منوعات

ذهان ما بعد الولادة.. كيف دفع أمًا إلى قتل أطفالها الثلاثة؟

تتصدر قضية ليندسي كلانسي، التي قتلت أطفالها الثلاثة في الولايات المتحدة عام 2023، واحدة من أكثر المحاكمات إثارة للجدل، بعدما ركز الدفاع على معاناتها من ذهان ما بعد الولادة وفقدانها الاتصال بالواقع وقت ارتكاب الجريمة.

كلانسي، التي كانت تبلغ 32 عامًا حينها، لا تنكر أنها تسببت في وفاة أطفالها، لكن فريق دفاعها يقول إنها كانت تعاني اضطرابًا ذهانيًا شديدًا جعلها غير مسؤولة جنائيًا عن أفعالها.

طلبت المساعدة قبل المأساة

خلال الأشهر التي سبقت الجريمة، لجأت كلانسي إلى متخصصين بسبب معاناتها من الأرق والقلق والخدر النفسي والأفكار الانتحارية، وتلقت في النهاية 13 دواءً نفسيًا مختلفًا.

ويرى الدفاع أنها حصلت على أدوية كثيرة، بينما لم يتمكن مقدمو الرعاية الصحية من اكتشاف تدهور حالتها النفسية والوصول إلى التشخيص الصحيح.

أم محبة رغم معاناتها النفسية

خلال جلسات المحاكمة، وصف أفراد من عائلتها وأصدقائها ومعارفها كلانسي بأنها أم محبة وشخصية تهتم بأطفالها.

وكان لديها ثلاثة أطفال صغار: كالان، البالغ 8 أشهر، وكورا البالغة 5 سنوات، ودوسون البالغ 3 سنوات.

وقالت إحدى معلمات أطفالها إنها كانت أمًا محبة ومهتمة بأبنائها، بينما وصفها أحد أقارب زوجها السابق بأنها أم جيدة، وقالت إحدى صديقات طفولتها إنها كانت شخصية جيدة وصديقة وأمًا جيدة.

لكن خلف هذه الصورة العائلية الطبيعية، كانت كلانسي تعاني اضطرابات متزايدة، أبرزها عدم القدرة على النوم، حتى إنها أخبرت معالجتها بأنها تشعر وكأنها “زومبي”.

لماذا لم يُشخّص الذهان؟

أدلى ثلاثة أطباء نفسيين عالجوا كلانسي قبل الجريمة بشهاداتهم أمام المحكمة، وشرحوا أسباب عدم تشخيصها بذهان ما بعد الولادة.

وقالت الطبيبة أليا غودهارت إنها اعتبرت كلانسي في ذلك الوقت مريضة منخفضة الخطورة، رغم إبلاغها عن الأرق والخدر النفسي والأفكار الانتحارية، لأنها لم تعلن وجود خطة لتنفيذ تلك الأفكار.

أما الطبيبة جينيفر تافتس فقالت إن كلانسي كانت قلقة من احتمال تطور أفكار انتحارية لديها إذا استمرت حالتها في التدهور، لكنها لم ترَ مؤشرات على الهوس.

وأوصت تافتس بإيقاف دواء زولوفت، أو سيرترالين، واقترحت وسائل طبيعية مثل زيت السمك، إلى جانب استخدام لورازيبام في حالات القلق الشديد.

وقد أصبحت الطبيبتان غودهارت وتافتس جزءًا من دعوى إهمال طبي رفعها كلانسي وزوجها السابق.

الأرق كان علامة تحذير مهمة

ركزت شهادة الطبيبة نيكول كومي، المتخصصة في الصحة النفسية بعد الولادة، على مشكلة الأرق التي عانت منها كلانسي.

وأوضحت أن قلة النوم يمكن أن تكون علامة مهمة على وجود مشكلة نفسية لدى النساء بعد الولادة، مشيرة إلى أن كلانسي كانت تحاول بالفعل الحصول على المساعدة، لكنها لم تكن تعرف طبيعة المشكلة التي تمر بها.

وترى كومي أن كون كلانسي سبق أن أنجبت ثلاثة أطفال ربما جعل المحيطين بها يفترضون أنها تعرف كيفية التعامل مع ضغوط الأمومة، ما ساهم في تطبيع بعض الأعراض التي كانت تعاني منها.

كما أكدت أن ذهان ما بعد الولادة قد يبدو نادرًا لمن هم خارج المجال الطبي، لكنه معروف لدى المتخصصين ويمكن أن يتطور بسرعة إلى نتائج خطيرة إذا لم يتم اكتشافه والتعامل معه مبكرًا.

انتقادات لطريقة التعامل مع الأمهات

اعتبرت كومي القضية مثالًا على وجود مشكلة أوسع في رعاية الصحة النفسية للأمهات بعد الولادة.

وترى أن كلانسي كانت ترسل إشارات واضحة بأنها بحاجة إلى المساعدة داخل منزلها وفي النظام الصحي، لكن التعامل معها انحصر إلى حد كبير في الأدوية وإعادة توجيهها بين مقدمي الرعاية.

كما حذرت من الاعتماد على المظهر الخارجي للحكم على الحالة النفسية للأم، مشيرة إلى أن المرأة قد تبدو قادرة على أداء واجباتها اليومية بينما تعاني في داخلها من اضطرابات نفسية شديدة.

وفي يوم مقتل الأطفال نفسه، اصطحبت كلانسي ابنتها كورا إلى موعد طبي روتيني، ووصف الطبيب الزيارة بأنها طبيعية بحسب ما يتذكر.

لكن كومي قالت إن قدرة الشخص على أداء وظائفه اليومية لا تعني بالضرورة أن حالته النفسية الداخلية مستقرة.

ماذا حدث يوم الجريمة؟

بعد قتل أطفالها الثلاثة، أقدمت كلانسي على إيذاء نفسها في محاولة للانتحار، ثم قفزت من نافذة في الطابق الثاني.

وأدى السقوط إلى إصابتها بالشلل من الخصر إلى أسفل.

وتقدم النيابة تفسيرًا مختلفًا للأحداث، إذ ترى أن محاولة الانتحار الفاشلة يمكن أن تدعم موقفها بشأن نية قتل الأطفال، بينما يؤكد الدفاع أن ما حدث كان نتيجة انهيار ذهاني وفقدان الاتصال بالواقع.

كما أظهرت التحقيقات، وفق ما ورد في المحاكمة، عدم وجود أدلة على أن كلانسي كانت قد أساءت معاملة أطفالها قبل الجريمة.

محاكمة تتجاوز قضية عائلة واحدة

أصبحت القضية أكبر من مجرد محاكمة جنائية، بعدما تحولت إلى نقاش حول قدرة النظام الصحي على اكتشاف اضطرابات الصحة النفسية لدى الأمهات بعد الولادة.

ويواجه المحلفون سؤالًا معقدًا: هل يمكن أن تكون المرأة التي وصفها المحيطون بها بأنها أم محبة وملتزمة في الوقت نفسه تعاني اضطرابًا نفسيًا خطيرًا لم يلاحظه من حولها؟

ويرى خبراء الصحة النفسية المشاركون في القضية أن الإجابة تبرز الحاجة إلى زيادة الوعي بذهان ما بعد الولادة، وتحسين اكتشاف أعراضه، وتوفير رعاية نفسية أكثر تكاملًا للأمهات بدل الاكتفاء بالعلاج الدوائي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى