستخدم الآخرون ذلك ضدها.
وعندما كانت تواجه النكات المرتبطة بصورة المرأة الشقراء، كانت تؤكد أنها تعرف تماماً الصورة التي اختارت تقديمها وأنها تستخدمها عن قصد كجزء من شخصيتها الفنية.
الانتقال إلى ناشفيل وبداية الشهرة
بعد تخرجها من المدرسة الثانوية عام 1964، انتقلت بارتون إلى ناشفيل لتحقيق حلمها في احتراف الموسيقى.
وفي اليوم الأول لوصولها إلى المدينة، التقت كارل دين، الذي تزوجته بعد عامين، واستمر زواجهما حتى وفاته عام 2025.
وفي ناشفيل، لفت صوتها انتباه نجم موسيقى الكانتري بورتر واغونر، الذي ضمها إلى برنامجه التلفزيوني.
وخلال السنوات السبع التالية، حققت بارتون وواغونر نجاحاً كبيراً كثنائي في موسيقى الريف، قبل أن يبدأ نجاحها الفردي في إحداث توتر داخل العلاقة المهنية بينهما.
وفي عام 1974، غادرت بارتون البرنامج لتتفرغ لمسيرتها الخاصة، وقدمت لواغونر أغنية «سأظل أحبك دائماً» في مناسبة وداعهما المهني.
«سأظل أحبك دائماً».. من أغنية وداع إلى نجاح عالمي
لم تكتب بارتون أغنية «سأظل أحبك دائماً» في الأصل باعتبارها أغنية حب تقليدية، وإنما جاءت تعبيراً عن مشاعرها عند مغادرة برنامج بورتر واغونر والابتعاد عن شراكتها المهنية معه.
وفي عام 1992، أعادت ويتني هيوستن تسجيل الأغنية لتكون إحدى الأغاني الرئيسية لفيلم «الحارس الشخصي»، لتتحول إلى واحدة من أشهر الأغاني في تاريخ الموسيقى الحديثة.
وروت بارتون أنها كانت تقود سيارتها عندما سمعت تسجيل هيوستن للأغنية للمرة الأولى، واضطرت إلى التوقف من شدة تأثرها بالأداء.
وكانت بارتون قد رفضت في وقت سابق عرضاً لتسجيل الأغنية بصوت إلفيس بريسلي، بعدما طلب مدير أعماله الحصول على نصف حقوق كتابة الأغنية.
ورغم صعوبة القرار، ساعد موقفها في الحفاظ على حقوقها الفكرية ورسّخ صورتها كفنانة تدرك القيمة التجارية لأعمالها.
«جولين» و«9 إلى 5».. نجاح تجاوز موسيقى الكانتري
في عام 1974 أيضاً، أطلقت بارتون أغنية «جولين»، التي تناولت قصة امرأة تخشى أن تفقد زوجها بسبب امرأة أخرى.
وقدمت بارتون الشخصية في الأغنية من زاوية مختلفة عن صورة المرأة الواثقة؛ إذ ركزت على الغيرة والخوف والضعف والخشية من فقدان الشخص الذي تحبه.
وأعاد عدد من الفنانين تقديم الأغنية لاحقاً، من بينهم مايلي سايرس وبيونسيه.
وفي عام 1980، وسعت بارتون حضورها في عالم السينما من خلال مشاركتها في بطولة فيلم «9 إلى 5» إلى جانب جين فوندا وليلي توملين.
وكتبت بارتون الأغنية الرئيسية للفيلم، الذي تناول التمييز ضد النساء في أماكن العمل.
وخلال تصوير الفيلم، لاحظت أن أظافرها الأكريليك تُصدر صوتاً عند النقر، يشبه صوت آلة الكتابة، فاستوحت من ذلك الإيقاع الموسيقي للأغنية.
وأصبحت «9 إلى 5» من أشهر أغانيها، وساعد نجاحها على ترسيخ مكانتها كفنانة قادرة على تجاوز حدود موسيقى الكانتري.
من المغنية إلى سيدة أعمال
لم تعتمد بارتون في بناء ثروتها وشهرتها على الموسيقى وحدها، بل دخلت أيضاً عالم الأعمال.
وأسست شركة تسجيل خاصة بها، كما شاركت في ملكية وإدارة مجموعة «دوللي وود» الترفيهية.
وفي عام 1986، افتتحت متنزهها الشهير في منطقة جبال سموكي، وهي المنطقة التي ارتبطت بطفولتها وذكرياتها الأولى.
ومع مرور السنوات، توسعت مشروعاتها لتشمل مرافق ترفيهية وفنادق ومشروعات تجارية أخرى.
وفي عام 2022، أدرجتها مجلة «فوربس» ضمن قائمة أغنى النساء اللواتي صنعن ثروتهن بأنفسهن في الولايات المتحدة.
ورغم نجاحها المالي الكبير، حافظت بارتون على ارتباطها بالمجتمعات التي نشأت فيها، وخصصت جزءاً من ثروتها ونفوذها لدعمها.
العمل الخيري.. إرث آخر لدوللي بارتون
كان العمل الخيري أحد أبرز جوانب حياة بارتون خارج الفن.
وفي عام 1995، أطلقت برنامج «مكتبة الخيال»، بهدف توفير الكتب المجانية للأطفال، مستوحية الفكرة من والدها الذي لم يكن يجيد القراءة والكتابة.
بدأ البرنامج في ولاية تينيسي، قبل أن يتوسع إلى دول أخرى مثل بريطانيا وكندا وأستراليا وأيرلندا، وأصبح يوزع ملايين الكتب على الأطفال سنوياً.
كما قدمت مؤسستها الخيرية دعماً للمنح الدراسية والمستشفيات، وساعدت المتضررين من الكوارث الطبيعية وحرائق الغابات.
وخلال جائحة كورونا عام 2020، تبرعت بمليون دولار لمركز فاندربيلت الطبي الجامعي، وساهمت الأموال في تمويل أبحاث مرتبطة بلقاح موديرنا.
وبذلك أصبح العمل الخيري جزءاً رئيسياً من إرث بارتون، إلى جانب أعمالها الموسيقية والفنية.
سنواتها الأخيرة ومشكلات صحية
في السنوات الأخيرة من حياتها، اضطرت بارتون إلى تأجيل بعض عروضها بسبب ظروف صحية.
وفي مايو 2026، أعلنت تأجيل عرض فني كان مقرراً في لاس فيغاس، بسبب خضوعها للعلاج من حصوات الكلى.
وقالت آنذاك لجمهورها إنها بحاجة إلى بعض الوقت للتعافي قبل العودة إلى المسرح، وحافظت على حسها الفكاهي المعتاد، إذ مازحت بشأن صعوبة الوقوف على الكعب العالي وحمل الآلات الموسيقية وارتداء الملابس الثقيلة المزينة بالأحجار.
لكن رحيلها جاء لاحقاً بعد معركة قصيرة مع مرض السرطان، وفق ما أعلن فريقها.
مسيرة بعيدة عن الاستقطاب السياسي
على مدار حياتها، ابتعدت بارتون إلى حد كبير عن الاستقطاب السياسي، وركزت بصورة أكبر على الموسيقى والعمل الخيري.
كما لعبت دوراً مهماً في فتح الطريق أمام أجيال من المغنيات وكاتبات الأغاني في موسيقى الكانتري، خصوصاً في فترة لم يكن حضور المرأة كفنانة منفردة يحظى دائماً بالتقدير الكافي.
واستمرت بارتون في تقديم العروض حتى سنوات متقدمة من عمرها، ومن أبرز ظهوراتها المتأخرة مشاركتها في عرض خلال استراحة مباراة في دوري كرة القدم الأمريكية بمناسبة عيد الشكر عام 2023، عندما كانت في السابعة والسبعين من عمرها.
إشادات واسعة بعد رحيلها
بعد إعلان وفاتها، انهالت كلمات الرثاء من شخصيات بارزة في الولايات المتحدة وعالم الفن.
وأشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ببارتون، وأعلن تنكيس الأعلام الأمريكية لمدة أسبوع تكريماً لها، في خطوة نادرة تعكس مكانتها العامة.
ووصف الرئيس الأسبق جو بايدن بارتون بأنها مدافعة لا تعرف الكلل عن المرأة والمساواة، بينما قال الرئيس الأسبق باراك أوباما إنه من الصعب تخيل شخص أحدث تأثيراً أكبر منها.
كما نعاها نجم فرقة البيتلز بول مكارتني، واصفاً إياها بالمرأة الرائعة والنجمة الكبيرة، ومشيداً بموهبتها في كتابة الأغاني والغناء والعمل الخيري.
وقالت الإعلامية أوبرا وينفري إن «لا أحد مثلها»، معتبرة أن بارتون حلمت بحياة كبيرة ثم عاشت حياة تجاوزت ما كان يمكن أن تتخيله.
وفي ناشفيل، تجمع محبوها بالقرب من قاعة مشاهير موسيقى الكانتري ومن نجمتها على ممشى المشاهير، ووضعوا الزهور وأشعلوا الشموع، بينما ارتدى بعضهم أحذية رعاة البقر وردد آخرون أغانيها الشهيرة، وفي مقدمتها «جولين» و«معطف من ألوان كثيرة».
إرث يتجاوز الشهرة
كانت دوللي بارتون تؤكد دائماً أنها ترغب في أن يتذكرها الناس قبل كل شيء باعتبارها كاتبة أغاني.
وتركت وراءها أعمالاً أصبحت جزءاً من الذاكرة الموسيقية العالمية، إذ تناولت في أغانيها موضوعات الحب والغيرة والفقدان والفقر والطموح والكرامة، بأسلوب جعل موسيقاها تتجاوز جمهور الكانتري التقليدي وتصل إلى أجيال مختلفة حول العالم.
وبوفاتها عن 80 عاماً، تنتهي حياة إحدى أبرز الشخصيات في تاريخ الموسيقى الأمريكية، لكن أغانيها وشخصيتها وأعمالها الخيرية ستواصل حضورها في الثقافة الشعبية لسنوات طويلة.



