اقتصاد وتكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي يربك بيئة العمل ويهز الثقة بين الموظفين

يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل وطريقة أداء الموظفين لمهامهم، لكنه في الوقت نفسه يتسبب في مشكلات جديدة داخل الشركات، تتراوح بين ضعف التواصل وانتشار المحتوى منخفض الجودة، وصولاً إلى تراجع الثقة بين الزملاء وارتفاع المخاوف بشأن الاستقرار الوظيفي.

وتظهر هذه التداعيات بوضوح في قصص موظفين أصبحوا يواجهون صعوبة في معرفة ما إذا كانوا يتعاملون مع زملائهم مباشرة أم مع أنظمة ذكاء اصطناعي تتولى إدارة رسائلهم واتصالاتهم.

ومن أبرز الحالات، مديرة مشاريع في شيكاغو عملت مع خبير في الذكاء الاصطناعي بدأ يعتمد على وكلاء ذكيين لإدارة بريده الإلكتروني. لكن هذه الأنظمة قامت باستبعاد رسائل ورسائل نصية مهمة، ما تسبب في تأخير تنفيذ التزامات مرتبطة بأحد العملاء.

ومع مرور الوقت، فقد فريقها القدرة على الوصول إلى الخبير أو التواصل معه بصورة مباشرة، رغم أن التواصل بينهما كان يتم سابقاً عبر الهاتف ومكالمات الفيديو.

ووصل الأمر بالمديرة إلى البحث عن فعاليات محلية يشارك فيها الخبير كمتحدث، على أمل مقابلته شخصياً، حتى بدأت تتساءل عما إذا كانت تتعامل فعلاً مع شخص حقيقي.

الذكاء الاصطناعي يخلق توتراً بين الزملاء

لم تعد آثار الذكاء الاصطناعي مقتصرة على تحسين الإنتاجية أو تقليل الوقت اللازم لإنجاز المهام، بل أصبحت تؤثر أيضاً في العلاقات المهنية.

فبعض الموظفين يرسلون إلى زملائهم أعمالاً أُنجزت بالذكاء الاصطناعي لكنها ضعيفة الجودة، فيما يشكك آخرون في قدرات زملائهم عندما يستخدمون أدوات مثل ChatGPT أو Claude لإنجاز مهام كان يُنظر إليها سابقاً باعتبارها دليلاً على المهارة والخبرة الشخصية.

ومنذ انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي على نطاق واسع بعد إطلاق ChatGPT للعامة في عام 2022، اضطر كثير من الموظفين إلى تعلم استخدام هذه الأدوات بأنفسهم.

وأظهر استطلاع ربع سنوي أجرته CNBC بالتعاون مع SurveyMonkey وشمل 1686 موظفاً، أن نحو نصف العاملين يستخدمون الذكاء الاصطناعي من مرة أسبوعياً إلى عدة مرات يومياً. كما قال 84% منهم إنهم تعلموا استخدام هذه الأدوات بشكل ذاتي دون تدريب رسمي، بينما أفاد 55% بأن شركاتهم لا تمتلك سياسة رسمية واضحة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي.

هذا الغياب للسياسات الواضحة يؤدي إلى رسائل متناقضة داخل المؤسسات؛ فقد يشجع المدير الموظف على استخدام الذكاء الاصطناعي لإنجاز العمل بصورة أسرع، بينما ينظر إليه زميل آخر باعتباره شخصاً يحاول اختصار الطريق أو التهرب من أداء المهمة بنفسه.

هل استخدام الذكاء الاصطناعي يقلل من تقدير الموظف؟

تواجه بعض المهارات البشرية مشكلة جديدة، إذ أصبح الموظف معرضاً للتشكيك في جودة عمله حتى عندما لا يستخدم الذكاء الاصطناعي.

وتحدثت موظفة موارد بشرية في لندن عن تجربة شعرت خلالها بأن زميلها يقلل من جهدها بعدما أثنى على رسالة إلكترونية كتبتها ثم سألها مباشرة عما إذا كانت استعانت بـChatGPT في إعدادها.

وترى الموظفة أن مثل هذه الأسئلة قد تحول الإطراء إلى انتقاد مبطن، لأنها تشعر بأن المهارات التي طورتها على مدار سنوات تختزل في قدرتها على كتابة أوامر جيدة لأدوات الذكاء الاصطناعي.

وتشير تجربة أجرتها شركة Atlassian على نحو 1000 موظف أميركي إلى أن الأشخاص الذين أعلنوا استخدامهم للذكاء الاصطناعي في العمل كانوا أكثر عرضة لوصفهم بالكسل، كما تراجعت احتمالية ترشيحهم للمشاركة في مشروعات مهمة.

“العمل الرديء” الناتج عن الذكاء الاصطناعي

من أبرز الظواهر التي ظهرت داخل بيئات العمل ما يعرف باسم “workslop”، ويقصد به المحتوى الذي يبدو جيداً من الناحية الشكلية، لكنه يفتقر إلى القيمة أو الدقة ويحتاج إلى إعادة العمل عليه.

ووفق دراسة أجرتها BetterUp بالتعاون مع مختبر ستانفورد لوسائل التواصل الاجتماعي في سبتمبر 2025، قال نحو 40% من موظفي المكاتب في الولايات المتحدة إنهم يتلقون هذا النوع من المحتوى، الأمر الذي يضطرهم إلى قضاء ساعات إضافية في تصحيحه وإعادة صياغته.

وتوضح كيم بودي، مؤسسة شركة الاتصالات 8thirtyfour، أنها خسرت نحو 10 آلاف دولار بعد الاستعانة بمقاول لإعداد محتوى لحملة، قبل أن تضطر إلى إعادة صياغة العمل بالكامل لأنه بدا وكأنه منتج بواسطة الذكاء الاصطناعي.

وترى بودي أن تراجع جودة العمل لا يؤثر فقط في الإنتاجية، بل يضغط أيضاً على العلاقات المهنية ويزيد التوتر بين أعضاء فرق العمل.

الخوف من فقدان الوظائف يتزايد

يتزامن انتشار الذكاء الاصطناعي مع مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الوظائف.

وأظهر استطلاع CNBC أن نحو واحد من كل خمسة موظفين يشعر بأن وظيفته أصبحت أقل أماناً، في حين أصبح نحو ثلث الموظفين أكثر تشاؤماً تجاه سوق العمل بسبب الذكاء الاصطناعي.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه سوق العمل من انخفاض معدلات التوظيف ومحدودية عمليات التسريح، ما يجعل بعض الموظفين أكثر تمسكاً بوظائفهم، بينما يقضي آخرون فترات طويلة في البحث عن فرص جديدة.

وفي المقابل، تضغط الشركات على العاملين لإنجاز المزيد خلال وقت أقل، وتنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة لزيادة الإنتاجية وتقليل التكاليف.

وترى لينا ريني، نائبة رئيس محفظة المنتجات في شركة Skillsoft، أن الموظفين أصبحوا مطالبين بإنجاز المزيد بموارد أقل، ما يزيد الضغوط الواقعة عليهم.

كما أظهر تقرير لشركة Gartner صدر في مايو أن الشركات التي قامت بتسريح موظفين بهدف زيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي لم تحقق عائداً واضحاً على هذه الاستثمارات.

وأفاد تقرير آخر أعده باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بأن نحو 95% من المؤسسات لم تحقق عائداً يذكر من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي التوليدي، رغم ضخ عشرات المليارات من الدولارات في هذه التقنيات.

استخدام الذكاء الاصطناعي لمجرد استخدامه

يرى فيكتور ريباربيلي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Synthesia، أن ضغط الإدارة لتحقيق نتائج أسرع قد يدفع الموظفين إلى استخدام الذكاء الاصطناعي حتى عندما لا تكون هناك حاجة حقيقية إليه.

وقال إنه اضطر إلى انتقاد بعض الموظفين بسبب استخدامهم أدوات الذكاء الاصطناعي لإعداد وثائق معقدة، اتضح أنها مليئة بالكلمات والمعلومات غير الضرورية.

وتكمن المشكلة، بحسب هذا الرأي، في أن أدوات مثل ChatGPT وClaude تستطيع إنتاج نصوص تبدو شديدة الفصاحة والإقناع، لكن قراءة المحتوى بصورة دقيقة قد تكشف عن وجود الكثير من الحشو وقلة القيمة العملية.

الذكاء الاصطناعي كوسيط بين الموظفين

بدأ بعض العاملين أيضاً في استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيط للتعامل مع زملائهم، بدلاً من التواصل معهم مباشرة.

ووفق استطلاع CNBC، فإن نحو ربع الموظفين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي سبق أن طلبوا من زملائهم اللجوء إلى أداة ذكاء اصطناعي للحصول على إجابة بدلاً من سؤالهم مباشرة.

ومن بين أسباب هذا السلوك الرغبة في تشجيع الآخرين على الاعتماد على أنفسهم، وتوفير الوقت، وتقليل المقاطعات أثناء العمل.

لكن هذه الطريقة قد تأتي بنتائج عكسية، إذ يرى خبراء في الإدارة أن توجيه زميل إلى سؤال الذكاء الاصطناعي بدلاً من الاستفادة من خبرته قد يُفهم على أنه تجاهل لخبراته أو عدم اهتمام بالتعاون معه.

وتؤكد أليسون غرين، المستشارة الإدارية ومبتكرة عمود “Ask a Manager”، أن الموظف قد يلجأ إلى زميله تحديداً لأنه يريد الاستفادة من خبرته وليس مجرد الحصول على معلومة عامة يمكن الوصول إليها عبر محرك بحث أو أداة ذكاء اصطناعي.

الذكاء الاصطناعي قد يضعف العلاقات الإنسانية

تقول جينيفر بيردسول، كبيرة المسؤولين السريريين في ComPsych، إن استخدام الذكاء الاصطناعي لتوفير الوقت لا ينبغي أن يكون على حساب التواصل البشري، لأن التفاعل المباشر يمكن أن يكون عاملاً مهماً في الإبداع والابتكار.

وتشير أبحاث أجرتها BetterUp Labs بالتعاون مع مختبر وسائل التواصل الاجتماعي بجامعة ستانفورد وكلية سعيد للأعمال في جامعة أكسفورد إلى أن استخدام القادة للذكاء الاصطناعي بدلاً من المحادثات التطويرية المباشرة، مثل التوجيه المهني والنقاش حول المسار الوظيفي، ارتبط بزيادة رغبة الموظفين في الاستقالة بنسبة 29%، وارتفاع الاحتراق الوظيفي بنسبة 26%، وتراجع التنسيق داخل الفريق بنسبة 12%.

ويعكس ذلك مخاوف من أن يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى وسيط دائم بين البشر، ما قد يقلل من جودة العلاقات داخل المؤسسات.

أخطاء الذكاء الاصطناعي تخلق مشكلات جديدة

مع اعتماد الشركات أدوات الذكاء الاصطناعي تظهر أيضاً مشكلات مرتبطة بكيفية استخدامها.

ففي إحدى شركات الهندسة المعمارية في واشنطن العاصمة، اكتشف الموظفون أن أداة Copilot التابعة لمايكروسوفت أضافت ميزة لتسجيل ملاحظات الاجتماعات تلقائياً، مع إرسال النصوص الناتجة إلى الأشخاص المدرجين ضمن قائمة المشاركين.

وأثارت هذه الخاصية مخاوف لدى قسم الموارد البشرية، لأن بعض الاجتماعات كانت تتضمن معلومات حساسة أو نقاشات وانتقادات قد تفقد معناها وسياقها عند تحويلها إلى نص مكتوب.

ودفعت هذه المشكلة الشركة إلى وضع قاعدة تمنع استخدام أدوات تدوين الاجتماعات إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة من جميع المشاركين.

الانقسام حول تأثير الذكاء الاصطناعي

لا يوجد حتى الآن اتفاق واضح حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يجعل بيئة العمل أفضل أم أسوأ.

فوفق استطلاع أجرته مؤسسة Gallup في فبراير وشمل 23,717 شخصاً، قال نحو نصف الموظفين في المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي إن ثقافة العمل تغيرت خلال العام السابق.

وكان الانقسام شبه متساوٍ بين الموظفين؛ إذ رأى 25% أن ثقافة العمل أصبحت أسوأ إلى حد ما، بينما رأى 24% أنها تحسنت.

وتشير هذه النتائج إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على طريقة إدارتها داخل المؤسسة، والسياسات التي تنظم استخدامها، ومدى قدرة الموظفين على الحفاظ على التواصل البشري إلى جانب الاستفادة من الأدوات الجديدة.

الذكاء الاصطناعي لا يصنع كل المشكلات من الصفر

ترى أليسون غرين أن كثيراً من المشكلات التي تظهر حالياً بسبب الذكاء الاصطناعي كانت موجودة أصلاً داخل أماكن العمل، مثل المديرين السيئين، والزملاء غير المتعاونين، وسوء التواصل، وضعف التقدير.

لكن الذكاء الاصطناعي أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى هذه المشكلات.

فبيئة العمل كانت تتطلب في الأساس التعامل مع اختلاف الشخصيات وتوازنات القوة والحاجة إلى الدبلوماسية، ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى معظم جوانب العمل أصبح الموظفون مطالبين أيضاً بفهم متى يستخدمون هذه التقنية وكيف يستخدمونها، ومتى يكون التواصل الإنساني المباشر أكثر فاعلية.

وفي النهاية، لا يبدو أن المشكلة الأساسية تتمثل في وجود الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي يتم بها دمجه داخل بيئة العمل.

فحين يستخدم كأداة مساعدة يمكن أن يختصر الوقت ويرفع الإنتاجية، أما عندما يحل محل الخبرة البشرية أو التواصل المباشر أو المراجعة الدقيقة، فقد يتحول إلى مصدر جديد للفوضى والتوتر وانعدام الثقة بين الموظفين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى